* في المقال السابق استعرضت بشكل مختصر أبرز المبادئ الرئيسية لمنظمة التجارة العالمية وآلية مفاوضات واتفاقيات الجات المختلفة، وأشرت إلى ان ابرز مبادئ المفاوضات تشمل: مبدأ الأفضلية للدول الاعضاء، آلية فض المنازعات، وكذلك الشفافية في المعلومات والبيانات كما أشرت إلى مستويات التفاوض وتشمل: القواعد العامة، البرنامج الزمني أو الجدولة الزمنية، الملاحق المتعلقة بقطاعات أو خدمات معينة، وكذلك الملاحق الاضافية الخاصة.. وحيث انني بدأت الكتابة عن منظمة التجارة والجات بغرض ايضاح علاقتها بقطاع التعليم العالي الذي يمكن اعتباره نموذجاً أو مثالا لغيره من القطاعات فإنني أربط الموضوع هنا بالتعليم العالي، عبر اثارة بعض الاسئلة ومن ثم السعي إلى تحليلها..
هل يمكن استثناء خدمات التعليم العالي من اتفاقيات الجات؟
تتيح اتفاقيات الجات استثناء قطاع أو أكثر، يتم الاتفاق عليه مع الدولة العضو، بحيث لا يتم تحرير خدماته أمام اعضاء المنظمة الآخرين، والتعليم بصفة عامة حظي بالاستثناء الكامل أو الجزئي من قبل العديد من اعضاء المنظمة، فكندا على سبيل المثال استبعدت التعليم والصحة من طاولة المفاوضات، بينما هناك دول فرضت استثناءً كاملا أو جزئيا مثل اليونان التي لم تسمح بوجود مؤسسات أكاديمية غير يونانية داخل اليونان. وتركيا التي تسمح بقيام المؤسسات الاكاديمية الأجنبية لتدريس الأجانب فقط.. بمعنى آخر تجيز لنا المفاوضات استبعاد أو استثناء التعليم العالي بصفة عامة، أو وضع بعض القيود أو التنظيمات التي تناسبنا في هذا المجال، ولكن من الناحية العملية ووفق الوضع الحالي لخدمات التعليم العالي في بلادنا هناك ثلاثة مستويات من أربعة لا يمكن استبعادها نهائياً، حتى وان حاولنا استبعادها من طاولة المفاوضات فإنه يمكن لأي عضو ـ دولة بالمنظمة المحاجة عليها مستقبلا وفرض تطبيقها لكافة الاعضاء من مبدأ الافضلية للاعضاء، الذي سبق الحديث عنه وهذه المستويات الثلاثة هي:
اولاً: مستوى التعليم عن بعد أو ما يعرف وفق المصطلحات التجارية بالتجارة عبر الحدود (cross border supply) حيث نظام التعليم العالي لدينا ليس لديه سلطة، أو معارضة رسمية لهذا النوع من التعليم، باستثناء سلطة معادلة الشهادة وهي اجراء ذو علاقة بالتوظيف الحكومي أكثر مما هو متعارف عليه كاعتراف أكاديمي موضوعي، حيث يمكن الآن عبر الإنترنت أو المراسلة الحصول على شهادات أكاديمية من مؤسسات خارج المملكة، بل ان الحماس للجامعة المفتوحة العربية يشكل تمثيلا واضحاً لعدم اعتراضنا على هذا النوع من التعليم من الناحية التجارية، وبالتالي لن يكون هناك استثناء على هذا المستوى من حرية تقديم خدمات التعليم العالي..
ثانياً: على مستوى الاستهلاك خارج حدودنا (abroad nconsumptio) فأيضاً نحن نعترف بهذا النوع من التعامل في مجال التعليم العالي. ويمثله برامج الابتعاث للدراسة خارج البلاد، وبالتالي قد لا يكون من حقنا بعد الانضمام لاتفاقيات الجات منع دراسة الاجنبي وبالذات المنتمي لأحد اعضاء المنظمة، بمؤسساتنا الأكاديمية التابعة للتعليم العالي، من مبدأ المعاملة بالمثل..
