رغم كثرة المنتديات العربية ورغم ما قد يحويه بعضها من فكر يستحق المتابعة إلا أن الملاحظ هو نمطية طريقة التقديم أو الطرح في تلك المنتديات وعدم تطور اساليبها بشكل اصبح يدعو للملل أحياناً، وبالذات في ظل الزخم المعلوماتي المتوفر والذي لم يعد مشجعا لأن يترك احدنا همومه وأعماله لأجل متابعة محاضرة تلقى على الطريقة المدرسية التقليدية، وتخلو من عناصر التشويق والجذب، ويمكن للمتابع ان يجد ما يقال وافضل من معلومات تلك المحاضرة، في وسائل معلوماتية اخرى، ومنتدى أو منتديات الجنادرية لسنا نريد لها ذلك، فرغم اجتهاد القائمين عليها في طرح مواضيع ذات عناوين شيقة وتتناسب مع الاهتمامات الثقافية المحلية والعربية، والحرص في اختيار اسماء لها حضورها البارز في مجال اهتمامها، فإن فعالياتها الثقافية والفكرية للعام المنصرم لم تحظ بالحضور المتوقع، ما دفع البعض الى الاعتقاد بأن ذلك انحسار لاهتمام المثقف المحلي بالنشاط الفكري والثقافي المنبري، ولكنه اعتقاد ثبت في فعاليات أخرى عدم دقته..
إحدى الملاحظات الأولية على منتدى الجنادرية الأخير تتمثل في اختيار المحاضرين وضيوف الندوات، فبالرغم من كون الشعار العام يدعو الى الحوار، وبعض اللقاءات كان نص الحوار بارزا في عنوانها الرئيس، الى ان المبالغة في اختيار شخصيات لها مواقع رسمية تعني بداهة، بأنها لن تتمكن من تقديم الطرح الحيادي ولن تقنع المتلقي بقدرتها على تقديم الجديد، حيث ستظل النظرة لها بأنها مجرد شخصيات تدافع عن المؤسسة المنتمية اليها، وفي بعض اللقاءات التي دعي لها أكثر من متحدث تم اختيار مجموعة متجانسة أو متوافقة في مواقفها الفكرية، مما يعني سلفاً تقليص هامش الحوار، الذي يستوجب وجهات نظر متباينة لا متفقة مع بعضها البعض، وسأضرب هنا مثالين على ذلك، والأمثلة هنا لا تقلل من قيمة من شارك في تلك اللقاءات من الناحية الفكرية والاجتماعية والثقافية، ولا تقلل من أهمية المواضيع التي طرحت، بقدر ما توضح الفكرة التي اريد ايصالها، وهي الخلل في تطوير آلية تنسيق وترتيب اللقاءات..
عقدت ندوة بمسمى الحوار العربي العربي، وكان ضيفها أحد أبرز الشخصيات العربية، ولكن تلك الشخصية تمثل مؤسسة رسمية وبالتالي كان معروفاً سلفاً أنها ستكون في موقف يتطلب منها عدم تجاوز الحدود، بل أن أي كلمة تصدر من تلك الشخصية لن تؤخذ بمعناها الفكري بقدرما تؤخذ بمعناها الرسمي وفي النهاية اضطرت تلك الشخصية الى التنظير حول مفهوم الحوار وعدم التعمق في تحديد الصعوبات التي تعتري الحوار العربي العربي، ومحاولة التعبير بدبلوماسية متحفظة جعلتنا نحصل على بيان نظري متحفظ بدلاً من الحصول على بيان فكري قابل للحوار والاختلاف، والغريب انه لم توجد شخصيات أخرى في ذلك الحوار تناقض وتناقش اطروحات الضيف المحاضر، فكان لزاماً افتقاد المتعة في ذلك اللقاء/ المحاضرة ولا اقول عنها الحوار أو الندوة..
