شفافية الموازنة العامة “1”

ربما يكون رد الفعل الأول على هذا المقال هو ما معرفتك أيها الكاتب بالاقتصاد والأمور المالية حتى تزرع أسئلة مهملة قد تفسد علينا فرحة غامرة بأكبر ميزانية تقديرية تشهدها بلادنا، ميزانية البناء أو مواصلة البناء الذي انقطع أو تراجعت وتيرته في العقد الأخير بسبب ظروف خارجة عن إرادتنا، وبالذات ما تعلق منها بأسعار البترول العالمية. أعترف بأنني لست جهبذاً في الطرق المحاسبية والمالية، لكن ذلك لن يمنعني من كتابة ملاحظاتي وأسئلتي هنا، وهي استفسارية أكثر منها تقريرية، حول الميزانية و/أو الموازنة الأخيرة، فلنبدأ أسئلتنا وبالله التوفيق.

طريقة عرض الموازنة يتم على نفس الصيغة كل عام، إيرادات ومصروفات، ومن بعدها تبدأ التحليلات والبيانات المصاحبة التي تضعني في حيرة أيهما يأتي من مصدر رسمي وأيهما يأتي من مصدر تحليلي وأيهما يأتي كرأي… إلخ، لذلك أتساءل وأنا الفقير في فهم توزيع المال؛ ألا يمكن لوزارة المالية أن تقدم لنا تفصيلاً أكثر؟ ألا يمكن على سبيل المثال أن تعلن أرقام البنود الرئيسية المشكلة للميزانية التقديرية للدولة ولكل قطاع؟ ألا يمكن التوسع في عرض ميزانية جميع القطاعات؟ لماذا نخشى ذلك طالما الأمر يظل تقديرياً؟ حتى الأمور غير المتوقعة يمكن أن يعلن لها ميزانية تقديرية لمواجهة الظروف الطارئة…

بل السؤال أحياناً يأتي في تفاصيل القطاعات، حيث إن القطاع الصحي على سبيل المثال يتبع عدة وزارات وحينما تعلن موازنة القطاع الصحي نخلط بين القطاع الصحي بأكمله ووزارة الصحة فقط؟ كيف تعلن ميزانية القطاع الصحي ثم تعلن ميزانية مستشفى الملك فيصل التخصصي وميزانية الجامعات التي تقدم الخدمات الصحية؟ هل يعني ذلك تكراراً أم أن ميزانية القطاع الصحي لاتشمل ما تم إعلانه بشكل مستقل؟

ميزانيات الجامعات تمثل نقطة واضحة لأنها تعلن بشكل منفرد لكل جامعة، ويسهل قراءتها سطحياً لأنها لم تجمع في حزمة واحدة ويقال ميزانية قطاع التعليم العالي، ولكن القراءة للإيرادات والمصروفات فقط تطرح تساؤلات سبق طرحها وكانت مزعجة حينا فسر طرحها بأنه تعصب لجامعة بذاتها. التساؤلات تكمن في تفاوت الأرقام بين جامعة وأخرى بشكل لا يبرره العمر الزمني أو عدد الطلاب أو النشاط العلمي لهذه الجامعة أو تلك. ليس هناك شك بان احتياج الجامعات وأولوياتها التي تقدمها لمشاريع ميزانياتها مختلفة، وبأن الميزانية ليست معاييرها فقط الإنتاجية أو الخدمة المقدمة بل يدخل ضمنها المشاريع المنفذة، على سبيل المثال، لكن استخدام العموميات في طرح الموازنة وعدم تفصيلها يترك مدخلاً للتساؤل حول معاييرها ومبررات تفاوتها في القطاع الواحد. لو طرحت بنود الميزانية الرئيسية لأدرك المتابع والمراقب مبررات الزيادة وهل تمثل هدراً تشغيلياً أم أنها حتمية للقطاع أو الجهة المعنية. على سبيل المثال؛ أنا لا أفهم من قراءة الميزانية المنشورة، كيف تكون موازنة مستشفى أكثر من مليارين ونصف الملياربينما جميع الجامعات باستثناء جامعة واحدة، لم تتجاوز هذا الرقم، رغم أن تلك الجامعات تقدم خدمات صحية وتعليمية واجتماعية تفوق ما يقدمه ذلك المستشفى؟

هذه موازنة خير، إن شاء الله، حوت الكثير من المشاريع، لكننا نريد أن تعرض بطريقة مفهومة للمتابع غير المتخصص ونريد أن تتحلى بشفافية أكثر في طرح بنودها وتفاصيلها لجميع القطاعات دون استثناء. مع تقديرنا للجهود التي تبذلها الجهات المعنية وعلى رأسها وزارة المالية في إعداد الميزانية والموازنة السنوية.. “يتبع”

أضف تعليق