كلما ارتقى المسؤول منصباً أعلى تجاوز دوره مجرد حل المشكلات التكتيكية في مجال عمله وتخصصه إلى النظر بشكل اكثر شمولاً وبفلسفة اكثر عمقاً للأمور، حيث تصبح الثقافة العامة هنا والإلمام بالسياسات العامة للدولة محل اختبار للمسؤول، كما أن دور المجالس العليا هنا يصبح حرجاً في التدخل للجم بعض التوجهات التي تقوم بها بعض الجهات التنفيذية وتتنافى مع السياسات العامة والتوجهات المستقبلية للدولة. هناك قرارات تنفيذية تبدو منطقية لدى البعض لكن وضعها على محك التوجهات العامة للدولة، تجعلنا نتساءل، هل هناك وضوح في التوجهات العامة؟ وهل يدرك كبار التنفيذيين تلك التوجهات؟
لنطرح مثالاً ما يتعلق بالمرأة. قضية إشراك المرأة في العملية التنموية أعتقد أنه توجه بارز ومهم في السياسة العامة للمملكة، و يصحبه منح المرأة الثقة في المشاركة في صنع القرار والمشاركة في الحياة العامة مثلها مثل غيرها من نساء العالم. لكن عندما يأتي التعليم الجامعي ويعزل المرأة بشكل كامل عن التواصل مع مصادر القرار بالجامعة والكليات وتخلق للمرأة كيانات إدارية معزولة، فإننا نسأل هل يدرك المعنيون بالقرار الأبعاد الثقافية والاقتصادية والإدارية المستقبلية لذلك، أم أن الأهم هو حل مشكلة قائمة يعاني المسؤول التعامل معها إدارياً بطرق أخرى؟! هل وضع عمادات مستقلة لكليات البنات بأكبر جامعة سعودية قرار صائب ثقافياً وأكاديمياً على المدى المستقبلي أم أنه مجرد حل براغماتي تكتيكي؟ بالمثل عندما يأتي المسؤول الأول بوزارة الصحة فيعلن التوجه نحو إنشاء مستشفيات نسائية، هل يدرك البعد الثقافي والاقتصادي والإداري المستقبلي لهذا التوجه؟ أم أنه يستجيب فقط للضغوط الآنية من بعض فئات المجتمع؟ هل نحن نخدم المرأة بعزلها ضمن كيانات نسائية بعيدة عن الرجل أم أننا نكرس نظرة محددة تجاهها؟ تذكروا أنا أطرح أسئلة، تتعلق بالمستقبل أكثر منه الحاضر، ومثل تلك القرارات لها انعكاسها على مستقبل المرأة و على الأداء الإداري و الاقتصادي بصفة عامة، لذلك نركز السؤال هل يتخذ التنفيذي القرار وهو ملم بالسياسات العامة والتوجهات الثقافية والاجتماعية والتنموية التي تسير عليها أو تريد أن تسير عليها الدولة؟
هل المشكلة في المسؤول التنفيذي أم في عدم وضوح الرؤية والتوجهات العامة؟ لماذا تنشأ مجالس عليا إذا كانت تلك المجالس عاجزة عن رسم سياسات عامة يسير على ضوئها الجميع؟ أليس دور المجالس العليا للتعليم والثقافة وما شابههما من مجالس عليا هو توضيح سياساتنا التعليمية والثقافية تجاه المرأة والطريق الذي نود السير فيه تجاه قضاياها، سواء كان بعزلها اقتصاديا وثقافياً وإدارياً أم بدمجها كعنصر شريك في التنمية…