* عقب نهاية مباراة الاتحاد والنصر على كأس خادم الحرمين الشريفين، توجهت جماهير الاتحاد في موكب حاشد باتجاه مقر نادي الاتحاد بغرض المشاركة في فرحة الفوز بالحصول على الكأس الغالية، وكعادة حشودنا المرورية، فهي لا تخلو من الحوادث والمخالفات وهذه المرة تعرض طالب كلية الهندسة الشاب فؤاد، لحادث مروري أدى إلى نقله من قبل زملائه وهو فاقد الوعي إلى مستشفى الدكتور فقيه، كأقرب مستشفى لموقع الحادث، وبعد استقبال المريض قرر طبيب الطوارئ ضرورة ادخاله إلى قسم العناقة الفائقة أو المركزة، لاستكمال الفحوصات وتقديم العلاج، ولكن هناك شرط يسبق ذلك الاجراء ألا وهو ضرورة دفع مبلغ أربعة آلاف ريال كدفعة أولى تحت الحساب، ورغم توسلات زملاء فؤاد لاستثنائه من ذلك المبلغ لصعوبة توفيره من قبلهم فإن الرفض ظل قائماً، لأن الطبيب الأجنبي لديه تعليمات محددة، لا يستطيع تجاوزها والموظف الإداري لا يعترف بتوجيهات مقام وزارة الصحة التي تطالب المستشفيات الخاصة باستقبال الحالات الطارئة.
طبعاً النتيجة هي نقل فؤاد وهو بين إغماءة وإفاقة من قبل زملائه الثلاثة في سيارة أحدهم (الكورولا) حيث رفض المستشفى توفير اسعاف لنقل المريض إلى مستشفى حكومي، وكانت صدمتهم الأخرى حينما استقبلهم طبيب المستشفى الجامعي بالتهديد والوعيد لهم بتحمل المسؤولية في نقل المريض بتلك الطريقة وبأنه لا يضمن توفير سرير بالعناية المركزة، وفي ظل الوضع القلق ذلك حضر قريب فؤاد صاحب المعارف الواسعة وأنهى اجراءات دخوله للعناية المركزة.
لن أكمل التفاصيل لتلك القصة الحقيقية التي أوردتها باسم صاحبها الحقيقي ولا أريد المسارعة في توجيه الاتهام قبل توجيه الأسئلة:
ترى من يتحمل المضاعفات الخطيرة التي تعرض لها فؤاد؟ هل يتحملها زملاؤه الذين نقلوه للمستشفى ولم يتمكنوا من توفير المبلغ المطلوب؟ هل يتحملها طبيب مستشفى الدكتور فقيه؟ هل يتحملها الهلال الأحمر بغيابه عن موقع الحادث وغيابه عن نقل المريض من مستشفى إلى آخر؟ هل تتحملها وزارة الصحة التي تماطل في تعويض المستشفيات الخاصة عن مستحقاتهم المالية جراء استقبال مرضى الحوادث؟ هل يتحملها مالك ومدير مستشفى الدكتور فقيه؟ هل تكون الاجابة بتحميل الجميع المسؤولية ونطلب منهم التسامح على طريقة حوادث المرور وكما حدث في موضوع حادث فؤاد في جانبه المروري؟
لنفترض أن فؤاد وأسرته قرروا تحمل المتاعب التي ستنتج عن رفع القضية إلى مقام وزارة الصحة وطالبوا برد الاعتبار لما حدث لذلك الشاب المسكين، فؤاد، كيف سيكون سيناريو القصة المتوقع؟
في أفضل الحالات و في حال تعاطف موظفي الصحة معه وفي حالة وجود بعض ما يثبت حالته سيتم احالة القضية إلى اللجنة الشرعية الطبية، وعلى افتراض نجاح القضية بعد أشهر أو سنوات من المداولات، يظهر تقرير يدين الطبيب الأجنبي ويغرمه الف ريال ويسفره إلى بلاده، أما وزارة الصحة فصلتها بالقضية تعتبر منتهية منذ اللحظة التي تحال فيها إلى اللجنة الشرعية.
