* جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، لا شك جامعة متميزة، وتشكل علامة مضيئة في التعليم التقني ببلادنا، ولكن هذا التميز له أسبابه، التي لابد من مناقشتها، وكذلك له سلبياته التي لابد من السؤال عنها..
من أول أسباب تميز جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، هو اعتمادها في بنائها الأساسي على الشراكة الأكاديمية والتقنية مع جامعات أمريكية متميزة، وهي شراكة جعلت الجامعة تتبنى أحدث النظم الإدارية والأكاديمية وتضع معاييرها النوعية مقارعة بمعايير الجامعات الأمريكية، وعلى هذا الأساس سلمت من كثير من الاجتهادات الإدارية الفردية التي عانت منها كثير من الجامعات الأخرى، أما السبب الثاني في التميز هو الشراكة والدعم الذي وفرته الشركات الكبرى وعلى رأسها شركة أرامكو لهذه الجامعة، منذ بداية تأسيسها حتى اليوم، السبب الثالث بلا شك يكمن في الاستثناء التي تحظى به هذه الجامعة ويوفر لها هامشاً أكبر من استقلالية القرار مقارنة بالجامعات السعودية الأخرى، ولنوضح الاستثناء المقصود نذكر من أمثلته الظاهرة (1) عدم تقليص رواتب أعضاء هيئة التدريس الأجانب بهذه الجامعة واتاحة الفرصة لها بالتعاقد مع أفضل الكفاءات الأمريكية والأوروبية والكندية بينما بقية الجامعات قلصت رواتب أعضاء هيئة التدريس بها بحيث لم يعد بامكانها التعاقد سوى مع كفاءات من دول، مع تقديرنا لها ولأهلها، عربية أو آسيوية لا تملك ناصية التقدم العلمي والتقني بشكل مماثل لتلك الكفاءات التي يتم استقطابها من الجامعات الغربية؛ (2) في عدم الضغط على جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالتوسع في زيادة أعداد القبول أو في الأقسام كما حدث بالنسبة للجامعات الأخرى: (3) استثناؤها من القرار السامي بتحويل نظام الدراسة بالجامعات من نظام الساعات إلى نظام السنوات؛ (4) في عدم الغاء سكن الطلاب أسوة بما حدث في الجامعات الأخرى؛ (5) في ضمان الجامعة للسكن المناسب شبه المجاني لأعضاء هيئة التدريس غير المطالبين حتى بدفع فواتير الخدمات، بعكس الجامعات الأخرى التي ألغت أو فصلت أو لم يوجد بها اسكان أعضاء هيئة تدريس أو طلاب؛ (6) في ارتفاع نسبة أعضاء الكادر التدريسي والإداري والفني نسبة إلى الطلاب بجامعة الملك فهد مقارنة بالجامعات السعودية الأخرى…
جامعة الملك فهد للبترول والمعادن تم انشاؤها قبل 38عاماً تقريباً، وعدد طلابها الحالي 7000(سبعة آلاف) طالب فقط، يدرسون في 6كليات فقط، ويوجد بها أكبر عدد من الكراسي العلمية المدعومة عن طريق القطاع الخاص مقارنة بالجامعات السعودية السبع الأخرى، كما تتميز بأنها أكبر جامعة لديها موارد ذاتية مقارنة أيضاً بالجامعات السعودية السبع الأخرى، وبالتالي فيمكن أن يطلق على جامعةالملك فهد للبترول والمعادن بأنها كلية تقنية كبيرة، قياساً بما هو موجود في جامعاتنا الأخرى…
هل هذه ميزات تستحق أن نصفق لها؟
القضية ليست قضية ميزات أو استثناءات تحظى بها جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، ولكن القضية هي هل صاحب ذلك التميز وصاحب تلك الاستثناءات استجابة مماثلة من قبل الجامعة للمتطلبات التنموية الوطنية الملحة في تعليمنا العالي الراهن؟
لماذا لا تتجاوب جامعة الملك فهد للبترول والمعادن مثلها مثل بقية الجامعة السعودية في زيادة المقاعد الدراسية الجامعية لأبنائنا؟
لماذا لم تساهم جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في التوسع في التعليم الجامعي للفتيات، أو لماذا لم تقدم التعليم الجامعي للفتيات؟
لماذا لا تتوسع جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في التخصصات التي تقوم بتدريسها بما تتطلبه مراحل التنمية المحلية، وتحديداً لماذا لا تتوسع الجامعة بامكاناتها الهائلة في تقديم التعليم الطبي والصحي والعلمي، الذي بلادنا بحاجة ماسة إليه؟
وقبل أن تأخذكم الدهشة، أو تغضبوا لأنني أتعرض لواحدة من أفضل جامعات المنطقة في التخصصات الهندسية، أكرر بأنني مع كل جامعاتنا وأتمنى أن تزاد مواردها وأن ترتقي بمستوياتها لتضاهي أفضل الجامعات العالمية، ولكن لماذا لا يمتد تميز هذه الجامعة إلى تخصصات أخرى غير التخصصات الهندسية؟ ولماذا لا يتمد لتستفيد منه فتيات هذا البلد، الذي لم يبخل على جامعة الملك فهد وسواها من الجامعات؟
إن الحديث عن جامعة الملك فهد للبترول والمعادن وما تحظى به من مميزات أو استثناءات يلفت الانتباه إلى النقاط التالية:
أولاً ـ استثناء جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وهي جامعة حكومية وليست خاصة، بهذا الشكل فيه إخلال بتساوى المعاملة الإدارية بين الجامعات، وقناعتي التي أكررها دائما هي أن العدالة في معاملة القطاعات الحكومية المتماثلة في الوظيفة والأداء واجبة، ولن أطالب بحرمان جامعة الملك فهد للبترول والمعادن من امتيازاتها ولكن أجده بالرغم من كون عمر هذه الجامعة يقارب 38عاما فإن أعداد طلابها حوالي سبعة آلاف طالب فقط، لهو رقم مخجل مقارنة بجامعات سعودية أنشئت بعد جامعة الملك فهد… فعلى سبيل المثال جارتها جامعة الملك فيصل (عمرها 25عاما فقط) ورغم ذلك فلديها ثماني كليات وعدد طلابها حوالي اثني عشر ألف طالب وطالبة وتدبر مستشفى عاماً وآخر بيطرياً وتقدم التعليم للبنات ورغم ذلك فمواردها تقل عن جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وجامعة الملك خالد لم يتجاوز عمرها سنوات عديدة ومع ذلك فعدد طلابها وطالباتها يفوق العشرة آلاف وميزانيتها تقل عن ميزانية جامعة الملك فهد وهي التي تقوم بتقديم التعليم والخدمة الطبية المكلفة كما هو معلوم بشكل كبير وما زالت تمر بمرحلة إنشاء وتأسيس..
