* يعتبر الإنفاق على التعليم العام في المملكة عالياً مقارنة بكثير من الدول، ولكن الاعتقاد السائد هو أن حجم الانفاق هذا لا يقابله تقدم مواز في المستوى التعليمي وفي جودة مخرجات التعليم بصفة عامة بما فيه التعليم العام أو الأساسي، ولمناقشة هذا الموضوع ربما لا يكون كافياً مجرد إلقاء اللوم على المدرس أو على نوعية المبنى المدرسي أو حتى على الإداري بالمدرسة أو إدارة التعليم، على اعتبار المعلم ومسؤول التعليم بالمنطقة التعليمية منفذاً، ونحمله مسؤولية تنفيذ ما يوكل إليه، وتجري محاولات هنا وهناك من قبل المعنيين بموضوع التعليم وغالبيتها جهود جزئية عملت كثيراً على الأنظمة التعليمية من الداخل ولكنها تبدو عاجزة عن مشاهدة الصورة الكبيرة من الخارج، واستمراراً في طرح القضايا المتعلقة بالتعليم بمختلف أنواعه، أحاول في مقال اليوم طرح بعض الأفكار الرئيسية في إعادة رسم الهيكل العام للنظام التعليمي، لأن البناء يتطلب أولاً وضع الإطار العام أو الهيكل الخارجي قبل الانتقال إلى التقاطيع والتفاصيل الصغيرة.
إعادة ترتيب المراحل الدراسية
أعتقد أنه أصبح مسلماً به، أن الحد الأدنى للتعليم يجب ألا يقل عن المرحلة المتوسطة، وبالتالي فإن الشهادة الابتدائية لم تعد ذات أهمية من الناحية الوظيفية، وإذا ما أضفنا إلى ذلك السنة الأولى من الثانوية العامة، فإن المرحلة الابتدائية والمرحلة المتوسطة والصف الأول الثانوي، أصبحت تمثل التعليم الأساسي الذي نرى أنه يجب أن يكون اجبارياً ويمثل الحد الأدنى من التعليم، ومن هنا تأتي وجهة النظر الأساسية في تغيير مسمى المراحل التعليمية الأساسية لتصبح التعليم الأساسي أو الابتدائي والذي يشمل حتى نهاية الصف الأول الثانوي بمفهوم المراحل الحالي، والتعليم الثانوي ويشمل التعليم الثانوي المعتاد والتعليم الفني والمهني بمختلف أنواعه..
وللتوضيح أكثر أرى أن نلغي مسميات الابتدائية والمتوسطة لتسمى بمرحلة واحدة كالتعليم الأساسي أو التعليم الابتدائي وبالتالي تشمل مرحلة التعليم الابتدائي أو الأولي أو الأساسي من الصف الأول حتى التاسع، بعدها ينتقل الطالب إلى المرحلة الثانوية سواء كانت الثانوية المعتادة أو الثانوية المهنية…
يلاحظ أنني اقترحت حتى الصف التاسع بينما ذكرت في البداية أن تشمل المرحلة كذلك الصف الأول الثانوي بالمفهوم الحالي، وذلك لأن ما يحدث حالياً هو بعض التكرار ما بين المرحلة الابتدائية والمتوسطة وما بين المتوسطة والثانوية ونعتقد أنه بإلغاء التكرار والحشو ستكون التسع السنوات كافية لتقديم التعليم الأساسي أو الابتدائي، لتبقى سنوات الثانوية الثلاث أو الأربع متخصصة وكافية لتقديم برامج ذات مستويات متقدمة علمياً ومهنياً…
