استفادة التربية والتعليم من المتقاعدين

يعتبر طبيب الأعصاب البروفسور هاورد باروس (Howard Barows) من أشهر الباحثين في مجال التعليم الطبي حيث ينسب له الكثير من الفضل في تطوير المنهج الطبي الحديث المعتمد على حل المشاكل عن طريق التعلم الذاتي، وهو المنهج الذي اتجهت إليه غالبية كليات الطب، بالذات الحديثة الإنشاء منها. هذا البروفسور تقاعد مؤخراً من عمله بالجامعة، فأين تتوقعونه يقضي بقية حياته؟ في تأسيس مشروع معهد أو مستشفى خاص، أو العمل في مشروع عقاري، أو العمل كسائق للأحفاد، كعادة بعض أساتذتنا الكرام! لا هذا و لا ذاك، لقد اتجه للمدرسة الثانوية يجري أبحاثه هناك لأجل تطوير التعليم الثانوي. فلسفته بسيطة، فهو كباحث لا يستطيع التوقف عن إجراء البحث العلمي ويرى بأن التعليم الطبي المبني على حل المشاكل أصبح منتشراً بشكل مذهل وحان الوقت لبحث إمكانية تطبيق نموذج مشابه له يتربى عليه الجيل القادم، في المراحل الثانوية.

وأنا أقرأ هذه المعلومات تذكرت عدد أعضاء هيئة التدريس، بالذات ممن لهم علاقة بعلوم التربية والعلوم الإنسانية، الذين تقاعدوا وابتعدوا عن ممارسة مجال اختصاصهم في اللغة والتربية وغيرهما. على اعتبار أن الباحث الحق لا يتوقف عن البحث العلمي والدراسة عند سن محددة، ويظل يعمل في مجال تخصصه (طبعاً وفق قدراته التي تتناسب مع سنه وقدراته الجسدية والصحية) لا يمنعه سوى الموت أو عارض صحي قاهر، هل تبرع أحدهم وساهم بخبراته في قطاع التعليم العام؟

ما هو حجم البحث العلمي لدينا بوزارة التربية والتعليم؟ هل استفادت وزارة التربية والتعليم من خبرات أولئك المتقاعدين من سلك التعليم العالي للمساهمة في تطوير العملية التربوية عبر البحث العلمي والدراسة؟ الأمر يمتد إلى متقاعدي الوزارة ذاتها، حيث يوجد عدد كبير منهم ممن يحمل القدرة على مواصلة البحث والدراسة والتأليف والأولى أن تستفيد وزارتهم من خبراتهم تلك عن طريق دعم مشاريعهم البحثية ودراساتهم التربوية ومؤلفاتهم الفكرية، على اعتبار امتلاك الوزارة مركز أو مراكز بحث ودراسات قادرة على دعم وتنسيق مثل هذا الفعل…

إذا لم يكن ممكناً الاستفادة من أولئك الخبراء في البحث والدراسة فهل يمكن الاستفادة منهم في تشكيل فريق استشاري متطوع يشارك فيه أعضاء هيئة التدريس المتقاعدين ومتقاعدي وزارة التربية ذاتها أصحاب الخبرات القيادية والمتميزة، يسهم بإعطاء الرأي في المسيرة التربوية والتعليمية؟ أليس الفريق الاستشاري هذا أجدى و أكثر فاعلية وحيادية من فريق يشكل من داخل الوزارة فيكون رأيه متأثراً بمصالح أعضائه الإدارية وتوجهات إدارتهم العليا؟

نتحدث هنا عن وزارة التربية والتعليم بصفتها إحدى الجهات المفترض أن تكون قيادية في مجال البحث العلمي والدراسات التعليمية والتربوية، لكن المؤكد أن ذلك مثال ينطبق على جميع القطاعات التي يفترض أن تستفيد من خبرات أعضاء هيئة التدريس المتقاعدين ليس كموظفين، والمتقاعدين والخبراء، ليس كموظفين أو مستشارين إداريين، بل كدارسين وباحثين ومستشارين علميين يقدمون لها أفكاراً مناسبة للتطوير وللتغلب على المشاكل والصعوبات التي تعترضها وفق تنظيم يقدر و يتناسب مع قدراتهم وخبراتهم.

أضف تعليق