وفي موسم الصيف نتذكر الجامعات ونبدأ في سل أقلامنا وإطلاق العنان لألستنا ضد هذه الجامعات، وسياسات القبول بها وما يصاحبها من واسطات تدور في كواليسها، كل ذلك لأننا نتذكر بأن خريجي المرحلة الثانوية لم يجدوا المقاعد المناسبة لهم ضمن جامعاتنا السعودية الموقرة، ولن أشذ عن القاعدة، وسأسل قلمي أيضاً وأشارككم الهموم والتعبير بأن عدم توفر المقاعد الجامعية أصبح قضية تبعث على الأسى، لأنها تأتي ضد طموحات ابنائنا وأسرهم التي ظلت تحلم بابن أو ابنة يلتحق بالجامعة، ليس فقط للفائدة المادية، فالجامعة لم تعد أفضل الطرق لذلك بل للفوائد المعرفية والمعنوية والاجتماعية، ويبعث على القلق ان نقتل طموح شاب أو شابة يريان قدرتهما على الانخراط في التعليم الجامعي والنيل من المعارف والعلوم مايفتح لهما آفاق المستقبل، وفي ظل هذه المأساة وما تسببه لنا من إحباط وأسى يجب ان لا نساير الجموع فنحمّل جامعاتنا القائمة كل اللوم والتقريع، فقد ضاقت الجامعات القائمة بما حملت ولم يعد في مقدورها تقديم أكثر مما كان في ظل ما هو متوفر لها من امكانات، ومهما زادت الضغوط عليها فلن تفي سوى بجزء قليل من الاحتياج، وبالتالي فلا أتردد في القول “الحل ليس بيد جامعاتنا الحالية الموقرة”.
لقد وصل عدد طلاب وطالبات جامعة الملك سعود إلى حوالي 50ألف طالب وطالبة وتدنت نسبة أعضاء هيئة التدريس إلى الطلاب لتصل إلى 18طالباً مقابل كل عضو هيئة تدريس، ووصل عدد طلاب جامعة الملك خالد وهي أحدث الجامعات إلى 15ألف طالب وطالبة بنسبة 30طالباً مقابل عضو هيئة التدريس الواحد، ووصل عدد الطلاب بجامعة الملك عبدالعزيز إلى 40ألف طالب وطالبة، وتدنت نسبة أعضاء هيئة التدريس بها لتصبح 18طالباً مقابل عضو هيئة التدريس الواحد، مع ملاحظة،
اولاً: ان غالبية التخصصات بهذه الجامعات طبية وهندسية وعلمية تتطلب نسب طلاب مقابل أعضاء هيئة تدريس أقل بكثير مما هو موجود.
ثانياً: انه تم تصنيف المعيدين والمحاضرين والمبتعثين ضمن أعضاء هيئة التدريس في أعداد تلك النسب.. وإذا ما أضفنا إلى ذلك تدني مستوى الاداء الإداري بتلك الجامعات، يكون السؤال هل يجوز الضغط على الجامعات لأجل مزيد من القبول، لمجرد سد العجز، بغض النظر عن جودة التعليم وقدرات الإدارة؟ الاجابة بالتأكيد ستكون بالنفي، فما هو الحل إذاً؟
الحل ببساطة يكمن في سرعة التوسع في التعليم الجامعي، بافتتاح جامعات جديدة وليس بتحميل الجامعات الحالية أكثر من طاقاتها الاستيعابية، حتى ترتقي بجودة مخرجاتها وتتحول من قياس مخرجاتها بكم الطلبة إلى جودة ونوعية وكفاءة الخريجين، ولكن كيف يمكن افتتاح جامعات جديدة؟
سأتجاوز عدم دقة مقولة محدودية الموارد في التعليم الجامعي والتي يمكن استبدالها بمقولة ضعف الاستفادة من الموارد وتوزيعها بشكل ملائم في مجال التعليم العالي.
وأعرض بعض البدائل التي يمكن اللجوء اليها لزيادة المقاعد الجامعية، بشكل سريع، مع التأكيد على ضرورة تبني حلول استراتيجية بعيدة المدى لإصلاح التعليم العالي بصفة عامة، وأهم إيجابيات هذه البدائل السريعة هو تقليص واقلال الضغط الحاصل على جامعاتنا القائمة التي تجاوزت في القبول طاقتها الاستيعابية وضحت بكثير من المعايير التعليمية مقابل زيادة أعداد المقبولين بها كل عام..
