الجولات التفتيشية التي يقوم بها المسؤول تشكل رافداً في الوقوف على واقع ما يقدم في الميدان من فعل حقيقي، ولعل أشهر من تبنى تلك الجولات هم وزراء الصحة الكرام ولكل منهم طريقته في تنفيذ تلك الجولات والإعلان عنها…
٭ وزير يتقمص دور المريض أو المراجع فيرى ما يحدث بعين المراجع، ولا يعنيه مبررات الطبيب والإداري… تنتهي الزيارة بتذمر العاملين دون فهم كافة وجهات النظر…
٭ وزير يرى إشكالية ما فيرفع صوته على الإداري والممارس الصحي ويتهمهم بالتقصير أحياناً أمام الملأ… تنتهي الزيارة بأذى معنوي للعاملين في المكان..
٭ وزير تتركز ملاحظاته على الشكليات، حارس الأمن لا يلبس الزي المخصص، غرفة الانتظار مزدحمة، النظافة غير جيدة… تنتهي الزيارة بملاحظات شكلية…
الكل يجتهد في ترك ملاحظات وأحياناً إبرازها إعلامياً، لكن الأثر النهائي للزيارة لا يدوم، فإما أن الملاحظات سطحية وغير منطقية، أو أنها تعجيزية يصعب تنفيذها، أو أنها لا تستند إلى إجراءات نظامية، أو أنها لا تحظى بدعم إداري فعلي، أو أنه لا يوجد متابعة لنتائجها…
لا أريد الانتقاص من الجهد المبذول في تلك الزيارات، وأتردد في القول إن أهدافها إعلامية حتى لا أدخل في نيات القائمين عليها وأحبط جهودهم، لكن العمل الصحي يتميز بالتعقيد التنظيمي والإداري وله ارتباطات عديدة بالجوانب الاجتماعية والصحية والمالية والهندسية وغيرها، والمسؤول قد لا يلم بكل تفاصيلها مما يجعل توجيهاته شفهية وسطحية أحياناً، وعليه يفترض أن تكون هناك طريقة علمية منظمة للقيام بالزيارات الميدانية الفجائية وغير الفجائية..
٭ الزيارة الميدانية تتطلب الاطلاع المسبق والجيد على ملف المنشأة المراد زيارتها قبل القيام بالزيارة (إحصائيات العمل، المشاكل التي يرفعها مسؤولو المنشأة، ملاحظة إدارات المتابعة، العقود الخاصة بالمنشأة، الخ)، عندها سيذهب المسؤول ولديه تصور أولي يساعده في ملاحظة الفرق بين التقارير وما هو موجود في أرض الواقع، ويساعده في تفهم الصعوبات التي تعترض المنشأة.
٭ الزيارة الميدانية تتطلب حسا نقديا عاليا وتتطلب مهارة جيدة في استكشاف ما بين التبريرات والسطور التي سيجابه بها المسؤول من قبل إداريي المنشأة، لذلك على المسؤول الأول التعرف على أصحاب الحس النقدي العالي والشامل في إدارته واصطحابهم معه في زياراته، واصطحاب بعض المتخصصين (حسب طبيعة الزيارة) وعدم الاكتفاء بالزيارة بل بطلب كتابة تقارير عن كل ما دار فيها حتى تتم متابعة ما صدر فيها من توجيهات مستقبلاً، بزيارة مفاجأة أخرى أو بتقارير موثقة…
٭ الزيارة الميدانية لا تعني فقط مفاجأة الناس وإرباكهم في أعمالهم، بل يفترض أن يكون لها هدف واضح، فليس بالضرورة أن تكون الزيارة للإلمام بكافة تفاصيل العمل بل قد يكون هناك تركيز على جانب محدد، كمراجعة قسم محدد، أو متابعة وظيفة محددة.
٭ الزيارة يجب أن تعطى حقها من الوقت، وليس مجرد دقائق أمام الإعلاميين توجه فيها ملاحظات سطحية. بعض الزيارات ذات الأهداف الواضحة قد تحتاج ساعات لمتابعة سير العمل عن كثب والاطلاع على بعض السجلات ومناقشة العاملين أو المراجعين.. الخ
خلاصة المقال هي ضرورة التأكد من وجود أهداف محددة وبرنامج واضح للزيارات الميدانية، وبأنها ليست مجرد بروز إعلامي أو هواية يقوم بها المسؤول كلما احتاج إلى بعض الدعم الإعلامي أو وجد فراغاً في الوقت أو أراد التجوال في إحدى المناطق…