أما وقد انتهينا من الابتهاج بتدشين حفلة البداية لحفلات مرور خمسين عاماً على قيام جامعة الملك سعود، هذه الجامعة الأقدم والأَضخم والأكبر ببلادنا، فإنه ان الأوان لأن نعود إلى (قمرة) القيادة النقدية لنشعل الضوء «البرتقالي» تعبيراً عن رغبتنا في التفات القائمين على هذه الجامعة إلى الأخطار المحدقة بجامعتهم. اللون البرتقالي تحذيراً وإن لم يكفِ سننتقل للون الأحمر الأشد تحذيراً وخطراً، ومما قالوه نبدأ.
أكبر جامعة حيث تضم أكثر من ستين ألف طالب وطالبة وتضم ما يقارب عشرين كلية وعمادات عديدة… هذا ما رددناه في الاحتفال فماذا يعني ذلك؟ هل تقاس الجامعات بالكبر وكثرة أعداد الطلاب؟ هل يعد ذلك مصدر فخر لجامعتنا أم مصدر إدانة على تشتتها وتبعثرها حتى غدت كالأخطبوط الفاقد لهويته وغير القادر على تحديد اتجاهه؟
دائماً لدي قناعة بأن الجهات التي تبدأ في التوسع في كل اتجاه هي جهات تفتقد الهوية وتغيب عن صانعيها الرؤية الإستراتيجية، وجامعة الملك سعود لا تملك رؤية إستراتيجية واضحة تسير عليها في حاضرها و مستقبلها، لذلك هي تتبعثر في كل اتجاه، وتعتقد بأن زيادة الطلاب وزيادة الميزانيات تشفع لها بالتفاخر باحتلال المقدمة!
هناك إدعاء بالأفضلية، فكيف نقيس الأفضلية النوعية؟ في المجال الأكاديمي العرف في ذلك هو الحصول على اعتماد أكاديمي من جهات معروفة ومرموقة. هذا ما سعت إليه وحصلت عليه بعض جامعاتنا وكلياتنا المحلية الحكومية والأهلية، فهل جامعة الملك سعود لديها اعتراف أكاديمي عالمي متميز؟ ليس بالضرورة الجامعة بل برامجها، فكم عدد البرامج أو الكليات المعترف به أكاديمياً من جمعيات اعتراف أكاديمية مرموقة؟
هل يبقى للحديث عن الجودة معنىً طالما ليس هناك اعتماد أكاديمي وليس هناك خطة إستراتيجية وليس هناك رؤية واضحة؟
ماذا عن حياة الطلاب بجامعة الملك سعود؟ هل يوجد أكثر من قاعة الدرس يعرفه طالب الجامعة؟ هل لازال هناك احتكار للأنشطة، على قلتها، من قبل فئات محدودة؟ هل يشعر طالب الجامعة بالفخر بجامعته؟ هل لا يزال الطالب هو محور العمل الأكاديمي؟
ماذا عن حياة أعضاء هيئة التدريس بالجامعة؟ هل يوجد لهم برامج تطويرية؟ هل يوجد لهم ناد؟ هل يوجد لهم تأمين صحي؟ هل يوجد لهم جمعية تدافع عن حقوقهم؟
ماذا عن البيئة الأكاديمية والمجتمعية بالجامعة؟ هل هناك تواصل بين مختلف المستويات الإدارية والأكاديمية، أم أن الطبقية الأكاديمية والطبقية الإدارية تفرضا نفسيهما بوضوح في مجتمع الجامعة؟ هل يجد عضو هيئة التدريس المكان المناسب لإجراء بحثه ودرسه؟ هل يجد الطالب الأجواء الاجتماعية المحببة بالحي الأكاديمي؟ هل يشعر الجميع بالانتماء إلى أسرة كبيرة؟ هل يشتاق خريجو الجامعة إليها أم أنها أصبحت مكاناً غريباً بالنسبة لهم؟
إنها الفرصة المثالية لرسم مستقبل جديد لجامعة الملك سعود، فهل لدى القائمين عليها رؤية حول تطوير نظامها الإداري، والمالي، والأكاديمي والمجتمعي؟ أم أنها تنتظر التعليمات ومبادرات التطوير لتأتيها عبر التوجيهات العليا؟
أسئلتي كثيرة، المساحة لا تكفيها، لكن أتمنى أن تتسع لها قلوب الأحبة وأن نفكر فيها بعمق، فذلك أمر حتمي نحتاجه إن أردنا البقاء أو العودة للمقدمة…
فاصلة أخيرة: حلقة النقاش أو الندوة التي انتظرناها وكانت حول الجامعة بحضور أصحاب المعالي وزراء التخطيط والتعليم العالي ومدير الجامعة ووكيل وزارة التخطيط، لم تطرح نقدا ولم تقدم رؤية ذات علاقة بالأسئلة الإستراتيجية المطروحة أعلاه؟ هل جميع ندوات العام الاحتفالية ستكون على هذه الشاكلة؟!