آليـات الابتعـاث

* ناقش زميلنا الأستاذ عبدالوهاب الفايز موضوع الابتعاث، في مقاله الذي نشر بعنوان “الابتعاث هل يعود عبر برنامج وتمويل دائم” بتاريخ 2001/6/20م، وهي ليست المرة الأولى التي يطرح فيها هذا الموضوع، ونتفق في أهمية إعادة النظر في موضوع الابتعاث وأهميته في المرحلة الراهنة من مسيرتنا التنموية، وسبق ان طرحت الموضوع في مقالين نشرا بتاريخي 1420/11/3هـ و1421/12/27هـ، ولست اكتب هنا عن الموضوع للمرة الثالثة لمجرد المعارضة لما طرحه الزميل، ولكن أجدها فرصة لمواصلة النقاش في موضوع الابتعاث منطلقاً من الفكرة التي طرحها الأستاذ الفايز والمتمثلة في اقتراح تبني مجلس القوى العاملة لموضوع أو مشروع الابتعاث وأبين وجهة نظري في النقاط التالية:

أولاً: تعتبر مهمة مجلس القوى العاملة الأساسية مهمة تنسيقية وربما إشرافية ولكنها ليست تنفيذية، وسيزداد نجاح المجلس كلما تمكن من الارتقاء بمهامه التنسيقية والإشرافية أو التخطيطية ونتمنى أن لا ينجرف إلى الأدوار التنفيذية، ليس لأنه غير قادر على أدائها ولكن لأنه توجد قطاعات تنفيذية تعنى بالتوظيف وتطوير القوى العاملة مثل وزارتي الخدمة المدنية والعمل والشؤون الاجتماعية، ولسنا بحاجة إلى قطاع تنفيذي آخر في مجال التوظيف والتدريب..

ثانياً: بتتبع تاريخ الابتعاث من الناحية الادارية سنجد أن أحد أبرز العوامل التي أثرت على برامج الابتعاث وقلصتها هو توحيد جهة الإشراف وتحديداً تكليف لجنة الابتعاث ولجنة التدريب التابعتين لوزارة الخدمة المدنية بمسؤولية الاشراف على برنامج الابتعاث لجميع القطاعات الحكومية، وليست تتوفر لدي الأرقام الدقيقة حالياً ولكن يمكن الاستدلال على هذا القول بملاحظة التناقص الكبير في الابتعاث الذي تتبناه القطاعات الحكومية المحكومة بلوائح وزارة الخدمة المدنية ولجنة الابتعاث مقارنة بتلك القطاعات التي لا تحكمها لوائح الخدمة المدنية، فمستشفى الملك فهد على سبيل المثال وبالرغم من كونه مجرد مستشفى واحد، ابتعث في العامين الأخيرين أكثر مما ابتعثت وزارة الصحة وهي تشرف على ثلاث عشرة كلية ومئات المراكز الصحية والمستشفيات، وكلاهما يعتمد على الدولة في ميزانيته الرسمية ولكن الصحة تسير وفق أنظمة الخدمة المدنية، بينما تتحكم ادارة مستشفى الملك فهد في برنامج الابتعاث الخاص بها..

إذاً توحيد جهة الابتعاث لن يخدمه كثيراً ولابد من البحث عن طرق ووسائل أخرى لدعم برامج الابتعاث أقترح منها على سبيل المثال:

1ـ إلغاء المركزية في الابتعاث وإعادة القرار في تحديد برامج الابتعاث إلى الجهات المستفيدة مباشرة من ذلك، فوزارة الخدمة المدنية لن تكون أعرف بالاحتياجات التعليمية من وزارة المعارف ولكن تكون أقدر على تحديد الاحتياج في الكوادر الصحية من وزارة الصحة ذاتها..

أعلم بأنه سيأتي من يقول لنا بأن لجنة الابتعاث مهمتها تنسيقية فقط، فهذا هو الظاهر ولكن الواقع الفعلي هو تحولها إلى مرشح (فلتر) يحد من اعتماد طلبات الابتعاث التي تتبناها بعض الجهات الحكومية..

2ـ إذا كنا فعلاً نريد وضع برنامج الابتعاث ضمن الأولويات فيجب تحديد بنود واضحة في ميزانيات القطاعات الحكومية للابتعاث بناء على احتياجاتها الفعلية وفصل هذه البنود عن البنود التوظيفية الأخرى، فالقطاعات الحكومية أصبحت تقلص الابتعاث ليس بالضرورة لعدم احتياجها إلى ذلك ولكن لمحدودية الموارد واستهلاكها في مواضيع آنية تفرض نفسها في العمل اليومي..