أولاً: هناك فروع للجامعات أصبح ممكناً تحويلها إلى جامعات مستقلة، فهناك تحديداً ثلاثة فروع قابلة للتحول إلى جامعات مستقلة: فرع جامعة الملك سعود بالقصيم وفرع جامعة أم القرى بالطائف وفرع جامعة الملك فيصل بالدمام ، ونعتقد بانه توجد الخبرة والتجهيزات اللتان تؤهلان تلك الفروع للاستقلال في شكل جامعات جديدة خلال فترة وجيزة، وبتكاليف مادية وبشرية مقدور عليها، ستتمكن بإذن الله من التوسع في كلياتها وتخصصاتها على غرار ما حدث في الجامعات الاخرى التي كانت فروعاً جامعية، وأقربها جامعة الملك خالد بأبها، علماً بأن استقلال الفروع لن يسهم فقط في تطوير جامعات جديدة بل وسيتيح المجال للجامعات القائمة للتركيز على تطوير المقرات الرئيسية لها وعلى تطوير ادائها الإداري..
ثانياً: لقد فتح المجال لإنشاء جامعات خاصة أو أهلية ولكن كلفة التعليم العالي الأهلي مرتفعة ويجب عدم الافراط في التفاؤل، حيث لا يتوقع قيام أكثر من جامعتين أو أربع إلى خمس كليات أهلية، بما فيها القائمة حالياً خلال الخمس سنوات القادمة، حتى وان كان الحماس دعا إلى تقدم أكثر من جهة للحصول على تراخيص إنشاء كليات أهلية.
فالترخيص شيء والتنفيذ شيء آخر، وهنا نحن بحاجة إلى معاملة قضية إنشاء الجامعات أو الكليات الأهلية، كما حدث في قضية إنشاء المستشفيات والمشاريع السياحية والزراعية والصناعية، بمعنى آخر نحن بحاجة إلى ايجاد وسيلة دعم مناسبة كأن تكون قروضاً ميسرة طويلة المدى أو اعطاء إعانات مادية وعينية محددة مثل توفير منح مادية واراض للمشاريع التعليمية الجديدة، أو معونات تسمح بتسديد جزء من القروض فقط كما حدث في المجال الزراعي، ويمكن استرداد كل تلك القروض أو المنح بسهولة بشكل مباشر، أو غير مباشر عن طريق ضمان منح دراسية حكومية في الكليات الأهلية، سواء للمتفوقين أو المحتاجين أو حتى على شكل بعثات داخلية للعاملين بالقطاعات الحكومية. حيث النظرة الواقعية تقول بانه مهما يكن حماس أهالي منطقة الباحة أو أهالي منطقة الجوف أو أهالي منطقة نجران أو غيرها من المناطق كبيراً نحو إنشاء كليات أهلية بمناطقهم فإنه يعتبر مستحيلاً تنفيذ ذلك بطريقة سليمة دون مساعدة مباشرة أو غير مباشرة من قبل الجهات الحكومية، فلماذا لا تبادر وزارتا المالية والتعليم العالي بطرح مبادرة واضحة في هذا الشأن تساهم في التعجيل بقيام كليات وجامعات أهلية متطورة؟
ثالثاً: وهذا خيار آخر يجمع بين أولاً وثانياً، ويتمثل في امكانية ايجاد جامعات أهلية حكومية أي مشاركة بين القطاع الخاص أو الاهلي والحكومي، وتحديداً، إذا افترضنا المعضلة الرئيسية تتمثل في عدم وجود الامكانات لتطوير فروع الجامعات القائمة إلى جامعات مستقلة جديدة، هل يمكن ان يدفع للقطاع الأهلي بتطوير الفروع القائمة وتحويلها إلى جامعات مستقلة؟
لتكن مساهمة القطاع الحكومي التي تمثل الاصول القائمة حالياً، مبرراً لفرض مقاعد دراسية مجانية تعادل تلك المساهمة وبالتالي نضمن عدم تحول تلك الجامعات إلى جامعات خاصة مائة بالمائة، وان لم نرغب في تحويل فروع الجامعات إلى جامعات خاصة تساهم فيها الدولة مثل الشركاء الآخرين، فيمكن تحويلها إلى مؤسسات أهلية خيرية أو شبه حكومية، ولدينا الاعتقاد بمساهمة الكثيرين في ذلك وخصوصاً من أبناء وأهالي المناطق التي ستوجد بها تلك الجامعات..
رابعاً: سبق وأن كتبت عن عدم توسع الجامعات في القبول بشكل متساو وهنا نركز الاقتراح بانه يجب مراجعة امكانات الجامعات القائمة ودعم تلك التي لازالت طاقتها الاستيعابية محدودة للتوسع في مجال قبول الطلاب بعد أن توفر لها التجهيزات والامكانات اللازمة لذلك، مثل جامعتي الملك فيصل والملك فهد للبترول والمعادن اللتين لا تزيد طاقة إحداهما الاستيعابية عن عشرة آلاف طالب مقارنة بما تستوعبه جامعة الملك سعود، خمسون ألف طالب وطالبة..
