كان طويل القامة نحيل البدن يتذكره طلابه لصفات تميزه عن بقية معلمي المرحلة الابتدائية بتلك القرية الجبلية الوادعة. كان يأتي متأبطاً كتباً يطالعها في فترات الفراغ بين الحصص. ذلك هو الأستاذ أحمد سعدة الذي عرفنا لاحقاً بأن تلك الكتب لم تكن سوى مقررات المرحلة المتوسطة التي كان ملتحقاً بفصولها المسائية. كان خريج معهد المعلمين الذي يقبل خريجي المرحلة الابتدائية آنذاك. لم تكن تلك الصفة الوحيدة التي تجعل أحمد سعدة مختلفاً عن بقية المدرسين، بل طريقته في تعامله مع طلابه ومجتمع القرية بصفة عامة. كان يدرس مادة التربية الفنية بحس فني بيئي مختلف، فقد كان يأخذ الطلاب خارج الفصل الدراسي ليذهبوا إلى الجبال والأودية المحيطة بالمدرسة ليجمعوا أحجاراً مختلفة الألوان وفي رحلتهم تلك يصدف أن تتحول مهامهم إلى مهام إنسانية أو تطوعيه، فعلى سبيل المثال عندما يجدون أن هناك سيارة (مغرزة) في الوادي الرملي تتحول مهمتهم إلى مهمة إنقاذ ومساعدة، وبالذات في فصل الشتاء الذي كانت تكثر فيه مثل تلك الحوادث بوادي القرية. من ضمن ابرز أعماله بناء مجسم للمدرسة بعلب الكبريت الفارغة التي استطاع أن يجمع المئات منها، وبناء مجسمات للجبال المحيطة باستخدام بقايا الأوراق الكرتونية وصهرها بالماء والغراء حتى تتحول إلى عجين يمكنه من بناء المجسمات المطعمة بتلك الحجارة التي جمعها أثناء الرحلات الصباحية للأودية. كان محبوباً من أهل القرية وهو ليس من ابنائها، وله قصة يسجلها تاريخ القرية، قصة سيارته الجديدة (الهايلكس) عندما سحبها السيل عدة كيلو مترات بعيداً عن القرية ونجا هو من ذلك الحادث الأليم بتعاطف أكبر من اهل القرية وأولياء الأمور، كيف لا وهو من كان يبادر إلى إنقاذ ومساعدة الآخرين. يقول الرواة بأنه حاول عبور الوادي الرملي، ولكن السيارة (غرزت)، في تلك الأثناء ازداد هطول الأمطار وهيجان السيول قبل أن يتمكن الجميع من إخراج السيارة، فكانت المحاولة الأخيرة لإنقاذ السيارة هي استخدام الحبال (الأرشية) لربطها بالأشجار المحيطة. لم تفلح تلك المحاولة أمام غضب السيول التي كانت تجتاح ذلك الوادي، ومن أمام ناظريه غابت سيارته تتدحرج في مياه السيول التي لم ترأف بها وبحال الاستاذ أحمد…
مرت الأيام وواصل الاستاذ أحمد سعدة دراسته المسائية حتى تخرج من الثانوية العامة ثم اتجه للجامعة لدراسة العلوم وانتقل إلى وظيفة معيد بالجامعة، ثم مبتعثاً للدراسات العليا، وهو الأن استاذ جامعي في مادة الجيولوجيا، وكأن سحر الحجارة التي كان يجمعها مع طلاب الصف الثاني الابتدائي لازمه حتى في دراساته العليا خارج المملكة ولازال يتأمل فيها، كان يجمع الصخور ليصنع منها جبلاً ورقياً وهو الأن يجمعها ليفحص تاريخ الجبال السمر تحت عدسات مجهره الإلكتروني…