أعيدوا الابتعاث التربوي

يتواصل برنامج الابتعاث إلى مختلف الدول، مع التركيز على الولايات المتحدة وهذا أمر نتمنى أن يثمر عن تأهيل أبنائنا بمهارات وتخصصات وخبرات متنوعة ومتقدمة ومع تكثيف برنامج الابتعاث هذا، أعود للبحث عن الهدف العام للابتعاث وأرى بأن التركيز على الشهادة أدى إلى انحراف مسار الابتعاث ليصبح في التخصصات التي نعتقد بأننا غير قادرين على تخريج الأعداد الكافية فيها من حملة الشهادات، وهذا مفهوم يحتاج إعادة نظر، لأن هدف الابتعاث، كما أرى، يجب أن يكون أوسع وأشمل من ذلك. الهدف يجب أن يكون في تنويع الخبرات والكفاءات عن طريق الاحتكاك بالمدارس والخبرات العالمية المتنوعة، مما يتطلب استمرار الابتعاث في جميع التخصصات ، بما في ذلك العلوم الإنسانية كالعلوم اللغوية والدينية والتربوية وغيرها…

إذا ما أخذنا الجانب التربوي، فنحن بكل أسف وباعتراف مسئولي التربية أنفسهم، نقع في مأزق كبير من حيث تميز الكفاءات العاملة في الميدان التربوي، ونشتكي كثيراً من ضعف مخرجات الكليات التربوية وكليات المعلمين والمعلمات، وأحد الأسباب هو ضعف التنويع في الخبرات التربوية حيث أصبحنا ندور في فلك تجارب نمطية متشابهة وربما متواضعة في بعض الأحيان، ووراء ذلك يقف تقليص وإلغاء البعثات في المجال التربوي! وفي التفصيل نقول انعدام الابتعاث لمرحلة البكالوريوس في المجالات التربوية والاكتفاء ببعض البعثات المتواضعة في الدراسات العليا التي تهتم بالبحث لكنها لا تهتم أو لا تتعلم أساليب التطبيق الميداني التربوي الموجود في الدول الأخرى، لأنها لاتقوم بأي ممارسة مهنية في مدارس الدول التي تبتعث إليها.

ما أود التأكيد عليه بعد هذه المقدمة هو ضرورة إعادة فتح الابتعاث في مجال العلوم الإنسانية والتربوية، بل ووضع ذلك أولوية قصوى في برنامج الابتعاث. لتتضح الصورة أطرح الفكرتين الرئيستين التاليتين في هذا الموضوع:

أولاً: يتم ابتعاث خريجي التخصصات العامة كعلم النفس والاجتماع والعلوم للحصول على درجة البكالوريوس في أحد مجالات التربية بالدول الغربية. ليس عيباً وليس بدعاً حصول المتعلم على درجة بكالوريوس، بل أن كثيراً من التخصصات المتقدمة في الدول الغربية لا يقبل عليها خريج المرحلة الثانوية مباشرة وإنما بعد حصوله على شهادة أولى في تخصص آخر كعلم النفس أو التاريخ أو العلوم… في هذه الحالة سيتم ابتعاث طلاب أكثر نضجاً وسيتم تقليص فترات الابتعاث كما سيتم دمج الخبرات المحلية مع المكتسبة من الخارج.

ثانياً: يتم عقد اتفاقيات مع إدارات التعليم والجامعات المتقدمة بحيث يصبح هناك برنامج ابتعاث تدريبي يقضي فيه المعلم السعودي ما بين العام والعامين معلماً ومتدرباً في المدارس الأجنبية. طبعاً نحتاج اتفاقيات في هذا الشأن تسمح بالعمل الميداني للمدرس السعودي تحت إشراف معلمين وأساتذة من الدول المتقدمة. تماماً كما يحدث في مجال التخصص الطبي، حين يعمل الطبيب بالمستشفى الأجنبي ثلاث أو أربع سنوات تحت إشراف أساتذة متخصصين.

أكرر لدينا أزمة في مستوى المعلم وإذا لم نبادر بوضع خطة تسمح بتطوير مستوى معلمينا وتسمح بإدخال تجارب حديثة للمجال التربوي، فإن الوضع سيزداد تدهوراً ولن نستطع حينئذ إيجاد طبيب متميز أو مهندس حاسب آلي متميز لأن القاعدة خلف ذلك هي التعليم العام، وكليات التربية والمعلمين والمعلمات لدينا ليست بقادرة على تقديم الجديد في هذا الجانب وإنما هي تعيد تدوير بضاعتنا المتواضعة في مجال التعليم …

أضف تعليق