عن التعليم: أفكار في تطوير المنهج

* يتفق الكثيرون على ضرورة تحديث المناهج الدراسية في التعليم الأساسي كإحدى الخطوات الرئيسية لتطوير التعليم العام، إن لم تكن الخطوة الرئيسية الأولي، ويرى البعض ضعف المناهج سبباً في تدني المخرجات النوعية للتعليم بجانب العوامل الأخرى مثل المدرسة والمعلم والإدارة، واستكمالاً لطرح سابق رأيت فيه بضرورة توحيد المناهج والنظم الأساسية في تعليم البنات والبنين والمعاهد العلمية ومدارس تحفيظ القرآن الكريم، أواصل طرحي هنا بالتطرق لبعض صعوبات تطوير المناهج وبعض الأفكار لتطوير المنهج، وكعادتي في الطرح لا أكتفي بمجرد النقد ولكن أنطلق إلى تقديم رؤية في طريقة التغيير، لست أدعي دائماً بأنها فريدة ولكنني أراها تستحق الدراسة والنظر في امكانية تطبيقها،وبالذات في زمن نقف فيه على مفترق طرق، فإما نسارع في تبني سبل التطوير اللازمة، وإما أن نرضى بما نحن فيه في الوقت الذي يسير فيه الآخرون للأمام.

هناك اجتهاد من قبل المعنيين بالتعليم والتربية في بلادنا على تطوير المناهج سواء في تعليم البنين أو تعليم البنات، بدليل تعدد اللجان والإدارات المشكلة لهذا الغرض، ولكن التجديد والتطوير الحاصل في بعض المقررات هو دون الطموح والأمل الذي ننشده، ويمكن القول بأن أبرز تطوير حدث في السنوات الماضية هو ما تم في العلوم والرياضيات وإخراج ما تعارف عليه بالرياضيات والعلوم الحديثة (لست أدري هل لازالت حديثة) وعليه يحضرني السؤال لماذا تمكنا من إحداث ذلك التطوير الممتاز في وقته في الرياضيات والعلوم ولم نتمكن من إحداث تطوير مماثل في المقررات الأخرى؟

بلا شك أن بعضكم بدأ يخمن الإجابة، وهي ستكون إما لأن هناك عوائق في تطوير المقررات الأخرى لم تكن متمثلة في تطوير العلوم والرياضيات، وإما لأننا استوردنا تلك المناهج من الخارج ولم نستطع تطوير المناهج التي يفترض تطويرها محلياً..

وليكن هذا الاستنتاج صحيحاً، بما يحويه من النقد الذاتي، الذي يجب تقبله بشجاعة… فكيف يمكن الانطلاق من هنا نحو تطوير المناهج؟

تطوير المناهج يتطلب الابداع والتخصص التربوي، حيث التأليف يعتبر عملية ابداعية تتطلب الموهبة ولا يمكن تدريسها حتى عن طريق الشهادات العليا، وما يحدث في تطوير مناهجنا هو إيكال عملية التطوير إلى لجنة أو لجان متخصصة في المجال التربوي ولكنها ليست بالضرورة تملك الإبداع وملكة التأليف، هي لجنة قد تكون متميزة في تخصصها ويمكنها العمل على المادة المؤلفة بحيث تتم إحالتها إلى درس تعليمي، من ناحية وضع الأسئلة والشرح عليها حسب المفاهيم التربوية المتعارف عليها، ويمكنها من رسم هيكل عام للمنهج بحيث يضمن عدم التكرار فيما بين المراحل ومراعاة عوامل النمو والتدرج في المنهج.. الخ، ونتيجة لهذا المفهوم فالتطوير الذي يتم ادعاؤه في مجال المناهج،لا يعدو أكثر من تجميل وتغيير في الشكل الخارجي للمقرر الأساسي المعتمد منذ عقود خلت، وإن كان هذا ما تسعى إليه قطاعاتنا التعليمية المختلفة، فإنه يطرح الإشكالية الأولى في تطوير المناهج لدينا، ألا وهي إشكالية تعريف التطوير المراد للمناهج، وتحديد الآلية المطلوبة لإحداث التطوير هل المطلوب هو استحداث مادة علمية جديدة وتقديم مادة علمية بصياغة جديدة، كما حدث في مجال تطوير العلوم والرياضيات، أم أن المطلوب فقط تجميل ما هو موجود بما يحويه من نواقص وملاحظات؟!

