أشرت في المقال السابق إلى مأساة البحث العلمي في الجامعات السعودية، ولتأكيد الصورة (المأسوية) حول البحث العلمي بجامعاتنا، أشير إلى أنه تقع بين يدي إحصائية لإحدى كليات الطب المرموقة لدينا أكثر من نصف أعضاء هيئتها التدريسية السعوديين لم يحصلوا على الترقية العلمية المفترضة لهم في الوقت المتوقع (أربع سنوات من أستاذ مساعد إلى أستاذ مشارك) ولدي تقرير سنوي سابق لإحدى جامعاتنا نصيب البحث العلمي من ميزانيتها كان اقل من مائة ألف ريال، وفي طريقي اليومي لكليتي أشاهد مبنى (يشبه مبنى فلة متوسطة الحجم) لم يكتمل بناؤه منذ ثماني سنوات، يقال إنه مبنى مركز البحوث، ولدي معلومة أخرى تؤكد أن بعض مراكز البحث الجامعية هي مراكز وهمية لها أهداف أخرى غير البحث العلمي، ربما خلق وظائف ومناصب إدارية!
دعونا نسأل عن نوعية البحث العلمي، ولنستدل على ذلك بإحصائيات مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، الداعم الأول للبحث العلمي، كما يدعى. معدل دعم البحث العلمي هو 28500ريال (ثمانية وعشرون ألفاً وخمسمائة ريال فقط) للبحث الواحد، حسب بيان مدينة الملك عبدا لعزيز للعلوم والتقنية الذي يشير إلى دعم 840بحثاً بمبلغ 24مليون ريال خلال عام 1426ه، وهي نفس البيانات التي تشير إلى أن المدينة التقنية دعمت 29بحثاً للدكتوراه فقط. بمعنى آخر البحث الذي نجريه متواضع جداً لأن هذا المبلغ لا يمكن أن يؤسس لعمل بحثي متميز وذي قيمة واستمرارية “المصدر مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية”!
إذاً ليست مفاجأة أن لا تحتل أية جامعة سعودية أحد المراكز الخمسمائة الأولى عالمياً، فما تنتجه جامعاتنا الأربع عشرة من بحث علمي، وهو الأساس في تقييم مؤسسات التعليم العالي لا يعادل ما ينتجه مركز بحثي أو جامعة واحدة من الجامعات المرموقة، كما وكيفاً!
يوجد فجوة في التعاون بين مراكز البحث، سواء جامعات أو غيرها، وبين الجهات الداعمة والمستفيدة من البحث العلمي، وهذا الأمر يدخل في عوامل الثقافة المحلية تجاه البحث كما يدخل فيه كذلك طريقة فهم كل طرف لأدوار الطرف الآخر، حيث الجهات الداعمة أو المؤهلة للدعم أو المستفيدة من البحث تمثل جهات لديها الاستعداد لدعم البحث العلمي لكنها لا تجد الوعاء المقنع محلياً لهذا الدعم؛ جهات ليست مقتنعة بالبحث العلمي وليس مقتنعة بدعمه؛ أو جهات تؤمن بأهمية البحث وتبادر بدعمه، ولن نتغلب على هذه المعوقات سوى بوجود مؤسسات بحثية، كمراكز البحث التي نطالب بتفعيلها وإنشائها،والتي تقع عليها مسؤولية التعامل مع كل هذه الجهات عبر تسويق فعال وعبر نشر ثقافة البحث العلمي وعبر تطوير آليات تواصل مثمرة إدارياً وتنظيمياً مع الجهات الداعمة. مراكز البحث المتميزة تسهم في تكوين فرق عمل بحثية وتسهم في الحصول على موارد إضافية للبحث وتسهم في الاستفادة من المعامل المشتركة التي تنشأ لأغراض البحث في أبحاث متكررة و تسهم في التعاون مع مراكز البحث المحلية والعالمية المماثلة
نعود للتذكير بأنه بدون مراكز أبحاث متقدمة ومتطورة سيبقى البحث فردياً متواضعاً لا يقود إلى النتائج المرجوة، لذلك نراه ضرورةً مناقشة أسباب فشل المراكز البحثية بالجامعات السعودية عن تحقيق الحد الأدنى المطلوب منها في مجال البحث العلمي.
الجامعات هي الأساس في البحث العلمي و تبقى هناك قطاعات وجهات أخرى خارج الجامعات ذات علاقة بالبحث العلمي كمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، سنتطرق إليها مستقبلاً……