هذه الفكرة ليست جديدة، وسبق أن طرحت وربما قوبلت بمعارضة البعض ممن يرون أن ضم المرحلة المتوسطة والابتدائية معاً، قد لا يكون لائقاً أو مقبولاً اجتماعياً وتربوياً، بحيث لا يفضل وضع أطفال صغار السن مع طلاب كبار السن، وهنا أرى أن فكرة جعل التعليم الابتدائي مرحلة واحدة حسب التصور أعلاه، لا تعني بالضرورة أن يضم الجميع في مدرسة واحدة، ففي بعض الحالات وبالذات في المدارس المستأجرة قد لا يستوعب المبنى أكثر من أربعة فصول على سبيل المثال وهنا لا بأس أن تضم المدرسة في ذلك المبنى الصفوف الأربعة الأولى على أن تضم مدرسة أخرى الصفوف الخمسة العليا، وهكذا قد نجد في مدرسة أربعة صفوف وثانية ستة فصول وثالثة خمسة فصول وهكذا… بمعنى آخر ستكون إحدى فوائد توحيد المراحل في مرحلة واحدة، إعادة توزيع الطلاب على المدارس حسب الطاقة الاستيعابية للمدرسة وطبيعة مبناها، وتجهيزاتها المختلفة، فليس بالضرورة أن نحشر جميع طلاب الصفوف الستة الأولى (الابتدائية) في مبنى واحد قد يكون غير مثالي أو مناسب لكل أولئك الطلاب…
طبعاً تلك النظرة الاقتصادية أما التربوية والتعليمية والإدارية فتعني تقليل نسبة التسرب التعليمي بعد المرحلة الابتدائية، وتعني عدم التكرار في المناهج فيما بين المراحل وتعني توحيد سجل الطالب أو الطالبة، بدلاً من وضع سجل في المرحلة الابتدائية وسجل آخر للمرحلة المتوسطة وتعني تقليل جهود أولياء الأمور في عملية التقديم والتسجيل لكل مرحلة تعليمية، وغير ذلك من الفوائد التربوية والتعليمية التي قد يدركها المتخصصون أكثر مني..
توحيد النظم الدراسية
وكما نطالب بإعادة تسمية وترتيب نظام السنوات في التعليم الأساسي، فإن هناك مطالبة بتوحيد النظام التعليمي في التعليم الأساسي، حيث يوجد حالياً نظام تعليم البنين المعتاد، نظام تعليم البنين لمدارس تحفيظ القرآن الكريم، نظام المعاهد العلمية التابع لجامعة الإمام لتعليم البنين، نظام تعليم البنات، نظام تعليم البنات لمدارس تحفيظ القرآن الكريم، وسبق أن اقترحت توحيد تعليم البنين والبنات في وزارة واحدة يتبعها قسم تعليم البنين وقسم تعليم البنات، دون الإخلال بأية ثوابت دينية واجتماعية (انظر مقال الأم مدرسة كيف نعدها، المنشور بتاريخ 2001/3/29م) ومازلت أرى ايجابية ذلك. وأضيف بأن الحد الأدنى الذي أقترحه في مجال توحيد سياسة التعليم العام يتمثل في توحيد المنهج الرئيسي لجميع النظم التعليمية القائمة، وحينما أشير إلى الرئيسي فأعني المواد الرئيسية ولتبق المواد الإضافية سواء تلك التي تقدم في مدارس تحفيظ القرآن أو في تعليم البنات أو المعاهد العلمية، موجودة كخيار إضافي تأخذ به بعض المدارس، فكما يوجد منهج إضافي في بعض المدارس الخاصة يتمثل في اللغة الانجليزية أو الحاسب الآلي، يمكن أن تبقى المواد الدينية واللغوية والنسوية المتخصصة كمنهج إضافي تأخذ به بعض المدارس حسب طبيعة طلابها أو حسب رغبتها، فلست أرى ضرورة أن يوجد منهج للقراءة للصف الأول ابتدائي للبنين يختلف عنه للبنات ولست أرى ضرورة لأن يوجد منهج في اللغة يدرس في المعهد العلمي يختلف عن ذلك الذي يدرس في المتوسطة العادية أو عن ذلك الذي يدرس في مدرسة البنات أو في مدرسة تحفيظ القرآن..
