كانت الاجتماعات تعقد بشكل متوال في بيوتات القرية لمناقشة موضوع تعليم البنات، لم يكن في القرية مدرسة لتعليم البنات، واقرب مدرسة تبعد عن القرية حوالي ستة كيلو مترات. لا أعرف سبب التوجه أو الصحوة المفاجئة من أهالي القرية لمناقشة ذلك الموضوع! هناك من عارض وهناك من فكر بالعراقيل مثل المواصلات ، لكن في النهاية تم توفير العدد الكافي من البنات الذي يسمح بإيجاد وسيلة نقل تنقلهن لأقرب مدرسة، حيث كان هناك شروط واضحة من رئاسة تعليم البنات بأنه لا يمكن توفير وسيلة نقل لأقل من عشرين أو ثلاثين طالبة (لا أتذكر العدد تماماً).
تم تسجيل جميع البنات في الصف الأول، بمعنى آخر سجلت من يبلغ عمرها خمسة عشر عامأً ومن عمرها ستة أعوام بنفس الفصل والمستوى. حينما أخبرت ابنتي بأن عمتها تزوجت وهي في الصف الرابع فغرت فاها، قبل أن تعرف بأن عمتها لم تبدأ الدراسة سوى في سن الرابعة عشرة. وسيلة النقل كانت عبارة عن سيارة (ونيت) رُكب عليها (حنايا) و (شراع)، تتكدس حوالي ثلاثين طالبة في حوضها. بعد أربع سنوات استؤجرت مدرسة بنات بالقرية، لكنها لم تشمل في البداية سوى الصفوف الثلاثة الأول، وهنا كان المأزق لبعض الآباء الذين لديهم بنات يدرسن بالصف الرابع، هل يعدن سنة للوراء للدراسة بالقرية ام يواصلن دراستهن بعيداً عن القرية؟ غالبية أهل القرية اختاروا إعادة البنات سنة للوراء ليبقين بمدرسة القرية. المدرسات بتلك المدرسة كانت غالبيتهن من بلاد الشام (فلسطين وسوريا تحديداً) وقليل من مصر.
بعد سنوات قليلة أصبح إلحاق البنات بالمدرسة في السن المعتادة أمراً طبيعياً في القرية، وحان الوقت لافتتاح مدرسة محو أمية للسيدات بالقرية. يبدو أن التوجه الحكومي كان قوياً في هذا الشأن بدليل ذلك المونولوج الذي حفظه الكثيرون (لسعد التمامي)، والذي كان يعاد بشكل مستمر في الإذاعة والتلفزيون (شفت الخاله في مشيتها). حتى مدارس الأمية كان هناك صعوبة في إقناع السيدات بدخولها، وأحد مبررات الامتناع لم تكن بالضرورة عدم الرغبة في التعليم ولكن صعوبة توفير الوقت، حيث كانت الأم تعمل في البيت والمزرعة والعناية بالأطفال، ولم يكن لديها الوقت الكافي للمدرسة. أحد الأمثلة (الطريفة في زماننا) التي توضح معاناة جمع الأم بين مدرستها وواجباتها كانت في اعتذار إحدى الأمهات عن حضور الامتحان بسبب عنايتها بالبقرة التي ولدت عجلاً في نفس يوم الاختبار. مسؤولية العناية بالبقرة و مولودها تحتل الأولوية على تقديم اختبار محو الأمية!
تلك الأم التي لم تستطع حضور الامتحان بسبب عنايتها بالبقرة وعجلها الصغير تفتخر اليوم بأن عشراً من حفيداتها خريجات أو يدرسن بالمرحلة الجامعية، وبأن جميع المدرسات بمدرسة القرية هن من بنات القرية.