ألا يحتاج الطبيب إلى الإلمام بعلم النفس؟
ألا يحتاج المعماري إلى الإلمام بتحليل حركة المجتمع ومعرفة مبادئ علم الاجتماع؟
الإجابة نعم يحتاجون ذلك، لكن تصنيفنا التعليم إلى علمي وأدبي وحصرنا الأطباء والمهندسين في خريجي العلمي حرم الطبيب والمهندس وغيرهما من الاستفادة من مبادئ علم النفس وعلم الاجتماع التي تدرس بالمرحلة الثانوية…
في الجانب الآخر، ألا يحتاج الإداري إلى معرفة الإحصاء والحساب؟
ألا يحتاج المبدع التشكيلي والروائي إلى معرفة قوانين الفيزياء الأساسية؟
ألا يحتاج مدرس التربية الإسلامية إلى معرفة بعض الخصائص البيولوجية للجسم والحيوان والنبات؟
الإجابة، نعم يحتاجون ذلك، لكن تصنيفنا التعليم إلى أدبي وعلمي حرمهم من بعض ذلك حين أصبحت التخصصات مصنفة إلى علمي وأدبي…
كان ذلك عن الجانب المهني الملموس، لكن السؤال التعليمي والتربوي الأهم، هو ما الهدف الذي ننشده من تعليم المرحلة الثانوية؟ ما هي المبررات العلمية لتقسيم المرحلة الثانوية إلى قسم علمي وقسم أدبي؟ هل يستطيع طالب الصف الأول ثانوي اختيار مستقبله في تلك المرحلة المبكرة من عمره؟ هل نظامنا التعليمي والتربوي والاجتماعي يهيئ الطالب في تلك المرحلة المبكرة من عمره على تحديد الإطار المستقبلي لحياته المهنية والاجتماعية؟ نعم مستقبله لأنه حين يلتحق بالقسم الأدبي فهذا يعني حصر مساراته وخياراته المستقبلية في التخصصات التي تعارف عليها بالتخصصات النظرية، وعندما يلتحق بالقسم العلمي فهذا يعني أننا أتحنا له مسارات مختلفة في حياته المستقبلية في المجالات التي تعارف عليها بالتخصصات العلمية.
أعلم أن هناك مدارس، أو تجارب، تتجاوز مجرد التقسيم إلى علمي وأدبي إلى تقسيمات وتفريعات أخرى، ولست خبيراً تربوياً لأجزم بصحة هذا أو ذاك، لكنني أطرح الأسئلة، ألا يمكن أن يوجد برنامج شامل للمرحلة الثانوية يعد الطالب بشكل أشمل، لتتوسع خياراته المستقبلية؟ ما هي فلسفة العلمي والأدبي؟ من أين أتت؟ هل تحقق التوازن المعرفي والتربوي المطلوب تحقيقه للشاب أو الشابة في هذا العمر؟ أم أنها تهمش فئة دون الأخرى؟ بل أسأل حتى عن المصطلح، لماذا نصنف هذه المواد بالأدبية وتلك بالعلمية؟ هل الفيزياء والكيمياء لا تتطلبان، الأدب واللغة والتاريخ لا تتبع الطرائق العلمية؟ هل فلسفة التعليم التي قسمت على أساسها الثانوية إلى علمي وأدبي قبل خمسين عاماً هي فلسفة التعليم في زمننا الحالي ومستقبلنا المنشود؟ هل هناك علاقة بين خطط التنمية وتوجهاتنا الإدارية وهذه الفلسفة في تقسيم التعليم ومستقبل الأبناء إلى أدبي وعلمي أو علمي وأدبي؟
كما تعود القارئ اكتفي بطرح الأسئلة وللقراء التأمل فيها، أما أرباب التربية والتعليم فعليهم طرح الإجابات والبحث فيها وليس مجرد التأمل. على المتخصصين التذكر بأن بعض الأسئلة البسيطة هي مجرد مفتاح، ومن لا يملك المفتاح فهو عاجز عن ولوج الباب بالطريقة الصحيحة…