المسؤولية أو المحاسبية بمعنى الجهة التي يكون الإنسان امامها مسؤولا عن تصرفه أو أفعاله (accountability) مصطلح أو كلمة تتردد كثيراً في القاموس الإداري والاجتماعي، لكننا قليلاً ما نغوص في تفاصيلها ومعانيها بالذات في مجتمعنا المحلي، ونعجز عن تحديد مرجعيتها، فهل أنا ككاتب على سبيل المثال مسؤول أمام القارئ عن ما أكتبه، هل فعلاً القارئ يستطيع محاسبة الكاتب على تجاوزه؟ هل فعلاً الكاتب يضع نصب عينيه القارئ العادي؟ أم ان قوله بالمسؤولية أمام القارئ هو مجرد إدعاء بينما هو في الواقع يكتب ليرضي المسؤول؟ أو ليرضي مصالحه الخاصة أو ليرضي مسؤول التحرير؟
المسؤول نسمعه كثيراً يردد حرصه على راحة وخدمة المواطن، لكن هو فعلاً يعني ما يقول أم أن ذلك مجرد شعار إعلامي، بينما هو في الواقع لا يجد نفسه مسؤولاً سوى عن إرضاء المسؤول الأعلى منه، ولا يهمه سوى الحساب الذي قد يلقاه من المسؤول الأعلى منه؟
مدير المدرسة نجده يردد حرصه على مصلحة الطلاب وأنه مسؤول أمام الطالب وولي أمره عن إنجاح العملية التربوية والتعليمية، فهل فعلاً يضع ذلك معياره الرئيسي في العمل، أم أن تركيزه فقط على إرضاء مدير التعليم ولا يرى نفسه مسؤولاً سوى أمام مدير التعليم ومسؤول الرقابة؟
الطبيب هل فعلاً يطبق مقولته بأنه مسؤول ويستمد حسابات نجاحه من المريض أم انه مع الوقت يجد نفسه مسؤولاً فقط امام مدير المستشفى ومدير المستشفى فقط هو يحاسبه على فعله سلباً وإيجاباً؟
الإداري هل يهمه رأي المراجع في ما يقوم به من أعمال أم أن الأهم بالنسبة له الالتزام بحرفية النظام وعدم تجاوز تلك الحرفية، بمعنى أنه لايجد نفسه محاسباً أو مسؤولا سوى أمام نصوص النظام وهيئات الرقابة والمراقبة؟
موضوع المسؤولية أو المحاسبية يطرح اسئلة شائكة تحتاج دائماً إلى بحث:
من المسؤول؟
لمن هو مسؤول؟
ما هي المسؤولية التي يتولاها؟
ما هي المصلحة من المسؤولية؟
كيف يتحمل المسؤولية؟
ما هي تبعات المسؤولية؟
في النظام الإداري التقليدي، المدير مسؤول امام الوزير والوزير مسؤول امام رئيس مجلس الوزراء، وهكذا كل في ما أعطي له من صلاحيات أو مسؤوليات، لكن في النظام الديموقراطي الحقيقي تتوسع هذه المسؤولية ليشارك الناخب في تحديدها، وهنا تتسع مسؤولية لتصبح امام الناخب والمسؤول والنظام …
عندما نسمع باستقالة وزير ياباني لمجرد موت مواطن بسبب خطأ من أحد منسوبي وزارته، فهذا يعني أن الوزير يرى نفسه مسؤولاً امام المواطن عن كل ما يحدث بوزارته… في الطرف الآخر عندما نرى موت مواطنين بنفس الطريقه وابشع في دولة اخرى لا يحرك المسؤول فيها ساكناً، فلأن المسؤول لا يرى نفسه مسؤولا أمام المواطن بل هو مسؤول أمام رئيسه وأمام إدارة الرقابة فإن استطاع تبرير موقفه (بيروقراطيا) أمام تلك الجهات فإنه لا يبالي بالآخرين.