* نكرر كثيراً مصطلح العولمة، وضرورة استعدادنا للتعامل مع الظواهر التي تولدها مظاهرالعولمة، وأبرز تلك المظاهر يمكن استنباطها عن طريق قراءة مواثيق منظمة التجارة العالمية، التي تمثل أحد أبرز أوجه العولمة، وتسعى كثير من الدول للحاق بركبها والإنضمام لاتفاقيات التجارة العالمية، لما في ذلك من عوائد واعتبارات عديدة، وموضوع منظمة التجارة العالمية موضوع شائك تتداخل فيه المعايير القانونية مع السياسية مع الاجتماعية مع الاقتصادية، ولكنني وكجزء من عنايتي ومتابعتي للمواضيع ذات العلاقة بالتعليم العالي سأجتهد معكم في مقالات ثلاث، لطرح علاقة التعليم العالي باتفاقيات الجات وفتح حدودنا للسماح للتعليم الأجنبي ببلادنا، وسابدأ في هذا المقال بطرح نبذة عن أبرز مبادئ اتفاقيات الجات، ثم استعرض في المقال الثاني علاقة التعليم العالي بتلك الاتفاقيات، ثم اختم في المقال الثالث بطرح موضوع الاستثمار الأجنبي في التعليم العالي ببلادنا…
مقدمة عن منظمة التجارة العالمية(1)
منظمة التجارة العالمية WTO) ionworld Trade Trade organizat هي المنظمة التي تعنى بتنظيم التجارة العالمية وتضم حالياً 139دولة من دول العالم وهي عبارة عن تطور لتنظيم عالمي آخر، لازال مصطلحه هو الأكثر استخداماً، ألا وهو اتفاقيات تعرفة التجارة العامة (general agreement on tarifs and trade) وهو ما يعرف اختصاراً بالجات (GATT) الذي برز خلال ما عرف بجولة مفاوضات الأورجواي ( 1986ـ 1994م) والتي نتج عنها اضافة للجات تنظيمات أخرى كتلك المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية.. الخ وهي، أي الجات، عبارة عن إطار اتفاقيات قانونية متعدد الأطراف، تحكم التجارة الدولية في كافة المجالات بما في ذلك الخدمات الرئيسة، التي كانت ولازالت لدي الكثيرين حكراً وطنياً لا يجوز للشركات أو المؤسسات الخارجية التدخل فيه كالمواصلات، الاتصالات، السياحة، الصناعة الإعلامية، الصحة وكذا التعليم، وتقدر قيمة التبادل التجاري تحت مظلة منظمة التجارة العالمية بحوالي 2.2تريليون دولار أمريكي، أو ما يعادل ثلث التجارة العالمية.. وبغض النظر عن بعض مظاهر الفشل التي حظيت بها الجات خلال مؤتمر سياتل، فهناك جولة جديدة من المفاوضات بدأت في فبراير 2000م وهي جولة تأتي تجاوباً لأحد بنود الجات التي نصت على إطلاق جولة مفاوضات جديدة خلال خمس سنوات، تهدف إلى مراجعة الانجازات والبحث عن مزيد من طرق تحرير التجارة العالمية بما فيها تجارة الخدمات العامة..
لتبسيط فهم آلية عمل مفاوضات واتفاقيات الجات يمكن الاشارة إلى ثلاثة أو أربعة مستويات رئيسة تعمل وفقها هذه المفاوضات:
أولاً: مستوى القواعد والمتطلبات الرئيسة، حيث هناك متطلبات رئيسة وقواعد لابد من توفرها يتم من خلالها بدء التفاوض..
ثانياً: الجدولة أو التدرج الزمني المتفق عليه مع العضو، العضو هنا يمثل الدولة بشكل منفرد، لتنفيذ القواعد الرئيسة، حيث يكون هناك جدولة زمنية للمفاوضات مع العضو/ الدولة سواء في تطبيق الاتفاقيات على المستوى العام أو مستوى قطاع أو خدمة بذاتها..