يبدو أن إيكال التطوير بكامله إلى لجان تتبع القطاع التعليمي بتبعاته البيروقراطية، ليس الطريق الأمثل، لاقتناص الابداعات التطويرية الممكنة للمناهج، وعليه فإن التطوير يفترض أن يكون عملية مفتوحة ومتاحة للجميع ممن لديهم القدرة والموهبة و رغبة الإسهام فيها، ليتحول دور لجنة تطوير المناهج من التأليف والتطوير إلى مراجعة واقرار واختيار المناهج، فقد يكون لدى معلم في مدرسة نائية في قرية صغيرة القدرة على وضع منهج حديث للغة العربية للصف الرابع الابتدائي، فكيف يستفاد من موهبة ذلك المعلم؟

هذا السؤال يقودني إلى رؤية أخرى في تحديد المنهج الدراسي، تأخذ بها بعض الدول المتقدمة، ألا وهي تحديد الإطار العام للمنهج وترك التفاصيل التنفيذية للمدرسة والمدرس والمؤلفين والمبدعين، فعلى سبيل المثال: المنهج الذي يفترض أن تضعه الجهة التعليمية (وزارة المعارف) للقراءة للصف الثالث ابتدائي قد لا يتجاوز صفحة أو صفحتين، تحدد الأهداف المطلوب تحقيقها في ذلك المنهج، كأن يكون الهدف المعرفي اتقان الطالب قراءة قطعة كاملة بالضبط والتشكيل، والهدف السلوكي أن يتمكن الطالب من القراءة أمام زملائه والاجابة عن أسئلتهم حول المادة المقروءة.. الخ، وتحدد المهام العامة للمعلم، وكذا الدور المطلوب من الأسرة، وطريقة التقويم.. الخ ويترك للمدرسة أو المعلم اختيار الطريقة المناسبة لتنفيذ تلك الأهداف .. بمعنى آخر وضع الخطط العريضة للمنهج أو ما يعرف بـ(السلبس) syllabus وترك التفاصيل للمعلم ليقوم باختيار المرجع المناسب لتحقيقها.. في الدين مثلاً يمكن أن يكون الهدف المعرفي هو معرفة اركان الإيمان وأركان الإسلام ومبادئ الصلاة، وآداب الحديث والهدف السلوكي تطبيق الصلاة بشكل فردي وجماعي، وتطبيق آداب الحديث فيما بين التلاميذ، ويبقى دور المعلم في اختيار أو صياغة نهج يسهم في تنفيذ هذه الأهداف.

سيرى البعض أن هناك إشكالية في نوعية المراجع التي يستعين بها المعلم، وصعوبة توفيرها وعدم كفاءة المعلم في الاختيار أو التأليف.. وهنا استكمل فكرة جعل تطوير المنهج عملية مفتوحة، بإتاحة المجال لمن رغب في تأليف أو تطوير منهج ما، سواء على مستوى المدارس أو الأفراد ليتقدم به إليها ويتم اقراره وتصنيفه من حيث الأهمية إلى أولية وثانوية، وتقدير ما بذل فيه من جهد، وبالتالي يضاف أي منهج يتم إقراره بناء على معايير ميسرة وبما يتوافق مع الأهداف الأساسية الموضوعة سلفاً للمنهج، إلى مصادر التعليم التي تصبح بعد ذلك متاحة للمعلمين للاستعانة بها، ومع تكرار التجربة وتعمقها سنحصل أولاً على ابداعات كثيرة، وخيارات متعددة وثانياً سيصبح لدى المعلم القدرة على الاختيار والتمييز بين ما يناسبه وما لا يناسبه ويناسب طلابه، بل إن ذلك سيقلل بشكل كبير عملية التلقين والحفظ الحالية، لأنه لن تصبح هناك ضرورة لأن يحفظ الجميع نصاً موحداً، بل المهم هو تحقيق الهدف أو الأهداف النهائية، بطريقة يشجع فيها المعلم، بضم الياء، على الإبداع في ترتيب المنهج واختيار المحتوى وطريقة تنفيذه ، ومع الزمن ستصبح هناك مراجع قيمة يقتنع بها الغالبية، والأهم من ذلك نحن سنتيح فرصة للتنافس فيما بين المدارس وبالذات الأهلية والمعلمين والمهتمين في تطوير المناهج، ولتبقى المناهج الحالية مناهج مرجعية يستعان بها لمن أراد ، وبالذات في المرحلة الانتقالية ، هذا النوع من المنهج وفي المواد التي لم أو يصعب تطوير تطور لها مناهج بديلة.. وكعادة وزارة المعارف في تطبيق التجارب قبل التعميم يمكن أن تتم تجربة هذا التوجه في احدى المراحل الدراسية، ليتم تطويرها وتفعيلها بشكل مناسب.

* * *

القضيةالأخرى التي يعتبرها البعض حساسة في تطوير المنهج، ويخشى الخوض فيها لدواع نقدرها جميعاً، هي الإحساس بوجود مقاومة اجتماعية لمثل ذلك التغيير من قبل بعض فئات المجتمع..

لست ألوم القائمين على أمر تطوير المناهج، في هذا الشأن وكذا لست ألوم معارضي التطوير في بعض المناهج وبالذات الدينية، لأنه توجد بعض قناعات وترسبات لدى البعض تخشى أن يكون بحث تطوير المناهج على حساب ثوابت دينية واجتماعية يرفض المساس بها، كما قال أحد المعلمين في نقاش دار بيننا حول هذا الموضوع، وهذا يعود بنا إلى لجنة تطوير المناهج، وربما اقتراح بأن يكون من ضمن اعضائها أشخاص من خارج المجال التعليمي وتحديداً يمكن أن يكون من ضمن أعضائها بعض العلماء أو المثقفين ذوي الخبرة والاهتمام تختارهم الرئاسة العامة للدعوة والافتاء والإرشاد، أو يختارهم مجلس الشورى.. أو أية جهة أخرى، ليس للتقليل من جهود التربويين المتخصصين ولكن لتعزيز الثقة في القائمين على أمر التغيير والتطوير وازاحة القلق الذي يعتريهم من اتهام الآخر لهم بالتقصير أو محاولة الاعتداء على ثوابت دينية واجتماعية بذاتها، فالعالم قد يعارض تقليل مواد الدين (القرآن، الفقه، التوحيد، الحديث، التفسير، التجويد…) بحجة أن ذلك يعني تقليصاً أو تراجعاً عن العناية بالتعليم الشرعي، بينما لو نوقش الموضوع بأبعاده التربوية والتطويرية كافة ، وقدم منهج تربوي حديث يشارك فيه العالم ويعيد صياغة المنهج الديني في مواد شاملة وأقل عدداً، لربما تمكنا من الخروج بصيغة حديثة تتوافق مع الأساليب التربوية والتعليمية الحديثة دون الاخلال بتعليم الثوابت الدينية والاجتماعية الرئيسية…

تلك نقاط أردت منها التوضيح والمؤكد هو اننا بحاجة إلى جرأة في التغيير تتجاوز مجرد إعادة الشكل للمنهج، وتتجاوز مجرد إضافة مقررات جديدة، إلى وضع مناهج تقدم التعلم على التعليم، بحيث يكون الهدف النهائي هو ايجاد جيل قادر على التعليم ومواكبة تطورات العصر، وليس جيلاً ينتظر التعليم والتلقين كما هو حاصل الآن.

إنني أراها مسؤولية القائمين على التعليم وتحديث المناهج بالوضوح في هذا الشأن ، وطرح الإشكاليات التي تعتري تطوير المنهج بصراحة وشفافية أمام الجميع، والبعد عن المبالغة في استخدام البعد الاجتماعي ورد الفعل الاجتماعي كمبرر يعيق تطوير المناهج وتحويله إلى بعبع يتذمر منه الجميع، وبالذات في ظل عدم قياس رد الفعل الاجتماعي والاعتماد على انطباعات، وربما أوهام نكبل بها خطواتنا ونعلق عليها شماعات الفشل المتكررة.

أخيراً أطالب كالمعتاد بعدم وضع كل فكرة جديدة أو رؤية متخصصة على حبل المشنقة، وكيل التهم لصاحبها لمجرد مخالفتها للمألوف، فكل فكرة يجب أن تكون صالحة طالما لم يثبت مخالفتها لآداب الحوار المتعارف عليها.

أضف تعليق