ثالثاً: على مستوى تواجد العناصر الاجنبية في قطاعات التعليم العالي المحلية (presence of natural persons ) يوجد لدينا كوادر بشرية أجنبية، بالذات في مجال اعضاء هيئة التدريس وبالتالي يصعب علينا مستقبلا استثناء هذا الجانب، أو قفله امام الدول الاخرى الاعضاء في المنظمة، دون مبررات موضوعية تتجاوز موضوع الانتماء الجغرافي..
يتبقى لنا مجال وحيد في مجال التعليم العالي لازال مستثنى بشكل كامل من التبادل التجاري مع الدول الاخرى، الا وهو وجود مؤسسات أكاديمية أجنبية داخل بلادنا (commercial presence) على الأقل بصيغة رسمية معترف بها، وهذا ما سيكون موضوع المقال القادم..
هل توجد صعوبات امام قطاع التعليم العالي تصعب فهم علاقته بالمفاوضات الرامية للانضمام للمنظمة العالمية؟
* احدى آليات مفاوضات ـ اتفاقيات الجات الرئيسية الثلاث هي الشفافية والوضوح، وتعني بشكل مبسط نشر المعلومات ذات العلاقة بالقطاع بشكل واضح بما في ذلك المعلومات التجارية والمقاييس والطرق التي تسهل على على أية دولة عضو بالمنظمة من الحصول على معرفة القوانين والنظم والمعلومات وابلاغ المنظمة بكل ما يستجد في هذا الأمر، وبالنظر إلى قطاع التعليم العالي لدينا، لازال هناك نقص واضح في هذا الشأن بدءاً من عدم وضوح آليات شروط واقرار المؤسسات التعليمية في مجال التعليم العالي، وعدم وضوح آليات الدعم المالي الحكومي لمؤسسات التعليم العالي وعدم وضع معايير تقييم والاعتراف بالمؤسسات والبرامج الاكاديمية المختلفة.. الخ وربما يمكن تجاوز بعض ذلك في المفاوضات الاولية ولكن الاسئلة ستزداد وستتطلب مزيداً من وضوح التشريعات والنظم في هذا المجال مع تقدم المفاوضات وتشعبها، وبالذات حينما يوجد ضمن أطراف التفاوض من لديه الحماس والرغبة في الولوج في موضوع التبادل التجاري في مجال خدمات التعليم العالي، وهذا ليس مستبعداً، حيث انه بالرغم من استثناء العديد من الدول قطاع التعليم إلا ان هناك ضغوطا من دول الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة، في وضع قطاعات التعليم والتعليم العالي بصفة خاصة، ضمن الاولويات في جولة المفاوضات الحالية، ولن يضير الولايات المتحدة أو الدول الصناعية، الضغط على الدول الاخرى متى رأت في ذلك مكاسب اقتصادية.. كما ان الاستثناء في الجولة التفاوضية الحالية ليس بالضرورة يضمن الاستثناء التام فقد تتم جدولة موضوع التفاوض في هذا القطاع، أو أن تتم اثارته مرة اخرى خلال الجولات التفاوضية المستقبلية بعد خمس أو عشر سنوات..
* الدعم الحكومي قد يعتبر عائقاً مستقبلياً في حالة اعتبار التعليم العالي أحد القطاعات المشمولة بالاتفاقيات، إذا ما صنف ذلك الدعم كتعويض أو دعم يؤدي لتفضيل المؤسسات الوطنية على مثيلاتها المنافسة لها، كما يحدث في الضجة الحالية حول دعم المزارعين في اوروبا وأمريكا واحتجاج البعض بأن ذلك يأتي على حساب فتح الأسواق للمنافسة الحرة، وبالتالي ربما تصبح الحاجة ملحة إلى اعادة النظر في طريقة التموين الحكومي لمؤسسات التعليم العالي، ليس بمنع التمويل ولكن باعادة صياغة طرق منحه لكي لا يصبح دعماً مباشراً..
