أختم رؤيتي في استدامة التطور بالجامعة والتي من خلالها قدمت بعض الملاحظات التي تعيق استدامة التطور بجامعة الملك سعود، بالتركيز على الجانب الاقتصادي، بعد أن تطرقت للجانب الفكري ثم التنظيمي والإداري.
ولكي تتحول الجامعة من مؤسسة ريعية تعتمد على مصدر مالي واحد إلى مؤسسة منتجة فإن مواردها يجب أن تتنوع وغالباً ما تعتمد الجامعات على ثلاثة موارد رئيسة:
المورد الأول يتمثل في بيع الخدمات سواء التعليمية أو البحثية أو الصحية أو غيرها وجامعاتنا ليس لديها نظام رسوم دراسية متكامل ، ولا تبيع الكثير من منتجاتها وخدماتها الأخرى وإن بدأت تحاول في مجال التعاونات البحثية والاستشارات البحثية على استحياء.
بعض الأكاديميين القدماء لا يرون الجامعة منتجة سوى في البحث العلمي وهذا ليس دقيقاً فعلى سبيل المثال، إضافةً إلى الرسوم الدراسية، قد تشكل الخدمات الصحية مصدرا إنتاجيا مميزا للجامعة حيث إن الجامعة ليست مسؤولة عن تقديم الخدمات الصحية كخدمة اجتماعية مجانية، بل إنه يحق للجامعة تقديم الخدمات الصحية وغيرها وفق مفهوم تجاري. الفكرة هنا هي وجوب التعامل مع منتجات الجامعة وفق مفهوم تطوير مواردها وفق أسس ربحية اقتصادية..
المورد الثاني يتمثل في الهبات والتبرعات والأوقاف ، والجامعة تحاول إنشاء أوقاف تليق بحجمها وهي تبذل جهداً كبيراً في هذا الشأن. إضافةً إلى ذلك تحصل الجامعة على دعم معقول لكراسيها العلمية وهو دعم غالبيته يصنف ضمن التبرعات والهبات وليس ضمن عقود بيع الخدمات لصالح جهات أخرى. وكما أن الجامعة لا تملك الوعاء التنظيمي المناسب لبيع خدماتها المختلفة فهي كذلك تعاني ضعفاً ملحوظاً في تنظيماتها المتعلقة بالتبرعات المتمثلة في الأوقاف والكراسي العلمية وغيرها وتحتاج مزيدا من الجهد في هذا الشأن.
المورد الثالث يأتي في الدعم الرسمي وللأسف الجامعات تعامل كقطاعات حكومية في الحصول على ميزانياتها وليس هناك معايير موضوعية واضحة في هذا الشأن تضمن حصول كل جامعة على ماتستحقه من ميزانية وفق حجم طلابها وإنتاجيتها. المقترح الذي سبق أن طرحته هو أن يصبح جزء من ميزانية الجامعة مبنياً على عدد طلابها وفق تخصصاتها المختلفة بحيث يمثل جزء كبير من الميزانية مِنحاً حكومية للطلاب تسهم في الجانب التشغيلي بالدرجة الأولى والجزء الآخر في دعم المشاريع والبنى التحتية للجامعة.
أقترح أن تتنافس الجامعات على المشاريع وفق معايير تنافسية من ضمنها جودة المخرجات ومدى الاحتياج سواء على مستوى الجامعة أو منطقتها المحيطة وغير ذلك..
«سبق أن فصلت في هذا الجانب»
الخلاصة التي أريد الوصول إليها هنا هي أن الاستدامة تتطلب الاستقرار الاقتصادي ، وتتطلب تحول الجامعة إلى مؤسسة منتجة، وهذا الأمر لايمكن تحقيقه بمجرد إنشائنا برجاً للأوقاف ، أو الحصول على دعم مالي لبعض الكراسي البحثية بل يتطلب تغييرات جذرية في بنية العمل وفلسفة الأداء والأهم من ذلك يتطلب رؤية يؤسس لها خبراء في الاقتصاد والإدارة والتنظيم وغيرهم.
أخيراً أود أن أشير إلى أن الاستدامة سواء في جانبها الفكري أو التنظيمي أو الإنتاجي تتطلب تعزيز الانتماء للمؤسسة الاكاديمية من إدارييها وأساتذتها وخريجيها وطلابها من الجنسين، عبر إتاحة المشاركة للجميع في صنع القرار وفي الدفاع عن الحقوق والواجبات وفق منهجيات مؤسسية ومنظمة مثل إنشاء الجمعيات والهيئات المجتمعية المدنية المستقلة التي تمثل أعضاء هيئة التدريس والطلاب والمساهمين والخريجين، وتنقل صوتهم ضمن قنوات صنع القرار المؤسسية المختلفة.
أتمنى التوفيق لجامعة الملك سعود وبقية الجامعات…