ولإيضاح الفكرة أرانا بحاجة إلى فهم طبيعة تطور التعليم الأساسي في المملكة، حيث كانت هناك متطلبات مرحلية لهذا التنوع في جهات الإشراف والتنويع في التعليم الأساسي، فعلى سبيل المثال كانت هناك انتقادات بأن التعليم العام باتخاذه الطرق الحديثة في التعليم والتربية سيكون على حساب التعليم الديني واللغوي، وكان من الحكمة عدم إلغاء المعاهد العلمية لتبقى علامة اطمئنان لمن شكك في توجهات التعليم العام، كما أنه كانت هناك مقاومة لتعليم الفتاة وبالتالي كان منطقياً وضع إدارة مستقلة لتعليم الفتاة يشرف عليها بعض شيوخنا الأفاضل، أما وقد أثبت التعليم العام بأنه لن يكون مضاداً لثوابتنا وقيمنا الدينية، وأثبت بأنه لن يأتي على حساب هويتنا الدينية والاجتماعية، فإن الوضع يتطلب إعادة النظر والأخذ بسبل الإدارة والتنظيم الحديثة التي تتطلب توحيد جهة الإشراف وإلغاء الازدواجية والتكرار، مع التأكيد الدائم بأن الحديث هنا عن الهيكل العام والتوجه الإداري والمنهج الأساسي وليس عن التفريط بالثوابت الدينية التي تسير عليها هذه البلاد وأهمها فصل تعليم البنين عن البنات والعناية بالتعليم الديني واللغوي في كافة مراحل التعليم وأنواعه.. إلا إذا كنا نرى بأن التعليم العام فرط أو يفرط في الأساسيات والثوابت الدينية واللغوية، فهذا موضوع آخر..!
وربما يقول قائل: ولكن بعض الدول وحتى المتقدمة منها يوجد بها نظام تعليمي عام ونظام تعليمي ديني، فلماذا تريد توحيد النظام التعليمي الأساسي لدينا؟
للإجابة على ذلك يجب أيضاً فهم: أولاً، طبيعة الأديان، وثانياً، طبيعة النظم السياسية والاجتماعية بتلك الدول، فتطبيق الدين المسيحي على سبيل المثال في الدول العربية يعتبر اختياراً واعتقاداً وليس منهاج حياة يومية يمثل التشريع والنظام السياسي بها، كما هو الإسلام لدينا، كما ان تلك الدول تعمل وفق نظم علمانية تفصل الدين عن النظام والممارسة اليومية، وبالتالي فمن الطبيعي أن يكون التعليم العام علمانياً ويسمح لمن رغب بالتوجه إلى المدارس ذات الصبغة الدينية كالمدارس الكاثوليكية أو الإسلامية. وطبيعي أن يكون هناك نظام عام ونظام بمسميات دينية، كما أن بعض الدول يوجد بها عدد من الأديان وبالتالي فالتعليم العام لا يمكنه إجبار الجميع على منهاج واحد وإنما تترك الخيارات وتتعدد المدارس بناء على الخلفية العقائدية، أما في المملكة ولله الحمد، فلدينا نظام إسلامي واحد منه تستمد النظم وعلى ضوئه تسير تعاملاتنا اليومية والتنظيمية، وبالتالي فإن أي تعليم لدينا يجب أن يستمد مبادئه كذلك من هذا الدين سواء كان تعليماً عاماً، تعليم بنات، تعليم أولاد…. الخ وعليه فلماذا تتعدد برامجنا التعليمية الأساسية ويصور لمن يسمع عن أنظمتنا ولا يعرف محتواها بأن هناك نظاماً تعليمياً دينياً ونظاماً تعليمياً آخر علمانياً..؟!
يجب أن توحد الجهود وتوحد الاستراتيجية في التعليم الأساسي ويكثف التنوع والتنويع في المراحل التعليمية المتقدمة كالثانوية أو الجامعية، لأنها مجال تخصص ومهن والمنافسة فيها ستكون ذات فائدة كبيرة.. عندما يصبح التعليم الأساسي أو الحد الأدنى من التعليم موحداً ويصبح المنهاج موحداً تصبح الجهود موحدة ويصبح التطوير شاملاً ويصبح التدريب أكثر سهولة ويصبح الترشيد الاقتصادي أكثر جدوى، ويصبح التقييم موحداً… الخ.
وأخيراً، لا أنسى بأن هناك أكثر من مئة وخمسين ألف عامل في المجال التعليمي واضعاف ذلك الرقم من المهتمين بهذا المجال، فهل يشاركنا البعض الرأي، حتى تغدو الأفكار المطروحة ذات جدوى وقيمة، لأنه بدون المشاركة والنقاش تصبح الأفكار مجرد خواطر عابرة، تموت دون أن يقتنصها أحد ودون أن تتبلور إلى منهاج عمل إيجابي..
سأواصل الطرح في مواضيع تعليمية في مقالات أخرى قادمة إن شاء الله.