ثالثاً: الملحقات المتعلقة بقطاع محدد، يمكن استثناؤه في مجال حرية التبادل التجاري، حيث يتم التفاوض مع الدولة العضو على القطاعات الوطنية المرغوب في استثنائها من قبل الدولة العضو..
رابعاً: الملاحق الخاصة الاضافية كتلك المتعلقة بالنقل الجوي والاتصالات والتبادل المالي وتحركات الأفراد.. الخ.
أما مبادئ تنفيذ الاتفاقيات فيمكن اختصارها في ثلاث آليات رئيسية كالتالي:
(1) تحقيق مبدأ الأفضلية (MFN) Most Favored Nation ويعني هذا المبدأ بأن جميع المشاركين في الاتفاقية يجب أن يعاملوا بمبدأ المساواة، فإذا سمح لدولة ما بتقديم خدمة ما ضمن الخدمات المصنفة في الاتفاقيات، فإن ذلك يعني (أوتوماتيكياً) مساواة بقية الأعضاء بتلك الدولة.
(2) آلية تسوية النزاعات، حيث تتولى المنظمة ذلك وهي تملك قوة نظامية وقانونية عالمية في حل المنازعات والاختلافات في مجال تحرير التجارة، وهذا ما يجعلها تختلف عن بعض الاتفاقات الثنائية التي تخضع لتفاهم طرفي الاتفاق، أو حتى لاختلافهم وقرار أحدهم إلغاء اتفاق ما، دون أضرار قانونية وتعويضية ملزمة.
(3) الشفافية في البيانات وتعني مطالبة الدولة العضو أو الراغب في العضوية بالتمتع بقدر كاف من الشفافية والمصداقية والوضوح في إعلان قوانينها وبياناتها وبالذات تلك المتعلقة بالنشاطات أو القطاعات محل التفاوض.
وبما أن اتفاقيات الجات تشمل غالبية القطاعات والخدمات، فإن الاستثناء أو التدرج الزمني في تطبيق الاتفاقيات على قطاع محدد تصبح حجر الزاوية في كثير من المفاوضات بناء على خلفيات العضو أو الأعضاء الاقتصادية والادارية والاجتماعية.. الخ، فعلى سبيل المثال يمكن استثناء التعليم من تحرير التجارة، أو استبعاده من طاولة المفاوضات ولو مؤقتاً وعدم السماح للقطاع الأجنبي بالعمل فيه، أو في بعض مستوياته، وحين نتحدث عن القطاعات فالمرجعية في ذلك هي “تصنيف الأمم المتحدة المركزي للمنتجات” ويشمل ذلك التصنيف إثني عشر قطاعاً رئيساً، يتتم تقسيمها إلى 160قطاعاً فرعياً، فالتعليم على سبيل المثال يصنف كقطاع رئيس يتم تقسيمه إلى قطاعات التعليم الابتدائي، التعليم الثانوي، التعليم العالي، تعليم البالغين والتعليم الآخر، ويحق للعضو التوسع في هذه التقسيمات الفرعية وفي تعريفها، بناءً على سير المفاوضات.. اضافة إلى ذلك، يوجد أربعة مستويات ونماذج لتطبيق الاتفاقيات أو استثنائها، على مستوى القطاع أو القطاع الفرعي (اطرحها مع استخدام التعليم مثالاً):
أولاً: تزويد الخدمة من خارج الحدود (cross border supply) وأبسط مثال لذلك تقديم خدمة التعليم عن بعد، حيث تقدم دولة ما خدمة التعليم للدولة الأخرى دون ايجاد منشآت أو مقرات داخل تلك الدولة..
ثانياً: النموذج الاستهلاكي (consumption abroad) ويمكن توضيحه بانتقال الطلاب إلى دولة عضو لتلقي التعليم العالي، أي ان مواطني دولة عضو يستهلكون خدمة داخل حدود عضو آخر.
ثالثاً: الوجود التجاري كأن تقدم جامعة ما خدماتها ضمن أراضي دولة عضو أخرى غير موطنها الأصلي (commercial presence) كما يحدث في ايجاد فروع الجامعات الأجنبية داخل الدول.
