هي ليست المرة الأولى التي أطالب فيها بتقليص وإلغاء مركزية النظام الصحي، وإعطاء مزيد من الصلاحيات التي تصل حد الاستقلالية الإدارية للمديريات الصحية بالمناطق، بل سبق وأن اقترحت معاملة القطاع الصحي بنظام يماثل النظام البلدي حيث تستقل كل منطقة بأمانتها البلدية التي يرأسها أمين برتبة وزير في بعض الأمانات. رغم ذلك لست أرى تقدماً يذكر في هذا الشأن أوأرى مساعي لإيجاد إصلاحات كبرى في القطاع الصحي دون الالتفات إلى قضية المركزية التي تعيق الإبداع في كثير من قطاعاتنا الحكومية.
لعلني هنا أذكر لماذا أتحمس لإلغاء مركزية النظام الصحي بالمملكة؟
أولاً: لتحسين الكفاءة، حيث كما هو معروف فإن صغر الجهاز الإداري وقربه من مواقع العمل يزيدان الكفاءة والجودة الإدارية والمهنية معاً
ثانياً: للتركيز على أهداف محددة تخدم المنطقة كالوقاية وتعزيز الصحة وغير ذلك من أولويات الصحة العامة التي يمكن أن تميز منطقة دون الأخرى…
ثالثاً: لتحقيق العدالة، في توزيع الخدمات وفي الميزانيات، وفي التوظيف وفي الرقابة وغيرها
رابعاً: لزيادة المشاركة الاجتماعية، حيث إن استقلالية المنطقة الصحية وتشكيل مجلس صحي بالمنطقة يشارك به ممثلون للمجتمع يزيدان المشاركة المجتمعية ويجعلان المسؤول بالمنطقة يتحمل مسؤولياته أمام مجتمعة بدلاً من إلقاء اللوم دائماً على المركز.
خامساً: لزيادة المسؤولية والمحاسبية، حيث سيصبح بالإمكان محاسبة المدير ومجلس الإدارة بدلاً من إلقاء التبعات دائماً على المركز أو (ضياع) المسؤولية بين المنطقة والمركز. وسيصبح مسؤول المنطقة الصحية مسؤولا ومحاسباً بشكل أوضح من لدن وزير الصحة ومن لدن مجلس المنطقة وإدارة المنطقة والمجتمع..الخ.
سادساً: لتقليص التكاليف، حيث يوجد هدر مالي مباشر أو غير مباشر تسببه المركزية. المركزية تعني كبر الجهاز الإداري وضخامة أعماله وبالتالي صعوبة سيطرته على جميع الأعمال وهذا يقود إلى تجاوزات وعدم توجيه الموارد لمواقع الاحتياج الفعلي بالمنطقة الصحية…
معالي وزير الصحة كرر مراراً توجه وزارة الصحة نحو إعطاء مزيد من الصلاحيات للمديريات الصحية، بل وشكل فرقاً لذلك، لكن الخطأ الإستراتيجي الذي تكرره وزارة الصحة هو إيكالها مهام الإصلاح إلى فرق أو أشخاص من داخل الجهاز التنفيذي للوزارة، وهذا يجعل خطواتها بطيئة وغير واضحة ومنقوصة في حالات كثيرة. ليس لعدم كفاءة الأشخاص ولكن لعدم تفرغهم لذلك وعدم استقلاليتهم عن الجهاز التنفيذي للوزارة وتداخل مصالحهم الشخصية والإدارية مع مسؤولي الوزارة والمناطق الصحية و أخيراً لأن خبراتهم الطويلة داخل رحم النظام الحالي تؤثر على رؤيتهم لنظام جديد مختلف. إذا كانت وزارة الصحة جادة في هذا الأمر فعليها إيكال الأمر إلى لجان وفرق مستقلة ومن خارج قطاع الوزارة تعود للوزير مباشرة ليقر أعمالها، فقط، بينما بقية المعنيين بوزارة الصحة يجب أن لا يتجاوز دورهم توفير المعلومات المطلوبة..