* هناك صعوبة ستبرز في مجال الاعتراف والتقييم فحالياً لا يوجد نظام تقييم واضح للمؤسسات الاكاديمية في التعليم العالي، وفلسفة معادلة الشهادات المتبعة حالياً قد لا تكون مجدية أمام متغيرات ومتطلبات الاتفاقيات العالمية، فعلى سبيل المثال: في حالة الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، وفقاً لمبدأ الأفضلية للاعضاء المشار اليه سابقاً، قد لا يكون مقبولا رفض الاعتراف بشهادة جامعية صادرة من دولة عضو في المنظمة، طالما يتم الاعتراف بشهادة مماثلة من جامعة وطنية، أو جامعة تنتمي إلى عضو آخر دون مبرر وتنظيم موضوعي مقبول، وسيكون المخرج هو ايجاد نظام التقييم لجميع المؤسسات والبرامج الاكاديمية بشكل لا يفرق بين الخاص والعام وبين الوطني والأجنبي الموجود داخل البلاد، وترك الحرية للعملاء الطلاب أو المستفيدين كجهات التوظيف من المخرجات الجامعية اختيار ما يناسبهم..
* اضافة إلى ذلك هناك صعوبات عامة قد تبرز من خارج قطاع التعليم العالي مثل صعوبات العمل والاقامة والتحويلات المالية.. الخ وهي صعوبات تبرز في العمل التجاري بصفة عامة، وهناك خطوات ملحوظة في المملكة للتغلب على هذه العوائق مثل خطوات اقرار قوانين الاستثمار الاجنبي، وقوانين العمل والعمال الجديدة.. الخ.
السؤال الذي كان يجب ان يطرح في البداية، هو هل لدينا تصور واضح عن علاقة قطاع التعليم العالي بمفاوضات الجات؟.. وهل لدينا وضوح حول المستويات والحدود التي نرغب في الالتزام بها في هذا الشأن؟
لقد أبنت أعلاه امكانية استثناء التعليم العالي وعدم طرحه على طاولة المفاوضات الحالية، أسوة بكثير من الدول حيث هناك 44دولة فقط سمحت بوضع التعليم بشكل جزئي أو كامل، ضمن السلع القابلة للتبادل التجاري الحر ضمن قوانين واتفاقيات الجات، فأي موقف نريد اتخاذه في هذا الشأن هل نسمح بقيام مؤسسات أكاديمية أجنبية بالمملكة؟ ما هي الايجابيات والسلبيات التي يمكن ان نحصيها من مثل تلك الخطوة؟
أترك لكم التمعن في الاسئلة اعلاه حتى الاسبوع القادم لنستكمل الطرح في هذا الموضوع..
* صدى:
“.. أما نحن فإن الوزارة ـ وزارة المعارف ـ ترى في الجامعة تدخلا سافرا في صلاحياتها، لا يجوز مثلا الاستفادة من الأبحاث التي تنصب في آليات تطوير التعليم، بل ان مجرد التفكير في ذلك يعد من المحظورات والمحرمات التي لا ينبغي للوزارة ـ بكيانها ـ أن تطلب العون من جامعة لاراحت ولاجت”..
نحن نشكركم معشر الكتاب، فقد قمتم بالواجب وفي نفس الوقت ننعى مستقبل التعليم الذي يبدو انه لا يثق بقدرات أساتذة الجامعات ولا أبحاثهم..؟!”
القارئ محسن
تعقيبا على مقال “عن التعليم: الموهوب والمتأخر دراسياً”.
لمزيد من المعلومات عن منظمة التجارة العالمية يمكن زيارة موقع المنظمة.