3ـ فكرة الاستعانة بدعم القطاع الخاص في دعم الابتعاث تعتبر ايجابية وحتى الآن يعتبر الاسهام قليلاً في هذا المجال وهناك صندوقان جديدان يزعمان التوجه لاستقطاب دعم القطاع الخاص، ويمكنهما تفعيل مساهمات القطاع الخاص في هذا المجال، ألا وهما صندوق التعليم العالي وصندوق تطوير القوى البشرية… نأمل أن تتم مناقشة تبني احدهما أو كلاهما دور دعم الابتعاث، فصندوق التعليم العالي على سبيل المثال والذي لاتزال أهدافه غامضة نوعاً ما، بدأ في تحصيل الموارد المادية، على اعتبار أن الوفر المادي الذي أحدثه تقنين المكافآت الجامعية مؤخراً يعود وفره لصالح صندوق التعليم العالي، هذا الصندوق أرى أن تتركز مساهماته نحو دعم الابتعاث ودعم إنشاء الكليات الأهلية فقط وترك المهام الأخرى مثل دعم البحث العلمي أو دعم الجامعات لمرحلة لاحقة في ظل وجود جهات تقوم بهذا الدور مثل مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية والقطاعات المستفيدة من خدمات الجامعة..

4ـ في موضوع الابتعاث لازلنا نسير على الطريقة التقليدية في إرسال الطالب والتكفل بمصاريفه، وسيظل هذا الأسلوب هو الأساس ولكن يمكن تطوير وسائل أخرى تنمي الابتعاث وتعطي فائدة اضافية لجهات الابتعاث، مثل تطوير اتفاقيات التعاون الثنائية التي تسمح بفتح مزيد من فرص القبول ويمكن أن يستفاد منها في توفير منح أو تبادل المنح بين طرفي التعاون… الخ.

5ـ يمكن تشجيع الطلاب للبحث عن مصادر بعثات وتموين غير حكومية محلية وخارجية على أن تتولى وزارة التعليم العالي أو صندوق التعليم العالي اكمال الفرق بين قيمة تلك المنحة وما يعادلها في المنحة أو البعثة الحكومية، لتتساوى مع المنحة الحكومية الرسمية، فهناك جهات تعطي منحا دراسية أو منحا بحثية ولكنها قد لا تكون كافية للطالب السعودي، ويمكن اعتبار حصول الطالب على منحة من جهة ما دليل جديته واحقيته بالابتعاث وبالذات حينما يكون الابتعاث عن طريق وزارة التعليم العالي أو الملحقيات مباشرة وليس عن طريق القطاعات الحكومية الأخرى… (طبعاً انطلق في هذه الاقتراحات من كون الصعوبة الرئيسية للابتعاث هي صعوبة مادية، وهذا منطلق قد لا يجوز تعميمه في جميع الحالات).

مجلس القوى العاملة

ولأن الموضوع تطرق إلى مجلس القوى العاملة وبمناسبة تعيين الدكتورعبدالحميد عبدالواحد أميناً جديداً له، فلعلني أناشد المجلس النظر ليس فقط للقطاع الخاص في عملية سعودة الوظائف، وهي المهمة الرئيسية الملقاة على عاتق المجلس، فهناك قطاعات حكومية بحاجة إلى وقفة في هذا الموضوع، وتحديداً أشير إلى الجامعات كمثال، وأذكر على سبيل المثال بأن نسبة أعضاء هيئة التدريس المواطنين في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن هي 36% فقط من اجمالي عدد أعضاء هيئة التدريس، وفي جامعة الملك فيصل 57% وفي جامعة الملك خالد 49% وفي جامعة الملك سعود 57%، وتدني نسبة المواطنين يمتد كذلك للوظائف الادارية والفنية حيث تبلغ نسبة سعودة تلك الوظائف بجامعة الملك سعود 41% وفي جامعة الملك فهد للبترول 54% وفي جامعة الملك فيصل 41% وفي جامعة الملك خالد 63%..

إذا كان القطاع الخاص يحتج بنقص الكوادر الوطنية المؤهلة والمدربة وبعدم قدرته على تدريب الكوادر الوطنية، فما هي حجة الجامعات؟

ما هي حجة جامعة الملك فهد وتخصصاتها هندسية يتواجد بها عشرات المواطنين الذين يحلمون بفرصة العمل بالجامعة؟

ما هي حجة جامعة الملك سعود عندما لا تتجاوز نسبة السعودة في كلية التربية بها 46% في مجال الكوادر الادارية والفنية وليس في كادر أعضاء هيئة التدريس؟ هل يعتبر العمل الاداري والفني بكلية التربية من الأعمال النادرة التي تتطلب استقطاب الكفاءات الأجنبية للعمل بها؟

هل تعجز الجامعات عن تأهيل وتطوير الكوادر الوطنية، وبالذات ونحن نتحدث عن كوارد هي موجودة في سوق العمل وتبحث عن فرص كالكوادر الادارية أو كأعضاء هيئة التدريس الذين يمكن ابتعاثهم وتأهيلهم؟ ومن يمكنه القيام بالتأهيل والتدريب إذا لم تتمكن الجامعات من ذلك؟

نريد من مجلس القوى العاملة أن يساهم في رفع نسبة السعودة بالجامعة سواء بالضغط المباشر على ادارات الجامعات أو بمساعدتها في الحصول على مزيد من الوظائف أو حتى بإحراج اداراتها بنشر حصيلة السعودة بها ومدى تقصيرها في هذا الجانب…

ولا ننسى تقديم التهنئة للدكتورعبدالواحد الحميد على تسلمه منصب الأمين العام لمجلس القوى العاملة…

أضف تعليق