قبل ثلاث سنوات تقريباً أعلن وزير الصحة إنشاء كلية طب تابعة لوزارة الصحة يكون مقرها مدينة الملك فهد الطبية بالرياض، وقد استقبلت هذا العام الدفعة الثالثة من طلبتها، وبدأ عظم مبناها يبرز على أرض مواقف مدينة الملك فهد الطبية. كلية الطب هذه تتقاضى رسوماً دراسية سنوية تبلغ 50 ألف ريال تقريباً، وفي نفس الوقت تتخذ من منشآت مدينة الملك فهد الطبية مقراً لها، وحسب ما أعلنه عميدها بدأت باستقطاب وتعيين وابتعاث أعضاء هيئة تدريس دائمين للكلية، بعد أن كانت تستعين ببعض أعضاء هيئة التدريس من الجامعات الحكومية.
القضية التي أكتب عنها اليوم وتقلق أولياء أمور طلاب الكلية والمهتمين بمسيرة التعليم الصحي والعالي في بلادنا، هي غموض الصورة حول مستقبل هذه الكلية وتضارب الإشاعات حولها، وبالذات بعد إلغاء احتفال وضع حجر أساس مبناها الجديد، حتى أن البعض يخشى أن تصبح هذه الكلية (كبش الفداء) لاختلاف خفي يدور بين وزارتي التعليم العالي والصحة، ففي جانب التعليم العالي لم يعلن حتى الآن الاعتراف بهذه الكلية رغم مرور ثلاث سنوات على إنشائها، بحجة وجود تحفظات تتعلق بنظامية إنشاء الكلية وعدم توافق معاييرها مع المتطلبات التي تنشدها وزارة التعليم العالي وهيئة الاعتماد الأكاديمي… وفي جانب الصحة ترى الوزارة بأن وزارة التعليم العالي اعترفت بكليات مشابهة تابعة للقطاعات الصحية الحكومية والخاصة، وبأن عدم الاعتراف بكلية طب وزارة الصحة يمثل موقفاً غير مبرر تجاه وزارة الصحة، ومادام الأمر هكذا فإن الوزارة ستفرض الأمر الذي تراه بقبول الطلاب دون اعتبار لرأي وزارة التعليم العالي!
أحاول هنا عرض القضية، واضعاً الجهات المعنيه أمام مسؤولياتها. بالنسبة لهيئة الاعتماد الأكاديمي ووزارة التعليم العالي، نريد أن نرى هيئة ذات شخصية مستقلة قادرة على طرح تحفظاتها بشفافية، بعيداً عن التأثر بالمواقف الشخصية، كما نريد أن نرى وزارة التعليم العالي قادرةً فعلاً على وضع نظام واضح للكليات التي بدأت تنشأ تحت مظلة المستشفيات. فإما أنه لاغبار حول إنشاء هذه الكلية ويعلن إقرارها أو أنها لا تحقق المعايير المطلوبة ويتم إقفالها وتحويل طلابها إلى الكليات الحكومية المشابهة.
وزارة الصحة أمامها تحدٍ يتمثل في تقديرها واعترافها بجهات الاختصاص الأخرى، وبتوضيح موقفها العملي من القيام بدور التعليم الصحي، حيث أن هناك تناقضاً بين ما أبداه مسؤولوها برغبتهم في نقل مرجعية الكليات الصحية إلى وزارة التعليم العالي والإصرار على هذه الكلية. التحدي هو أن تثبت لنا وزارة الصحة بتميز ونجاح تجربتها في الكليات الصحية المنتشرة في كافة أرجاء الوطن، حتى نشجعها على خوض تجارب جديدة في هذا الشأن، ونقتنع بأن تبنيها لهذه الكلية لا يأتي من مبدأ إشباع رغبات شخصية وتنافسية مع الآخرين ويأتي من تمييزها المجحف بين ما هو للطبيب وماهو لغير الطبيب!
هناك جهات أخرى نحتاج ، كذلك، معرفة موقفها مما يحدث. وزارة المالية: على أي أساس تعتمد وظائف للكليات الجديدة، قبل حصولها على اعتراف التعليم العالي؟ ديوان المراقبة العامة وهيئة الرقابة والتحقيق: كيف سمح بتحصيل رسوم مالية من الطلاب وفي نفس الوقت تستخدم المرافق الحكومية لتقديم الخدمة التعليمية وما هي الآلية النظامية لصرف الأموال التي تم تحصيلها ولاستخدام المرافق الصحية الخدمية لوظائف أخرى؟
ترى هل تتحلى كل جهة بالشجاعة وتعلن عن موقفها بشكل شفاف وواضح، أم تبقى التساؤلات مطروحة والغموض مستمراً والتهرب دائماً عن مجابهة الإشاعات؟