رابعاً: تقديم الخدمة داخل حدود عضو آخر (presence of natural) ففي التعليم يكون المثال هو وجود أعضاء هيئة تدريس من دولة عضو لتقديم الخدمة التدريسية داخل حدود دولة عضو أخرى.
وتتفرع عن تلك المستويات حدود أو ضوابط معينة، حيث يمكن على سبيل المثال تحديد عدد مزودي الخدمة أو السلعة، تحديد قيمة السلع أو الخدمات المسموح بالاستثمار فيها، تحديد عدد العمليات، تحديد اعداد العاملين، تحديد نسبة الشراكة الأجنبـــيــة و/ أو تحديد معايير معينة بناء على قوانين ومعاييرمحلية يتم وضعهـــا في الاعتبار عند المفاوضات.
في جميع الأحول، تبقى مهمة تحديد تلك النماذج والمعايير وتحديد القطاعات المستثناة والجدولة الزمنية لتنفيذ الاتفاقيات هي الأصعب والأهم، وتخضع لعملية شاقة ومعقدة من المفاوضات التي يجب اجراؤها من قبل كل الأعضاء أو الراغبين في الحصول على العضوية، فعلى سبيل المثال ومن باب الايضاح المبسط، لنفترض بأن موضوع التعليم العالي هو محور المفاوضات، وحيث ان التفاوض ينطلق من الطلب والعرض، فقد تبدي دولة ما الرغبة في الاستثمار في التعليم العالي بالمملكة، وكجزء من عملية التفاوض وتحقيق أكبر مكاسب ممكنة، يمكننا ليس فقط القبول مباشرة على تلك الرغبة، بل طلب مقابل ذلك السماح لنا بالاستثمار في النفط في تلك الدولة، وبعد الاتفاق على الاطار العام تبد بعد ذلك مرحلة التفاوض على النماذج والقطاعات الفرعية ومستويات الاستثمار والاستثناءات.. وغيرها من التفاصيل التي يمكن من خلالها تصور كيفية اجراء المفاوضات على جميع القطاعات الرئيسة مع كل دولة عضو في المنظمة بشكل منفرد، مفاوضات ثنائية، وبشكل جماعي، مفاوضات متعددة الأطراف، وكيف أن عملية التفاوض هذه تعتبر مضنية وشاقة، حيث لكل دولة توجهاتها واهتماماتها وحدودها التي لا تتجاوزها في تقديم التنازلات، وحيث تعدد القطاعات ومستوياتها المختلفة، وكثرة الاستفسارات التي تتطلب كماً كبيراً من المعلومات والشروحات والايضاحات.. الخ وهو ما يجعل المفاوضات تستغرق سنوات وتتم عبر جولات عديدة من المفاوضات..
أخيراً أكرر الاشارة، بأن الوفاء باتفاقيات الجات ومنظمة التجارة العالمية يعتبر أمرا ملزما من الناحية القانونية، وهناك جزاءات معينة تطبق على العضو المخالف، وليس أدل على ذلك ما نسمعه بين الفينة والأخرى بأن دولة عضو رفعت دعوى ضد عضو آخر، بحجة تجاوز شروط المنظمة التي تفرض عدم ايجاد دعم للمنتج الوطني يسمح بتفضيله على المنتج من الدول الأعضاء الأخرى، كأن تتهم حكومة ما بتوفير دعم للمزارعين بما يكفل اعطاءهم الأفضلية في بيع منتجاتهم دون منتجات البلدان الأخرى، أو أن هناك قيود جمركية تعيق دخول منتج دولة عضو إلى دولة عضو أخرى.. بمعنى آخر يصبح الهدف النهائي هو تحرير التجارة البينية بين الدول الأعضاء، بما يشمله ذلك من رفع القيود أو المميزات التي تمنح وتخل بمبدأ التحرير هذا، وتعيق مبدأ المنافسة الحرة المفتوحة..
في المقال القادم أواصل استقراء علاقة اتفاقيات الجات بقطاع التعليم العالي..
(1) لمزيد من المعلومات عن منظمة التجارة العالمية يمكن الرجوع لموقع المنظمة على العنوان الالكتروني التالي:
www. wto. org