ثانياً ـ هذا الاستثناء أو غض الطرف عن جامعة الملك فهد للبترول والمعادن جعلها مقصرة في التجاوب مع بعض الاحتياجات الوطنية والتنموية، فجامعة بهذا العمر وبهذه الامكانيات لا يجب أن تبقى متفرجة أمام زيادة أعداد الطلاب، ولا يجب أن تتخلى عن تعليم التخصصات التي بلادنا بحاحة إليها مثل التخصصات الطبية، ولا يجب أن تعيش في القرن الماضي من ناحية تعاملها مع الطالبات وعدم التوسع في تعليم الفتيات..
ثالثاً ـ مثل هذه الاستثناءات لهذه الجامعة تبعث على التساؤل حول مصداقية توحيد اللوائح والقرارات المتعلقة بالتعليم العالى، ترى هل هناك استثناء من نوع آخر لجامعات أخرى؟
رابعاً ـ مثل هذه الاستثناءات أو التميز الذي يتم توفيره لجامعة دون الأخرى وبالذات في النواحي المالية مقابل الانتاجية وتحقيق المتطلبات التنموية، يجعلنا نكرر السؤال عن معيارية توزيع موارد التعليم العالي، وهل تعتمد على أسس علمية وموضوعية تكفل العدالة فيما بين مؤسسات التعليم العالي، أم على ماذا تعتمد؟
أرجو أن لا ينظر إلى هذا الموضوع على كونه تقليل كفاءة أداء ومخرجات جامعة الملك فهد للبترول والمعادن أو إقلالاً من شأن خريجيها ومنسوبيها، فنحن امام متطلبات وطنية وتنموية تتجاوز مجرد المفاضلة بين جامعة واخرى، الى البحث عن مقاعد تعليمية جامعية لابناء وبنات هذا البلد، والبحث عن سد احتياجات بلادنا في تخصصات نحن بأمس الحاجة إليها كالتخصصات الطبية والعلمية، والبحث كذلك عن مقاييس علمية وموضوعية إداريا ومالياً وإجتماعياً في تقييم ومحاسبة ومعاملة مؤسسات التعليم الجامعي لدينا، وهي المؤسسات التي نحسبها رائدة في خلق الابداعات وتهيئة الكفاءات الوطنية التي تسهم باذن الله في تطوير وتنمية هذه البلاد الطاهرة، حفظها الله وأهلها من كل مكروه…
* *
في سؤال لأحد مسؤولي جامعة الملك فهد للبترول والمعادن عن أسباب عدم فتح أقسام للطالبات كانت الإجابة: “فتح قسم للمرأة في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن غير ممكن في الوقت الحاضر لعدم توافر التجهيزات والكفاءات البشرية التي تمكن من تقديم الخدمة التعليمية للمرأة بنفس المستوى الذي تقدم فيه للرجل لذا لن تتخذ الجامعة أي قرار فيه مساس بمستوى الأداء التعليمي”.
الأسئلة هنا: هل توفرت الامكانات لجامعة الملك خالد لافتتاح كليات جديدة مثل كلية طب جازان وهي لم تتجاوز من العمر بعد ثلاث سنوات؟ هل توفرت الامكانات لجامعة الملك عبدالعزيز لافتتاح كلية طب بالمدينة المنورة وهي لم تتمكن حتى حينه من تشغيل المستشفى الجامعي بجدة بشكل كامل؟ هل توفرت الامكانات لجامعة الملك فيصل لافتتاح كلية علوم طبية وكلية طب أسنان، وهي التي ما زالت لا تملك المستشفى الجامعي الخاص بها؟ هي يعني دفع تلك الجامعات إلى افتتاح كليات جديدة، أنها جامعات لا تحرص على مستوى التعليم الجامعي ببلادنا؟ وهل هي تقدم تعليماً جامعياً للفتيات يقل جودة عن ما يقدم للرجال؟
أسئلة أترك الإجابة عليها للمعنيين بالتعليم العالي وبتنمية الكوادر الوطنية ببلادنا، ولكم أنتم أيها القراء، مع تقديري للأعزاء بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن..