على ضوء الأحداث: رسالة إلى المبتعث

    * لاشك أن الأحداث التي حصلت مؤخراً بالولايات المتحدة أحتلت ولازالت مساحة كبرى من الطرح على المستوى الإعلامي والسياسي وحتى على مستوى الشارع، إلى درجة تكاد تصيبنا بالدوار، ليس الدوار سببه عدم الاحساس بما يجري حولنا، وما يحدق بأمتنا من أخطار، ولكنه كثرة الهرج والتحليلات والتفسيرات والشكوك والاتهامات، المنحازة وغير المنحازة، في أجواء نفتقد فيها المعلومة الصحيحة التي نثق فيها من كافة الأطراف، ورغم ان بعض الكتاب يغذيه هذا النوع من الهرج، الذي يغري في التحول من التفكير الشفهي إلى الطرح الكتابي، إلا انني أقاوم انفعالات القلم، وسأحافظ على توجه أريد السير عليه، على الأقل في الوقت الراهن، يتمثل في عدم الانزلاق للخوض في تجليات السياسة وبحورها التي لا أجيد السباحة فيها، وبالتالي فلن يكون حديثي معكم اليوم عن مرتكب التفجيرات ولا عن دوافع الاقدام على ذاك العمل، ولا عن وصف ما حصل ولا عن طرح توقعاتي المستقبلية.. ولكنني أطرح حديثاً بعضه توجيهاً وبعضه تطميناً، عن بعض تداعيات الأزمة المتمثلة في ما حدث أو يخشى حدوثه من مضايقات لأبناء الجاليات الإسلامية المقيمة في الغرب، ومن ضمنها الجالية السعودية وغالبيتها من الطلاب المبتعثين أو المتدربين في الدول الغربية وتحديداً أركز حديثي على المنطقة التي خبرتها، كندا، وهي تتشابه مع الدول الغربية الرئيسية الاخرى كبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية في كثير من النظم والقوانين، والتطمين يكون لأسر الطلاب وذويهم في المملكة، اللذين لا يلامون في كثرة السؤال والشعور بالقلق، وخصوصاً في ظل هذا الزخم الإعلامي، الذي أصبح يبحث عن الشاردة والواردة ليصنع من الحالات الفردية والشاذة تعاميم تصيب من لا يعايشها بالذعر وتخلق تصورات مبالغ فيها عن أوضاع الطلاب المغتربين في الدول الغربية.. من خلال متابعتي لما طرح في وسائل الإعلام ومن خلال توجيهات سفاراتنا وملحقياتنا التعليمية للطلاب والمواطنين السعوديين، لحظت غياب حلقة رئيسية تتمثل في عدم شرح الخطوات التي يجب أن يتبعها الطالب في حالة تعرضه لأية تحرش أو إهانة أو اعتداء باللفظ أو اليد بسبب عنصري أو ديني أو عرقي، وأفترض أن السبب في ذاك هو افتراض معرفة الطالب بقوانين الجامعة أو البلد الذي يدرس فيه في هذا الجانب وبالذات كون هذا الموضوع، موضوع التمييز العنصري والتحرش وحقوق الإنسان، عادة ما تحتل النصيب الوافر في اسابيع التوجيه التي تعقد للطلاب المستجدين في الجامعة، وهي أسابيع كل حال يغيب عنها كثير من الطلاب السعوديين..! ومن هنا البس ثوب المرشد والناصح فأكتب عن الخطوات المفترض اتباعها بشكل حضاري عند التعرض لأية مضايقة، بشكل يعكس الوعي على فهم الأنظمة والمجتمع الذي يعيش فيه الطالب خارج أرض الوطن، في الدول الغربية، والمضايقة هنا ليست فقط الجسدية كما يتصور البعض، بل حتى اللفظية التي يمكن تأويلها بأنها عنصرية تنتقص من قدر الطالب بسبب مرجعيته وخلفيته الدينية أو الوطنية أو اللون أو الهيئة..

الاحتياط

بالتأكيد يجب على الطالب الاحتياط بعدم ارتياد أماكن تثير القلق في أوقات غير مناسبة وخصوصاً بشكل منفرد، كأن يتجول منفرداً بلباس سعودي في وقت متأخر من الليل، أو في أماكن منعزلة أو منزوية أو يغلب على ارتيادها المنحرفين (الفتوات) ذوي الخلفيات المتدنية تعليماً ومعيشياً.. كما أنه يجب عدم الدخول في جدال مع الآخرين، وبالذات حينما لا يكون هناك معرفة مسبقة معهم، فعندما يأتي رجل من الشارع يلقي كلمة وقحة وهو سائر فمن الأفضل عدم الرد عليه والسير في الطريق بعيداً عنه، لأنه ليس المفترض مجابهة الكلاب عندما تنبح، وحتى في النقاش مع من يعرفهم الطالب من الأجانب، يجب توخي الحذر وعدم الجدل والاصرار على فرض وجهات نظر تخص الطالب بناءً على مرجعيته الدينية والاجتماعية، فالموازنة والحرص على مشاعر الغير والتأكد من عدم استخدام مصطلحات عنصرية أو تعصبية يشكل ضرورة حتمية في مثل هذه الظروف وربما في كافة الظروف.. وبالنسبة لمن لديه أطفال في المدارس فينصح بمناقشة ادارة المدرسة بأي قلق ينتباه، ومعرفة اسم وتلفون المسؤول بالدائرة التعليمية الذي يمكن الاتصال به في حالة تعرض التلميذ لاية مضايقات من هذا النوع في المدرسة.. (عادة ويوجد شخص معني بهذه الأمور في كل منطقة تعليمية ويمكن معرفته عن طريق المدرسة).

القاعدة الرئيسية

في جميع الأحوال هناك قاعدة رئيسية يجب اتباعها، ألا وهي بلغ.. بلغ.. بلغ report.. report.. report…. للاسف هذه القاعدة يجهلها أو يتناساها أو يخشاها كثير من الطلاب الأجانب، وهي قاعدة رئيسية في البلاد الغربية، يجب ان تبلغ عن كل ما تعتقد ان فيه اساءة لك أو يحتمل منه الضرر الأمني لك ولأسرتك فمن تبلغ يا ترى؟

في الجامعة وتحديداً أتحدث عن الجامعات الكندية وغالبية الجامعات الأمريكية، هناك مكتب في كل جامعة أو لجنة تعني بمراقبة حقوق الإنسان أو العنصرية أو حقوق المساواة بين الطلاب، قد تختلف المسميات من جامعة إلى اخرى، ولكن المهام الرئيسية متشابهة، ويفترض ان يبلغها الطالب بأي ملاحظة يعتقد أنها تسيء اليه، لكونه عربياً أو مسلماً أو ملوناً.. للأسف كثير من الطلاب الأجانب يجهلون أو يخشون التواصل مع هذه المكاتب واللجان.. حتى في حياتهم الأكاديمية اليومية بعيداً عم ما حصل من أحداث.. رغم أن تلك المكاتب عادة تسهم في ايصال صوت الطالب للجهات المعنية بالجامعة أو حتى بخارج الجامعة كالبوليس أو الجهات المعنية بمكافحة العنصرية، ورغم أنه في الأمور العملية يفترض ابلاغ الإدارة أو الجهات المشرفة حسب التسلسل الإداري، إلا انه في حالة العنصرية والتمييز العرقي لن يلام الطالب أو الموظف ان سارع بالاتصال بجهة معنية بحجة ان الاجراءات الإدارية قد تأخذ وقتاً حتى توفر له الحماية الكافية..

ما هو العمل عندما يكون الاعتداء خارج الجامعة؟

عندما يكون الاعتداء خارج الجامعة، فإن الجهة الاولى التي يمكن تبليغها بالتأكيد هي البوليس، فعندما يحصل اية مضايقة على الطالب، فعليه أن يبلغ الطوارئ ان كانت تستحق ذلك أو عليه بكتابتها، حتى لا ينسى، والاتصال بالبوليس حال عودته لمنزله ففي الغالب سيأتيه البوليس إلى منزله (حسب النظام الكندي) وسيحرر محضر حاله، أهم ما يجب على الطالب فيها هو أخذ رقم الحالة لمتابعتها مستقبلا أو الاضافة عليها أية معلومات تستجد، وخصوصاً في حالة عدم معرفة الشخص أو الاشخاص مرتكبي الازعاج، على سبيل المثال قد يتعرض أحدهم لكلمات نابية في أحد الاسواق من شخص أو أشخاص يجهل هويتهم..

ولكن ماذا يتوقع عمله من البوليس أو مكتب مكافحة العنصرية في مثل هذه الحالات؟ في حالة تقديم البلاغ ضد شخص معلوم فبالتأكيد سيتم التحري وربما التحقيق مع ذلك الشخص أو ابلاغ مرجعه إذا كان في الجامعة، أما إذا كان البلاغ ضد شخص مجهول الهوية، وهو الغالب في مثل هذه الحوادث، فإن البوليس لن يذهب مباشرة ليحاصر السوق أو التفتيش في المدينة عن المتهمين، وخصوصاً إذا كان الجرم مجرد قذف بالكلام، ولكن فائدة مثل هذه التقارير والبلاغات هي أن البوليس عادة ما يتابع تطوراتها والحوادث المماثلة لها، فإن بدا أنها تتبع نظاماً أو نمطاً معيناً فانه لا يتردد في التدخل فعلى سبيل المثال لو تقدم أكثر من شخص ببلاغات عن اعتداءات حدثت في مكان بعينه، فإن البوليس يبدأ بمراقبة ذلك المكان ومحاولة الامساك بمسببي الازعاج، أو في حالة تكرر البلاغات ضد شخص تتكرر أوصافه فإن البوليس يبدأ في متابعته، أو حتى في حالة تكرار البلاغ من شخص في حوادث معينة فإن البوليس يبدأ في حمايته وتتبع قاصديه.. بمعنى آخر التبليغ ضروري حتى ولو كانت الواقعة بسيطة جداً ولو لم يحدث رد فعل أو اتخاذ اجراء مباشر، كما يريد الطالب وهو في حالة غضب، لأن الحوادث الصغيرة تبني جدار وقاية مستقبلية..

ما هي الجهات الاخرى التي يفترض تبليغها؟

يفترض تبليغ المنظمة الإسلامية أو المسجد التابع له الطالب، وكذا الملحقية التعليمية أو السفارة السعودية، وان لم توجد منظمة إسلامية في المدينة يثق بها، يمكن تبليغ الهيئات والجماعات المعنية بمكافحة العنصرية في البلد، وهي متعددة وكثيرة، لأن السفارة أو المنظمة الإسلامية أو غيرها من الجهات تقدم العون المعنوي وان تطلب الأمر المادي، على سبيل المثال حينما يحتاج الطالب إلى محام فإن السفارة على أتم الاستعداد لمساعدته في ذلك، كما ان هذه الجهات تنوب عن منسوبيها في رفع القضايا هذه إلى المسؤولين السياسيين والأمنيين بالبلد، وضرورة تبليغ تلك الجهات يعني تقديم خدمة ليس فقط للطالب مباشرة بل للجالية التي ينتمي اليها، لأن المنظمات الإسلامية والعربية والسفارات يصعب عليها مراجعة المسؤولين في البلد لمجرد وقوع حادثة تحرش فردية واحدة ونادرة، ولكن في حالة جمع الاحصائيات والبيانات المناسبة التي تثبت تكرر الحادثة ومدى تأثيرها وضررها المعنوي والنفسي والمادي على أفراد الجالية، فإنه يمكن المطالبة بقوة بحقوق الحماية والتدخل لحفظ حقوق ابناء الجالية الإسلامية والعربية والسعودية، وكلمة حق تقال هنا بأن المنظمات الإسلامية والعربية المعروفة في شمال أمريكا لعبت وتلعب جهوداً بارزة في التواصل مع مسؤولي وسياسيي البلد، سواء كندا أو أمريكا، وكل ما تطلبه من الطلاب العرب والمسلمين هو ابلاغها بأية حوادث يتعرضون لها، ليمكنها بناء سجلات وبيانات تسمح لها بالوقوف بقوة في وجه الاعتداءات الظالمة.. في حالة عدم معرفة الطالب بالمنظمات والجمعيات الموثوق بها، يمكنه سؤال الملحقية التعليمية وسيدله المسؤولون بها نحو الصواب إن شاء الله..

أخيراً أعلم بأن لدى الزملاء الطلاب المبتعثين أصحاب الخبرة وكذا لدى مسؤولي السفارات والملحقيات السعودية الكثير من الأفكار والتجارب التي ستفيد أخوتنا الطلاب والمواطنين المقيمين بالدول الغربية في هذه المواقف الصعبة، التي قادت إلى قلقهم وهلعهم وربما تعرضهم للاذى دون ذنب أقترفوه، فما ذكرته أعلاه لا يعدو أن يكون مجرد رؤية تعلمتها من واقع تجربتي الشخصية واحتكاكي بزملائي السعوديين والعرب والمسلمين وغيرهم، أمل أن يكون فيها الفائدة للزملاء المقيمين بالدول الغربية، كما أمل أن يكون فيها ما يطمئن أهالي الطلاب السعوديين المغتربين بأن هناك قوانين وجهات تبذل جهدها في مساعدة أبناءهم في محنتهم الراهنة بما في ذلك الجهات الرسمية في البلد مقر الدراسة.

ونتمنى ألا يكون في هذه المقالة إزعاج لبعض القراء داخل المملكة الذين لا تمسهم ولا تعنيهم تفاصيل كهذه..

حفظ الله الجميع من كل شر وأعاد من هم في الغربة سالمين إلى وطنهم وأهلهم وذويهم.

أضف تعليق