لا تقلقوا فلست أبحث عن رفع قضية باسم فؤاد وهو كذلك لا ينوي فعل ذلك وليس يخطر بباله كذلك البحث عن رد اعتبار وتعويض عن ما لحق به من ضرر، فذلك حلم لا يقوى عليه، ولكنني أناقش القصة من المنطلقات التالية:
أولاً: لأن الوضع ببساطة لا يخص فؤاد فقط، فهناك العشرات بل والمئات من القصص المشابهة تحدث يومياً في مستشفياتنا، وليس لها سوى الاحتساب في الأجر إن شاء الله.
ثانياً: لأن الهدف هنا هو مناقشة قضية الخطأ الطبي وكثرته محلياً، حتى وإن أنكر بعض المعنيين هذه الكثرة، وأستطيع الجزم بأن أكثر من ثلثي الأخطاء الطبية الحاصلة بالمملكة سببها، ليس فردياً بل ان سببها هو النظام الصحي ذاته، ففي قضية فؤاد لو تتبعنا خيوطها لوجدنا أن السبب الرئىسي هو عدم وجود النظام وعدم وضوح النظام لو افترضنا وجوده، وعدم وضوح آليات تطبيقه، وعدم القدرة على تطبيق النظام، وهذا يكفي سبباً إلى عموم الفوضى ضمن النظام الصحي وبين مختلف قطاعاته ودوائره.
هناك عدة ملاحظات جوهرية تتعلق في كيفية تعامل النظام الصحي لدينا مع الخطأ الطبي، وهي كيفية أصبحت راسخة متكررة مع تكرر الإدارات الطبية المختلفة، وأسجلها في النقاط التالية:
الملاحظة الأولى: تكمن في تفسير الخطأ الطبي ومعاقبة مصدر الخطأ وفي مرجعية الجهة المعنية بمراجعة الخطأ الطبي، فالخطأ الطبي ينظر له لدينا على أنه حالة فردية يتم ارتكابها من قبل الطبيب وهذا صحيح في بعض الحالات ولكن ليس في أغلبها فعلى مستوى القطاع الواحد هناك مشاركون للطبيب في الخطأ سواء في المجال الإداري أو الفني فعلى سبيل المثال لو افترضنا خطأ مستشفى سليمان فقيه في حالة فؤاد، فهل الطبيب هو المخطئ الرئىسي أم أن الإدارة تتحمل وتشارك في الخطأ؟ هل من العدل محاسبة الطبيب دون الإداري صاحب التعليمات التي تجعل المكسب المالي على حساب المبدأ الإنساني للعملية الطبية؟ على مستوى النظام الصحي بصفة عامة، هل من العدل محاسبة الطبيب على عدم وضوح النظام وعدم وجود آلية فعالة لتكامل العمل بين القطاعات الصحية المختلفة؟!
تصوروا السيناريو التالي: طبيب مستشفى سليمان فقيه يحتج بأن لديه تعليمات من إدارته ليس بامكانه تجاوزها وبالتالي فالخطأ مرفوع عنه، إدارة مستشفى فقيه تحتج بأنه ليس لديها الاستعداد لتقديم أعمال خيرية على حساب المكسب وقبول حالات مجانية، الهلال الأحمر سينفي دوره في نقل المريض من مستشفى إلى آخر، وزارة الصحة ستقول بأنها بعثت تعميماً للقطاع الصحي الخاص باستقبال حالات الطوارئ يعود مستشفى فقيه ليقول بأن الصحة لم تقم بتسديد تكاليف استقبال مرضى الطوارئ حسب النظام، وزارة الصحة تعود لتلقي باللائمة على شح البنود المالية.. الخ وهكذا سترون أن للقضية وجوهاً مختلفة وتتحمل مسؤوليتها أطراف عدة، وأبسط تلخيص هو النظام، نعم وغياب النظام أو التنظيم الفاعل هو السبب، فمن يا ترى المسؤول عن وضع هذا النظام وتطبيقه؟!
الملاحظة الثانية: في التعامل مع الخطأ الطبي لدينا هو في عدم استخدامه ضمن معطيات التطوير للأنظمة الصحية، وفصله عن قواعد المعلومات التطويرية، فتجد اللجنة المعنية تتولى انهاء القضية وتصدر التوصيات أو العقوبات ثم يحفظ الملف في الأرشيف بدلاً من دراسة كل قضية بشكل منفرد وادخالها ضمن دوائر صنع القرار الإداري والفني لمعرفة الثغرات التنظيمية والنظامية والتنفيذية في النظام الصحي التي أدت إلى مثل ذلك الخطأ، ومن هنا نجد التجريب والتخبط دون الاستفادة من تجاربنا السابقة، وهذا مغاير لما يحدث في بعض الدول المتقدمة التي قد نجد بعض الحالات وأحياناً حالة فريدة واحدة تؤدي إلى استصدار تشريع أو قانون أو تغيير تنظيمي كبير.
الملاحظة الثالثة: في التعامل مع الخطأ الطبي هو ضعف ثقة المريض بوجود من هو قادر على انصافه في حالة حدوث الخطأ، وبالتالي تخليه عن مراجعة أحد حقوقه التي كفلها له النظام، وأبرز الأسباب لذلك هو تحول مرتكب الخطأ إلى قاض في نفس الوقت، فيصعب أن تحاسب وزارة الصحة على الخطأ وهي القاضي في نفس الوقت، فرغم كثرة الأخطاء لم نسمع بأن وزارة الصحة قامت بدفع تعويض أو غرامة بسبب خطأ طبي ولم نسمع بأن مصدر الخطأ تم تتبعه حتى وجد أن مصدره تعميم أو تنظيم أو تقصير من قبل وكيل وزارة أو مدير شؤون صحية أو حتى مدير مستشفى، والعضو الوحيد من خارج قطاع الصحة في اللجنة الطبية الشرعية هو القاضي الذي تكون مسؤوليته شرعية في تقدير نوع العقوبة الشرعية وليس المهنية.
الملاحظة الرابعة: تتلخص في كون القضية ليست مجرد عدم حيادية وزارة الصحة في معالجة الخطأ الصحي بل وفي ضعفها كذلك عن معالجة الخطأ في القطاعات الصحية الأخرى الحكومية وكذا في القطاع الصحي الخاص، وتأكيداً لهذا القول هل سمع أحدنا على مدى السنوات بمعاقبة مستشفى عسكري أو تخصصي أو تعليمي أو خاص من فئة الخمس نجوم على خطأ طبي؟ هل تخلو تلك المراكز والمستشفيات من الخطأ الطبي وهل تخلو من المتضررين من الخطأ الطبي؟!
نؤكد بأن الأخطاء الطبية موجودة في كل بلاد العالم ولكن نعتقد أنها شائعة في بلادنا وما يوثق منها لا يتجاوز العشرين في المائة، وأحد أسباب شيوعها ليس دائماً مرده الطبيب المعالج بل هو انعدام أو ضعف النظام الصحي لدينا وعدم فعاليته في التنظيم والتطوير، واتساع الثغرات بين القطاعات الصحية المختلفة الخاصة والعامة والتعليمية والأهلية والعسكرية والمدرسية.. الخ.
حسب النظام المحلي وزارة الصحة هي المسؤول الأول عن تقديم الخدمة الصحية ومتابعة الأخطاء الطبية، ولكن السؤال المؤلم هو كيف تفرض وزارة الصحة قوانينها على القطاع الصحي الخاص وهي أضعف سلطة وامكانات من (هوامير) القطاع الصحي الخاص؟ كيف تستطيع فرض الأنظمة على القطاع الصحي الخاص وهي لا تملك ما يملكه مالكو ذلك القطاع من نفوذ وعلاقات واتصالات؟ كيف تفرض النظام على القطاع الصحي الحكومي غير التابع لها وهو ينظر إليها بعين الازدراء والاستهانة؟ كيف يطمئن المريض إلى سلامة حكم وزارة الصحة إذا كان مصدر الخطأ هو وزارة الصحة؟