إذاً ألخص المقالة بانه يجب عدم تحميل الجامعات القائمة كل اللوم في محدودية قبول خريجي المرحلة الثانوية، حيث انها تقبل وفق امكاناتها بل أجزم بقبولها أكثر من طاقاتها الاستيعابية المثالية، ولكن يجب النظر في امكانية توسيع التعليم الجامعي بافتتاح مزيد من الجامعات والكليات أهلية كانت أو حكومية، ودعم الجامعات القائمة، مع دعواتنا لابنائنا وبناتنا الذين لم تتح لهم فرص الالتحاق بالجامعة بالتوفيق في مجالات عملية وتدريبية اخرى..
فرعا جامعة الملك فيصل
وجامعة الملك فهد
عطفاً على مقال سابق بعنوان جامعة الملك فهد.. الاستثناء والقصور (نشر بتاريخ 1422/3/15هـ) والمطالب بتوسع جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في التعليم الذي تقدمه وتحديداً في تقديم تخصصات غير هندسية وتقديم برامج جامعية للفتاة، اقترح أحد القراء رأياً آخر يراه جديراً بالمناقشة:
يتلخص الاقتراح في ضم جامعة الملك فيصل بالدمام إلى جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران، فالجامعة والفرع لا يفصلهما سوى عدة كيلو مترات وجامعة الملك فهد يمكنها تطوير فرع جامعة الملك فيصل والتحول من جامعة هندسية إلى جامعة تقدم التعليم الطبي والنسائي، كما اقترحت، ولتتاح لجامعة الملك فيصل فرص التوسع في مقرها الرئيسي بالأحساء، حيث ستنضم اليها قريباً كلية طب الأحساء ويمكن كذلك ضم كليات فرع جامعة الامام محمد بن سعود بالأحساء اليها، لتعويض نقل كلية الطب بالدمام إلى جامعة الملك فهد للبترول والمعادن..
إن وجود فرع لجامعة الملك فيصل يبعد عن المقر الرئيسي مائتي كيلو متر أو يزيد وبجوار جامعة الملك فهد لا يبدو منطقياً من الناحية الإدارية، حسب رؤية القارئ، وليس متوقعاً أن تجرؤ إدارتا جامعة الملك فهد وجامعة الملك فيصل التعليق أو المناقشة لمثل هذا الاقتراح لأسباب ادارية واجتماعية ولكن الموضوع يطرح نفسه أمام وزارة التعليم العالي ومجلس التعليم العالي الموقر، فالفكرة من الناحية النظرية والإدارية لا تبدو معقدة ولكن هل تتجاوز الرغبات الشخصية والضغوط الاجتماعية..؟
تلك الفكرة عرضتها بشيء من التصرف كما عرضها القارئ، وتبدو مكملة لما طرحته اعلاه من نقاط تتعلق بالبحث عن مجالات توسع في التعليم العالي..
قارئ آخر يرى بأنني تحاملت على جامعة الملك فهد في ذلك المقال دون إثباتات تذكر ورغم ذكري لبعض الأرقام حينها فلعلني أبين بأن عدد الطلاب بجامعة الملك فهد حوالي سبعة آلاف طالب فقط وبها تسعة طلاب مقابل كل عضو هيئة تدريس واحد وهو رقم يدل على إعطائها امتيازاً كبيراً في توظيف اعضاء هيئة التدريس واستثناءها من زيادة اعداد المقبولين بها إذا ما قورنت بجامعة الملك خالد ذات الثلاث سنوات من العمر، بكلياتها العلمية والطبية، التي يوجد بها خمسة عشر ألف طالب ومقابل عضو هيئة التدريس الواحد يوجد ثلاثون طالباً.. وحتى موضوع سعودة وظائف أعضاء هيئة التدريس بها نجده أدنى نسبة ويقارب 36% مقارنة ببقية الجامعات التي تفوق نسبة سعودة وظائف أعضاء هيئة التدريس فيها جميعاً نسبة الخمسين في المائة، بل إنها تفوق السبعين في المائة في أكثر من جامعة..
أكرر تقديري لجامعة الملك فهد وأضيف بأن جميع الأرقام تم الحصول عليها من تقارير وزارة التعليم العالي الموقرة، وبالتالي فلست أكتب من مخيلتي أو من منطلق الغيرة والحسد كما رأى القارئ عضو هيئة التدريس بجامعة الملك فهد، الذي أعتذر عن ذكر اسمه حتى أفوت عليه الفرصة لاستغلال دفاعه عن جامعة الملك فهد وسيلة للتقرب من إدارتها.