تمخض التعليم العالي فولد نظاماً (2/2)

بدأت ملاحظاتي في المقال السابق حول نظامي المجلس الأعلى للتعليم والجامعات فرأيت أن مجلس التعليم الأعلى بصيغته المنشورة يمثل حلقة إدارية بيروقراطية غير عملية ولم تتم صياغة مواده بشكل واضح يفرق بين التنفيذي والاستراتيجي، بل هو يبدو كمجلس وصاية يصعب عليه تنفيذ جميع المهام الموكلة إليه بتميز، إلا إذا كان سيتحول إلى وزارة أخرى، حيث يضيق واسعاً بإيراد مواد تقيد الاستقلالية الإدارية للجامعة وبالتالي لا يلبي طموحات واحتياجات الجهات الأكاديمية…

دعونا ننظر في بعض المواد كمثال يوضح ضعف النظام، رغم أننا أشرنا سابقاً إلى نظام مجلس التعليم الأعلى برمته يحتاج إعادة نظر. أشار النظام إلى إصدار اللوائح المالية والإدارية للجامعات – دون التقيد بالنظم واللوائح الخاصة بالمصالح الحكومية – وتلتزم الجامعات بتطبيق نظام التقاعد ونظام العمل ونظام التأمينات الاجتماعية. مادة ذات صيغة مرتبكة، فكيف لا يطبق نظام المصالح الحكومية ويطبق نظام التقاعد؟ ما المقصود بأنظمة المصالح الحكومية؟ ربما المقصود هو إعطاء الجامعة استقلالية مالية وإدارية أكبر، لكن النص يبدو متردداً أو خائفاً أو مراوغاً في تسمية الأمور بمسمياتها وغير قادر على تحديد مستوى الاستقلالية والصلاحية التي يريد منحها للجامعات… كان بالإمكان النص صراحةً على أن تعامل الجامعات وفق نظام الهيئات الحكومية المستقلة أو وفق نظم برامج التشغيل المستقلة (أسوة بالمستشفيات الكبرى) أو أي صيغة بشرط أن تكون واضحة في موضوع استقلالية الجامعة وتحريرها من القيود الإدارية التي تواجهها حالياً (سبق أن طرحت موضوع ميزانية الجامعات وقد نعود إليه في مقال آخر).

في المادة السادسة تشكل لجنة دائمة وفي المادة السابعة يكون للمجلس أمانة عامة وفي نهاية مهام الأمانة أشير إلى أن الأمانة تقوم بأعمال اللجنة الدائمة. هذا مثال لتضخيم أعمال المجلس المقترح حيث في النهاية اللجنة هي الأمانة، بل انه إشارة على أن الفكر الرئيسي في النظام هو فكر مجلس التعليم العالي الحالي! يؤكد ذلك التركيز على الجامعات وإهمال مؤسسات التعليم الأخرى فلماذا يتدخل في ميزانيات الجامعات وأسسها وتعيين نوابها وغير ذلك وليس في المؤسسات التعليمية الأخرى؟ إذا هو أقرب إلى مجلس التعليم العالي منه إلى مجلس تعليم لكافة مستويات ومؤسسات التعليم..

السؤال الأخير والمهم، يتمثل في دور وأهداف وزارة التعليم العالي؟ لم أجد في نظام المجلس أو نظام الجامعات ما يشير إلى دور الوزارة وأهدافها، هل أهداف ومهام الوزارة تتعارض مع مهام المجلس الأعلى للتعليم ومهام مجلس الجامعة؟ يبدو أن وزارة التعليم العالي لن تجيب على هذا السؤال، وستكرر ما تفعله في موضوع الخطة الاستراتيجية للتعليم العالي حين بترتها عن مرجعيتها المفترضة وحصرتها في الجامعات بعيداً عن مشاركة قطاعات التعليم الأخرى. وزارة التعليم العالي تُنظِر (بضم التاء) لمجلس أعلى وتقنن لعمل الجامعات بينما تبقي بعيدة عن تحديد أدوارها وأهدافها ومهامها. إعادة النظر في نظام أو مجلس التعليم العالي الأعلى يتطلب تحديد أهداف ومهام ومستويات عمل وزارة التعليم العالي، تحديداً أرى بأن مجلس أو هيئة عليا للتعليم العالي فكرة جيدة كبديل لوزارة التعليم العالي، وبالتالي علينا الاختيار إما تحجيم أدوار الوزارة في المهام الإشرافية والتنسيقية والاكتفاء بذلك أو إلغاء الوزارة وإبدالها بمجلس أو هيئة إشرافية، وليس تنفيذية عليا.. نظام الجامعات سيكون له مقال آخر.

أضف تعليق