توصف وزارة المالية بأنها أم الوزارات وذلك لأنها تملك القرار النهائي للإقرار أو اعتماد أي مشروع أو وظيفة أو ميزانية… وهي بهذا الدور الأموي تبدو حنونة على بعض الابناء ومتعبة لابناء آخرين من الوزارات والقطاعات الأخرى. الإشكالية هي أننا لانفهم أحياناً أدوار وزارة المالية: هل هي بيت المال؟ هل هي مسؤولة فقط عن الميزانية؟ هل هي مسؤولة عن جباية الأموال؟ هل هي مسؤولة عن الإحصاءات العامة؟ هل لاتزال تؤدي أدوار وزارة الاقتصاد؟ هل هي الحامي لمصالح الدولة المالية وغيرها من الوزارات والقطاعات قاصر عن تصريف شؤونه وأمواله؟
بعيداً عن المسميات، أرى بأن وزارة المالية لاتريد التنازل عن مفهوم كونها الوزارة الحامية الأولى للمال العام وعليه فهي تحدد الميزانيات وفق أبوابها التقليدية، ولاتريد أن تنتقل إلى مفهوم الميزانية مقابل الأداء او الإنتاجية.. وزارة المالية هذه تمنح جامعة ميزانية تشغيلية ضعف أخرى، دون مبررات إنتاجية واضحة كأعداد الطلاب مثلاً، وتمنح مستشفى مثل ما تمنحه لمستشفيات منطقة كاملة دون مبررات موضوعية كاعداد المرضى مثلاً، وهكذا مع بقية القطاعات لاتستند هذه الوزارة سوى على تقديرات وتقارير تقليدية لا تقيس الإنتاجية ولا الأداء بشكل واضح. الخبير (المالي) وليس الصحي بهذه الوزارة قد يناقش ميزانية مستشفى وهو لا يفهم شيئاً في المجال الصحي ومعايير الإنتاجية فيه… بل قد يتجاوز الأمر موضوع تقديرات الميزانية إلى اقتراحات جوهرية تمس استراتيجية القطاع المستفيد، كأن يقترح ممثل المالية تحويل المستوصف إلى مستشفى ليحظى بميزانية أكبر ( أليس هذا ماحدث في مستشفيات أبو ثلاثين وخمسين سريراً؟).
لا نطالب وزارة المالية بالتخلي عن أدوارها المتخصصة لكننا نسأل لماذا لا تأتي بمسؤولي كل قطاع فتطلب منهم معايير تبني عليها ميزانيتهم أو تستعين بجهات استشارية محلية أو عالمية متخصصة في كل قطاع لمساعدتها في تقديرات الميزانية التشغيلية وفق معايير موضوعية، تطبق على الجميع، مادامت لاتثق بما تقدمه أو تطلبه الجهات التنفيذية المتخصصة، بدلاً من هذا الاجتهاد وهذا الماراثون التفاوضي الذي تقضيه كل مؤسسة أو وزارة مع وزارة المالية كل عام! كيف تقدر ميزانية المؤسسات الجديدة كالجامعات والمستشفيات الجديدة؟
بقية الأسئلة: لماذا تتبع مصلحة الزكاة معالي وزير المالية؟ لماذا تتبع مصلحة الجمارك معالي وزير المالية؟ لماذ تتبع مؤسسة النقد معالي وزير المالية؟ هل فصل الاقتصاد عن المالية قولاً وفعلاً؟