* ليس من جديد القول بأن القطاع الصحي يعد من أكثر القطاعات معاناة في مجال نقص الكوادر الوطنية وصعوبة استقطاب الكوادر الأجنبية المتميزة، وحسب التقرير الصحي لوزارة الصحة للعام 1418هـ فإن هناك 82918″اثنين وثمانين ألفا وتسعمائة وثماني عشرة وظيفة” في مجال التمريض والعلوم الطبية المساعدة يتم شغلها بغير السعوديين في القطاعات الصحية المختلفة، منها 23499وظيفة في العلوم الطبية المساعدة و 59419وظيفة في مجال التمريض، ولا يشمل ذلك الوظائف التي صنفت تحت بند الوظائف الفنية والبالغة 19684وظيفة يشغلها عاملون غير سعوديين… ونلاحظ انه بالرغم من كون هذه الأرقام تمثل احصائيات ما قبل ثلاث سنوات *، فإن المتوقع هو بقاء الفجوة فيما بين عدد الوظائف الكلي وتلك التي يشغلها المواطنون كما هي إن لم تزد بناء على ما يحدث من توسع في الخدمات الصحية الحكومية والخاصة لمواجهة ازدياد السكان والحاجة الى مزيد من الخدمات الصحية وعدم تطور مخرجات التعليم الصحي المساعد كمياً، بما يتناسب مع زيادة الاحتياج، حيث معدل مخرجات القطاع التعليمي الصحي المساعد بالمملكة لا يزيد عن ألف وخمسمائة خريج كل عام، يتم تخرجهم من كليات العلوم الطبية التطبيقية التابعة للجامعات والكليات الصحية التابعة لوزارة الصحة، ونضع كليات وزارة الصحة هنا تجاوزاً بالرغم من كون غالبية خريجيها يصنفون ضمن الفئات الفنية وليس الصحية المساعدة.. أمام ذلك فإن المتوقع مبادرة الجهات المعنية وعلى رأسها التعليم العالي بالاهتمام بهذا النوع من التعليم، ودعمه بشكل أكبر بشكل يتواءم مع الاحتياج، لأنها الجهة الوحيدة المؤهلة لأداء هذا الدور، فهل يحدث ذلك على أرض الواقع؟.
نطرح هنا مثالين ليتسنى لنا الاجابة على مدى عناية التعليم العالي ممثلا في جامعاتنا بالتعليم الصحي المساعد، أو ما تسميه الجامعات تجاوزا الطبي التطبيقي:ـ
المثال الأول: كلية العلوم الطبية التطبيقية بجامعة الملك سعود بالرياض تعتبر الكلية الصحية الأولى في المملكة، وقد انشئت هذه الكلية عام 1396هـ، أي قبل ربع قرن من الزمان، ورغم ذلك فهي لا تزال تقبع في مقر مؤقت خارج الحي الجامعي، تم الاستغناء في ذلك المقر عن المواقف وتحويلها إلى قاعات، وتم وضع جدول المحاضرات على فترتين صباحية ومسائية، احداها للبنات والأخرى للبنين، وأخيرا وأمام عدم قدرة المبنى على الاستيعاب تم تحويل غالبية اقسام البنات إلى مقر دراسات البنات رغم عدم تجهيزه ومناسبته ليتوافق مع احتياجات كلية صحية أو طبية.. ليس ذلك فقط بل استحدثت كليات ومراكز بعد كلية العلوم الطبية ووجدت لها مقرات حديثة داخل الحي الجامعي، إلا كلية العلوم الطبية التطبيقية، التي لم تحظ بعميد لها من ابنائها سوى قبل عام أو عامين وطيلة العشرين سنة الماضية تعاقب على عمادتها أساتذة من كليات أخرى…!
خمسة وعشرون عاما بانتظار مقر للكلية، هل يعبر ذلك عن اهتمام بالتعليم الصحي المساعد؟.
المثال الثاني: كلية العلوم الطبية التطبيقية بجامعة الملك فيصل، هذه الكلية بإنشائها عام 1415هـ أي قبل أكثر من ستة أعوام، وان كانت كلية العلوم الطبية بجامعة الملك سعود حظيت بمقر مؤقت، فإن أختها بجامعة الملك فيصل لم تحظ حتى بالمقر المؤقت، وانما توجد معاملها المحدودة جدا في عمائر الاسكان بمستشفى الملك فهد الجامعي، يعني مثلها مثل مدارس تعليم البنات، شقق سكنية.. ليس ذلك فقط، بل انه وبالرغم من صدور الموافقة على قيام أكثر من عشرة أقسام بهذه الكلية لم يبدأ فعليا منذ صدور الموافقة سوى قسمين فقط، وحتى الآن لا يوجد هيكل إداري أكاديمي مكتمل للكلية، ولا يوجد مجلس أكاديمي للكلية، ولا يوجد مكاتب لأعضاء هيئة التدريس العاملين بالكلية.. ربما سيتم ذلك بعد اكمال الكلية ربع قرن من عمرها المديد أسوة بما يحدث في الجامعة الأم جامعة الملك سعود..!! مرة أخرى هل يعبر ذلك عن اعطاء أولوية للتعليم الصحي؟ هل تقديم التعليم الجامعي في شقة سكنية هو التطور الذي يفاخر به تعليمنا الجامعي؟
وظروف التعليم الصحي المساعد، ان وجد في الجامعات الأخرى ليس بأحسن حالا من جامعتي الملك سعود والملك فيصل، وضعف التعليم الصحي المساعد القائم حاليا ضمن ما تقدمه كليات العلوم الطبية، ليس فقط في عدم وجود مقر لهذه الكلية أو تلك، بل يمتد إلى عدم العناية بتطوير الكفاءات الوطنية بتلك الكليات، مما جعل على سبيل المثال كلية العلوم الطبية التطبيقية بالرياض ولمدة تزيد على العشرين عاما تستعين بأساتذة من كليات أخرى لإدارتها، حيث يعتبر عميد الكلية الحالي أول عميد من أبناء الكلية وليس عميدا معارا من الطب أو الصيدلة أو الزراعة، والوضع ينطبق على الكليات المشابهة بالجامعات الأخرى، وأخشى ان يكون ذلك سببا في تدني مستويات تلك الكليات وعدم تطويرها، إلا إذا كان الآخرون سيكونون أكثرة قدرة على إدارة وتطوير كليات العلوم الطبية من أبنائها.. الغريب انه وبالرغم من عمر كلية العلوم الطبية التي تقلدها بقية الكليات المشابهة في الجامعات الأخرى، لم تضف إليها أية اقسام جديدة منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، بالرغم من افتقاد بلادنا لتخصصات حيوية في هذا المجال، وبالرغم من ابتعاث المؤسسات الصحية ابناءها لتعلم تخصصات طبية مساعدة في الدول الأجنبية، لعدم توفر تلك البرامج داخل المملكة، فعلى سبيل المثال كليات العلوم الطبية يمكنها تدريس تخصصات كثيرة مثل التخدير،العلاج الوظيفي، السجلات الطبية، تقنية المعلومات الطبية، الإنقاذ والإسعاف، صحة البيئة، الصحة المدرسية، مكافحة العدوى وغيرها من التخصصات التي أصبح من الهدر إعادة تدريب الأطباء فيها، وهناك صعوبات كبيرة في التعاقد مع كفاءات أجنبية متميزة فيها…
من الحلول التي يقدمها البعض تتمثل في دفع المستشفيات الى تدريب الكفاءات المتخصصة في العلوم الطبية المساعدة، ولا غبار على ذلك حينما يتم تحديد مفهوم التدريب بمجال التعليم المستمر والتطوير، ولكن ذلك لن ولا يجب أن يكون بديلا للتعليم الاكاديمي المتخصص، واتمنى ألا يخدعنا تجار التعليم الصحي الجدد وبعض المتحمسين لردم الفجوة في مجال سعودة الوظائف الصحية بأن المعاهد الخاصة الصحية، أو التدريب في المستشفيات أو برامج الدبلوم الجامعية، سيكون بديلا لما تقدمه كليات العلوم الطبية والكليات الطبية المساعدة وكليات التمريض، لأن أقصى ما ستقدمه تلك المعاهد والبرامج هو تعليم مستمر أو تدريب فني يسهم في تخريج كفاءات فنية، يتم تصنيفها ضمن فئة الفنيين، وهي الفئة التي يعمل بها ما يقارب العشرين ألف موظف غير سعودي، ولا ننكر حاجتنا إلى المزيد منهم…
إذا الجامعات يجب أن تكون المسؤولة الأولى عن تطوير التعليم الطبي المساعد والتطبيقي، وحتى يتسنى تحقيق ذلك بشكل إيجابي، لابد من سرعة المراجعة لما يحدث في هذا المجال، ومراجعة مسببات اهمال الجامعات لكليات العلوم الطبية، وبالتالي اتخاذ الخطوات اللازمة التي نرى أبرزها الآتي:
1ـ اكمال تأهيل الكليات القائمة لتكون صالحة لمزيد من الانتاج المتميز.
2ـ افتتاح كليات علوم طبية جديدة بشكل مواز لكليات الطب في مختلف الجامعات.
3ـ إعادة النظر في استقطاب وتحسين امتيازات العنصر البشري الوطني الأكاديمي العامل في هذا المجال، لتوازي أو تفوق ما تقدمه القطاعات الصحية المختلفة، لتتمكن تلك الكليات من التغلب على صعوبة استقطاب الكفاءات البشرية النادرة في السوق الصحي.
4ـ تقييم برامج العلوم الصحية والطبية التطبيقية، بشكل أكثر جدية، لأنه لا مجال للاهمال في ما يعنى بصحتنا ويمس حياة الجميع مواطنين ومقيمين بهذه البلاد الطيبة.
5ـ إعادة النظر في التعاون بين كليات العلوم الصحية التابعة لوزارة الصحة وكليات العلوم الطبية التطبيقية، وبالذات في مجال الخطط الدراسية بما يتيح لطالب العلوم الصحية اكمال دراسته بالعلوم الطبية، حيث يسهم ذلك في تطوير الكفاءات الفنية إلى كفاءات متخصصة في العلوم الطبية المساعدة أو التطبيقية، بشكل أكثر سرعة وملاءمة للجميع، وعدم تشتيت جهود كليات العلوم الطبية الجامعية في تكرار تقديم برامج دبلوم فنية صحية يمكن أن تؤديها الجهات الأخرى.
أكرر بأن الجامعات مقصرة في العناية بالتعليم الصحي المساعد، وحان الوقت لتغيير هذه النظرة والمبادرة من قبل وزارة التعليم العالي إلى تسهيل الصعوبات التي تعترض الجامعات في هذا الشأن واتخاذ الخطوات التصحيحية اللازمة التي تأخذ بيد الكليات القائمة والمستقبلية نحو النجاح والتطور، فمن غير المنطقي ألا يجد أبناؤنا وبناتنا مقاعد جامعية ووظائف جيدة، ولدينا أكثر من مائة ألف أجنبي يعملون في تخصصات يمكننا بقليل من الجهد والدعم تعليمها وتطوير قاعدتها الوطنية بهذه البلاد الطيبة.
* انظر التقرير الصحي للعام 1418هـ، الصادر عن وزارة الصحة، انظر كذلك التحليل الاقتصادي المنشور بجريدة “الرياض” بعنوان “إعداد الأطباء الحل في الابتعاث” بقلم الدكتور محمد السويد، والذي نشر في شهر نوفمبر للعام 2000م.