جاء إعلان إنشاء هيئة البيعة مفاجأة لكثير من المتابعين للشأن السعودي، من حيث دراسته و توقيته وطريقة إعلانه فقد تمت دراسته بهدوء ومن ثم الإعلان عنه بهدوء خلال إجازة عيد الفطر، ليكون جزءاً من العيدية الملكية لهذا الوطن. الإيجابية الأخرى التي أعقبت قرار إنشاء هيئة البيعة تمثلت في إتاحة مساحة كبيرة من الحرية للجميع للتعليق عليه ومناقشته وإبداء الرأي حول تفاصيله، سواء في وسائل الإعلام المحلية أو العربية، بل إننا وجدنا القنوات الرسمية تقدم برامج حول الموضوع تتسم بالنقد والمكاشفة حول تفاصيل نظام هيئة البيعة، وكأن الملك عبدالله بن عبدالعزيز يريد التأكيد على مقولته التي استهل بها حكمه من طلب العون والمشورة، فهاهو يسمح وبالتأكيد يرصد مختلف ردود الفعل حول نظام هيئة البيعة، فكل أمر لديه قابل للنقاش وإبداء الرأي ما لم يكن في ذلك تجاوز لثوابت ديننا الكريم.
هذا الأمر يحفزنا نحن كذلك للحديث باختصار عن بعض الخطوات القادمة المطلوبة في مسيرة الإصلاح المحلي والتي نعتقد أنها محل عناية القيادة الحكيمة- حفظها الله – . على مستوى هيئة البيعة ذاتها والتي قد نعتبرها بداية حقبة الإصلاح الحديثة للمملكة، لا أعتقد أن هناك تشكيكاً في مشروعيتها فقد صدرت عن ملك البلاد الذي تنازل في سبيل ذلك عن بعض مما منحه له النظام، ألا وهو حق الملك في تعيين ولي عهده، لكن للقضاء على بعض الأصوات المشككة هنا وهناك، أعتقد بأن الهيئة بكامل أعضائها بحاجة إلى اجتماع يؤكد وجودها وشرعيتها على أرض الواقع، ويثبت للعالم بأنها ليست مجرد نظام نظري أو أمنية شخصية لولي الأمر بتنظيم نظام البيعة وإنما هي جزء أساسي متفق عليه من دستور أو نظام هذه البلاد حفظها الله من كل مكروه.
الخطوة الثانية تتمثل في أنظمة البلاد الرئيسية كنظام الحكم ونظام الشورى ونظام الوزراء، فقد انقضى خمسة عشر عاماً على صدور تلك الأنظمة وطالما بدأ ولي الأمر بنفسه بتغيير فقرة من تلك النظام تتعلق بصلاحياته كنظام البيعة، فإنه ليس هناك مانع من مراجعة أنظمة الحكم تلك وتطويرها بما يتفق مع المرحلة والظروف الراهنة، بل وليس هناك مانع من تسمية الأمور بمسمياتها وضم الأنظمة الرئيسية في نظام أو دستور واحد يعرف بدستور المملكة العربية السعودية.
لقد كنا مترددين في استخدام مصطلحات مثل التصويت والانتخاب وغيرهما بسبب حساسية دينية وبدأنا نتجاوز تلك الحساسية في استخدام المصطلحات الحديثة فما المانع من استخدام مصطلح الدستور. نحن نتحدث عن مصطلح قانوني حديث لا يخل بضرورة أن تكون مصادره ضمن إطار التراث الإسلامي المعروف. ليس هناك نظام يولد كاملاً وتجربتنا خلال خمسة عشر عاماً بالتأكيد تسمح لنا بتلمس الثغرات القائمة في الأنظمة، وأراه حان الوقت للنظر بشكل أكثر عمقاً ومنهجيةً في مراجعة وتطوير الأنظمة الرئيسية للبلاد..
الخطوة الثالثة تتمثل في تطوير الجهاز التنفيذي ولدينا فرصة قريبة لإحداث التغيير، وفق أنظمة تعيين الوزراء ومن في حكمهم، ولأن الجهاز التنفيذي هو الذي يمثل ولاة الأمر في تنفيذ السياسات والخطط لعامة للدولة، فإننا نهمس بأننا بحاجة إلى ضخ دماء جديدة في شرايين الأجهزة التنفيذية بالذات تلك المتعلقة بحياة المواطن اليومية كأجهزة الخدمات، دماء أساس اختيارها هو الكفاءة و العلم والخبرة الحديثة والحيوية اللازمة للتطوير والمتابعة، بعيداً عن أية اعتبارات أخرى قد تعيق مجرى النهر الإصلاحي الذي ينتهجه خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله.