المجتمع المدني في زمن العولمة (2)

* موضوع العولمة ومفاهيمها موضوع واسع متعدد التفسيرات والتأويلات والاستنتاجات، لانه يمكن نسب كل ما يحدث عالمياً الى هذه المسماة العولمة، فانتقال الاموال والبضائع بين الدول، هو نتاج العولمة، وبروز القطب الاوحد يعزى الى العولمة، والتكتلات السياسية تعزى الى فعل العولمة، وغياب الحروب الكبرى يعزى الى العولمة..الخ، ولكن احد الاوجه التي تعنينا هنا، ونستكمل بها نقاش العولمة الذي طرحناه في المقال السابق (مقال الاسبوع الماضي) هو التوجه الاداري المحلي للدول، المتمثل بتخليها او تقليص ادوارها من الناحية التنفيذية والمالية في تقديم كثير من الخدمات لمواطنيها، وهو ما يعرف بحركة التخصيص الواسعة.

قادت الثورة الصناعية في بداية القرن الى التزام الدول بتقديم الخدمات للمواطن وعنايتها ببناء المدارس والمراكز الطبية والجامعات، والمراكز الاجتماعية والمواصلات والاتصالات وغيرها، ولكن في زمن العولمة والثورة التقنية والعلوماتية ومابعد الثورة الصناعية اصبح التوجه هو تخلي الدول عن تلك المهمة بالتنازل للقطاع الخاص ليقدم الخدمات نيابة عن الدولة، واكتفاء الدولة بدور المنظم والمشرع، وقد ادى ذلك من وجهة النظر الادارية الى ايجابيات كبيرة اهمها تحسين الادارة وتطوير نوعية الخدمات وكفاءتها، ولكنه في الجانب الاجتماعي، نراه يأتي على حساب العدالة الاجتماعية في المساواة في تقديم تلك الخدمات فبدلاً من ان يتساوى الجميع في فرص التعليم اصبح الغني يحصل على فرص تعليم افضل من تلك التي يحصل عليها الفقير، واصبحت المادة تلعب دورا في نوعية الخدمة الصحية التي يتلقاها الفرد.. الخ ولعل اكبر مخاطر العولمة كما نراها تتمثل في تعارضها مع بعض اوجه العدالة الاجتماعية، والمساواة التي ننشدها.. سواء بين الافراد داخل الكيان الواحد او بين الدول على مستوى العالم..

وهنا يكون التحدي الذي يجب ان يتم التركيز عليه في مواجهة سلبيات العولمة، في كيفية تمكن النظام الرسمي من القيام بكل ادوار الرقابة والتنظيم على مؤسسات القطاع الاهلي او الخاص المحلي والدولي؟ التحدي يكمن في كيفية ضمان عدم ظلم ارباب مؤسسات القطاع الخاص للمستفيد من خدماتها، او للعامل لديها؟ حيث الخشية هي ان تظلم فئة قليلة قادرة ومتمكنة الفئات الكبيرة الاخرى بسبب المطامع الاقتصادية والتجارية، بمعنى آخر يكون السؤال هو كيف تتمكن الحكومات من سد الثغرات الناتجة عن اقتصاد السوق الحر والخصخصة، وبالذات في جانبها الاجتماعي؟

برز مؤخراً مفهوم المجتمع المدني وهو مفهوم أراه مكملا او مكونا من مكونات مفهوم العولمة، بل ويمكن ان يؤدي تبنيه بشكل جيد الى تقليص الاثار السلبية للعولمة وتوحيد الاسواق، وهو ليس بالجديد من الناحية النظيرية، ولكنه اصبح مصطلحاً يتردد بشكل كبير في الاونة الاخيرة، وبدأ يدخل على استحياء ضمن سياق النقاش الثقافي العربي، ونقول باستحياء لأن هناك قصورا في فهم بعض الياته او لأن بعض مفاهيمه لاترضي بعض النخب الرسمية وبالتالي يصعب طرحه بشكل مباشر، وانما يضطر الى تقديمه بشكل فلسفي نظري يبحث في تفسيراته ومعانيه واثاره اكثر من البحث في تطبيقاته اليومية، وربما اسير على نفس المنوال بحثاً عن استكمال مثل هذا النقاش المسترسل حول مفاهيم العولمة والمجتمع المدني..

لايضاح مفهوم المجتمع المدني كما اراه، هناك حاجة الى ابرز مكوناته والتي اراها تتشكل من ثلاث حلقات تتداخل مع بعضها البعض وتساند كل منها الاخرى:ـ

الحلقة الاولى: المجتمع (الحي، القرية، القبيلة، المدينة، المنطقة..الخ) وهو عادة ما يكون ادنى تلك الحلقات فاعلية، وبالذات في النموذج الصناعي او التقني المعروف بضعف الروابط الاجتماعية، وباختلاط الثقافات وتبني مفاهيم وقوانين تقلل اهمية الفوارق العنصرية والثقافية والاجتماعية، لاجل اهداف اسمى تصب في خدمة المجتمع الاكبر مجتمع الدولة ومجتمع العالم.

الحلقة الثانية: الدول او النظام الرسمي، وفي ظل التوجهات الحديثة المشار اليها اعلاه، تحولت ادوار الدولة الحديثة من الناحية التنفيذية لتقديم الخدمة المباشرة الى الناحية التنظيمية، والتشريعية، فلا يعني اطلاق التنافس غياب الاطار القانوني والنظامي للعمل، ولا يعني السوق الحر اطلاق العنان للاحتكار والتغلب على المنافسين بطرق غير مشروعة، ولا يعني التخصيص جعل المواطن تحت رحمة اهواء القطاع الخاص، ولا يعني اهمية الكسب الاضرار بالصحة العامة وصحة المناخ والبيئة.. الخ.

الحلقة الثالثة: تتمثل في الاتحادات والجمعيات والمنظمات والنقابات الاهلية المهنية والتطوعية والمتخصصة، وهذه الجمعيات تلعب دوراً كبيراً في الدول المتقدمة في ضبط الاداء وحفظ حقوق العاملين في المهن، وفي الضغط على السياسيين والتنفيذيين في النظام الرسمي وفي القطاع الخاص نحو التجاوب مع المتطلبات التي ينشدها المواطن والعامل والمهني والمتخصص والمهتم .. الخ، واعنف ادوار تلك الاتحادات والجمعيات على المستوى العالمي رأيناه في قمة سياتل وقمة كيوبك يناهض التوجه العالمي نحو توحيد الاسواق بما يخلفه ذلك من مزيد من الفقر والاستعباد للفقراء والضعفاء، ونراه فيما تشكله جمعيات المناخ من ضغوط على الحكومات نحو الحفاظ على نقاء المناخ العالمي، وغير ذلك من الامثلة، وفي الجانب الانساني نراه في الجمعيات التطوعية والخيرية والاجتماعية التي تسهم في تحقيق بعض مبادئ التكافل والعدالة الاجتماعية.. وقوة واهمية هذه الحلقة ضمن حلقات المجتمع المدني، تجعل البعض يختصر تعريف المجتمع المدني ليكون مجرد ايجاد الجمعيات والاتحادات والنقابات الاهلية والتطوعية، التي يراها البعض تطويراً او بديلاً للمجتمع المشار اليه اعلاه..

تلك صورة المجتمع المدني التي تحفظ التوازن بين الرسمي والخاص وبين الكسب الذي ينشده التاجر والحقوق التي ينشدها المستفيد من الخدمة، وتسير العلاقة بين هذه الثلاثية المنظمة للمجتمع المدني المتقدم بصورة متناغمة، والسؤال الذي يعنينا، هل توجد تلك الصورة النموذجية للمجتمع المدني في العالم العربي؟ اجابتي ستكون بالنفي، الذي يمكن استنتاجه من خلال قراءة قوة وتنظيم الحلقات الثلاث المكونة للمجتمع المدني (ان وجد) في العالم العربي:

في الحديث عن الحلقة الاولى، حلقة المجتمع لازال المجتمع يملك قوة حقيقية ضمن تلك الحلقات في غالبية المجتمعات العربية، ويتمثل ذلك في ابهى صورة في سيطرة النظام القبلي والعشائري والمناطقي والديني على تكوينات وتوجهات المجتمعات العربية، والاعتراض ليس على الدين او الانتماء الوطني ولكن على ان يكون التعصب للقبيلة والمذهب الديني والمجتمع الصغير هو المتحكم والمسير للتوجه الاداري والاقتصادي والسياسي على حساب الكفاءة المهنية والنظرة العلمية والعملية، بشكل يعيق التنظيم، يمحو الشفافية، يكبل التطوير، ويخنق الفكر.. وحتى حينما فككت بعض المجتمعات العربية حلقة النظام القبلي بمساهمة نظام الاستعمار الذي لعب دوراً في ذلك، نجدها استبدلته بأنظمة لاتختلف كثيراً عنه سوى في المسمى والشكل الخارجي، مثل المناطقية والقومية والدينية وغيرها، بعكس مايفرضه نظام المجتمع المدني النموذج والذي يقلل ويلغي تأثير تلك القيم في العمل الاداري والتنظيمي ويستبدلها بقيم عملية مهنية..

الحلقة الثانية في المجتمع المدني حلقة النظام الرسمي وتعاني هي الاخرى في العالم العربي من الضعف حتى وان بدت ظاهراً بأنها الاقوى، وبالتالي لانجدها مستعدة وقادرة على التفاعل مع الحلقات الاخرى، وبدلاً من دعمها لتلك الحلقات نراها تسلك طريق الاحتواء لتحافظ على قوتها الظاهرة، ونقول قوة ظاهرة، لأنها احادية النظرة، وربما انانية النظرة في احيان كثيرة، عاجزة عن وضع الضوابط والنظم المتقدمة الفاعلة، وعاجزة عن استيعاب مفهوم المجتمع المدني وايجابياته، اما الحلقة الثالثة في النظام المدني فهي غائبة تقريباً في العالم العربي، وان وجدت فهي توجد بشكل صوري لايشكل اكثر من نموذج تتبناه وتسيطر عليه الحلقة الاقوى الممثلة في الدولة، بغرض الاحتواء والتلميع الخارجي لشكل النظام، وبالتالي يمكن القول بأن المجتمع المدني في العالم العربي ينقصه اهم المكونات الرئيسية الا وهو العمل الاهلي بمعناه اللغوي والعملي، وليس بمسماه التنظيمي الذي تطلقه المؤسسة الرسمية بين تارة واخرى، اضافة الى اختلال العلاقة بين الحلقات الثلاث، المجتمع، الدولة، والمؤسسات الاهلية..

المؤكد هنا ان استرسالي في مثل هذا الحديث عن العولمة والمجتمع المدني وربطهما ببعضهما البعض يعني عدم قناعتي بأن العولمة مجرد مفهوم اقتصادي كما يراها البعض، وانما مفهوم تنظيمي، سياسي، اجتماعي، اداري.. الخ وبكل اسف ربما يبعث الطرح هنا على القلق والتشاؤم ويود البعض لو يغلق هذا الباب ونعيش ليومنا وامسنا ونترك المستقبل ليدبره الخالق العالم بكل شيء، والمؤكد بشكل اكبر هو ان حديثنا عن الآخر والايحاء بتعمده بقاءنا في مؤخرة الركب لا يمكن انكاره، ولكنه يوصلنا الى قناعة مفادها انه ما حك جلدك مثل ضفرك، فمع عدم انكار اهمية الاستفادة من النموذج المتقدم وتطويعه قدر الامكان ليتواءم مع قدراتنا وما هو متوفر لنا من بنية تسمح بالاستفادة من نماذج الاخرين، الا ان الحلول لايمكن استيرادها وشراؤها جاهزة كاملة من الخارج، لأنها مهما غلا ثمنها ومهما بدت متطورة لايمكن ان تنجح دون عمل وتطبيق واع من قبلنا.. يمكن شراء الآلة ولكن لايمكن شراء السلوكيات المهنية والبنى التحتية العلمية والعملية والمعارف التقنية، لأنها ادوات لابد ان تعلم وتتعلم، تمارس وتطبق وتتطور عبر الاجيال لتنتج ثماراً ناضجة للمستقبل الذي نحلم بأن يكون المستقبل الافضل..

لا يمكن الاختباء واغلاق حدودنا الاقتصادية والفكرية وتجنب التعامل والتفاعل مع الآخر، كما انه لا يجب التركيز على الانظمام الى منظمات دولية كغاية او كهدف استراتيجي، بقدر ما هو وسيلة يجب ان تتم دراسة كيفية التفاعل والتعامل والاستفادة منها بشكل ايجابي للرهان على المستقبل المشرق، ورهان المستقبل لايكفي فيه ان تفتح الابواب العربية للشركات الاجنبية، ولايكفي فيه ان تستورد احدث الاجهزة، ولايكفي فيه انشاء اكبر عدد من الاجهزة الادارية، ولكن ستزداد القوة والمكانة حينما يتم التركيز على ايجاد العنصر البشري القادر والمؤهل على التفاعل مع كل ذلك، وحينما يتم التركيز على اعادة التخطيط والتنظيم وفق مبادىء واسس علمية وعملية تسمو على الاغراض والمنافع الفردية..

ان تطوير العنصر البشري وتطوير النظام بصفة عامة، يتطلب النظر بجدية والعمل نحو تفعيل العناصر المكونة لمثل هذا التطوير، واهمها النظم التشريعية والرقابية وتفعيل العمل الاهلي المهني والتطوعي والسعي نحو تقليص التعصبات الاجتماعية بكافة مسمياتها فالمصلحة الوطنية والنظرة العملية والعلمية المهنية يجب ان تحتل الاولوية سواء وضعت ضمن اطار مصطلح المجتمع المدني او اي مصطلح آخر..

أضف تعليق