المثال الآخر في طرح موضوع الشورى، فهذا الموضوع جمع له أكثر من متحدث خبير في هذا المجال ولكن مع تقديرنا لهم، كان الجميع متفقاً على مبدأ أهمية نظام الشورى الإسلامي وربما تحديداً على النموذج السعودي في هذا الشأن، وليس المجال هنا الاعتراض على ذلك، ولكن مثل ذلك جعلنا أمام رؤية واحدة تفتقد من يناقشها ويسجل لها حضوراً حوارياً جذاباً، وكان الأجدى لتفعيل الحوار اختيار شخصيات ذات توجهات فكرية أكثر تباينا في رؤيتها حول موضوع الشورى، أو شيء من هذا القبيل، ليكون للحوار هنا متعة، تمكننا الخروج بأفكار اكثر غزارة، لأن الأشياء بضدها تتمايز، وينطبق ذلك على الفكر حيث الأفكار بصفة عامة لا تتوالد دون نقاش واعتراض وتوضيح ودفاع وابراز حجج.. وهذا انطبق على الأمسيات الشعرية واللقاءات الأدبية والثقافية الأخرى.
هناك فن يسمى المناظرة، هذا الفن يغيب تماما عن المنتديات العربية، بل وفي المدارس العربية التعليمية والسياسية، والمناظرة ليست بالضرورة تعني اعلان فشل احد الأطراف ولكنها فن راقٍ في إثراء النقاش وتكثيفه بطريقة جذابة تخلص المنتديات من الحشو والإطناب المبالغ فيه، فلو افترضنا أننا نود طرح قضية ما، فيمكن أن نعطي الطرف المؤيد عشر دقائق لعرض حججه، ثم نعطي المعارض مثل ذلك لبيان حججه، ثم نعطي كل منها خمس دقائق اضافية للرد على الآخر.. هذا يكفي لنقاش القضية وتكثيف الحجج والطرح في كلام مفيد ومختصر، وفي نفس الوقت يوفر إثارة ويشد انتباه الحضور والمتابعين،، ولعل المناظرة الوحيدة الملحوظة في الجنادرية وربما في أمسياتنا، تتمثل في ما يسمى بشعر المحاورة والذي يحظى بحضور طاغٍ، أحيانا ليس لقيمته الفكرية بقدرما هي طريقته الجذابة في الالقاء وتساوي الفرص امام المتحاورين..
أعلم بأن غياب هذا الفن في مدارسنا الثقافية سيجعله صعب التطبيق في البداية، في امة تهوى صناعة الكلام، وتجيد فن الحشو، حتى أننا نجد غالبية المحاضرين العرب يعتبر الساعة أو الساعة والنصف قليلة لالقاء مداخلته، رغم أننا لو جردناها من الزوائد اللفظية والبلاغية لما تطلبت أكثر من ربع ساعة لإلقائها..
اتمنى ان تكون الجنادرية سبّاقة في تبني اسلوب المناظرة الفكرية والثقافية في بعض لقاءاتها القادمة، وان تتم اعادة النظر في كيفية اختيار المحاضرين بطريقة تضمن توفير عناصر التشويق والإثارة الفكرية الثقافية، ليتم جذب المتابعين ولنتمكن من الخروج بإضافات ثقافية وفكرية تستحق ان تسجل باسم المحفل الثقافي الكبير: الجنادرية..
ومادام الموضوع يتعلق بالجنادرية فلعلني أضيف اقتراحات ذات علاقة بالشأن الثقافي في موسم الجنادرية، متمنياً أن لا أكون مثقلاً في الاقتراحات والتعليقات:
* تستضيف الجنادرية كل عام عدداً كبيراً من الضيوف من خارج المملكة، وهذا مشروع يثري الحوار والمعرفة والتعريف ببلادنا، ولكن الملاحظة هي غياب بعض المثقفين والمهتمين السعوديين من بعض مناطق المملكة عن لقاءات الجنادرية،، وعليه اتمنى ان تشمل الدعوات أصحاب الفكر والثقافة والرأي المحليين من خارج منطقة الرياض لحضور هذا المهرجان، وحتى لا نحمّل إدارة المهرجان الثقافي هذا العبء، ربما يكون من المناسب أن تتولى كل منطقة وبالتنسيق مع أنديتها ومؤسساتها الثقافية، ترشيح عدد من رجال الفكر والعلم والثقافة بها ليكونوا ضمن وفودها الرسمية الى الجنادرية، فمن الصعوبة أن يبادر الأديب من شمال المملكة أو جنوبها بتحمل تكاليف السفر بصفة شخصية، ما لم يحظ بدعم جهة رسمية في هذا الشأن، لتشارك عشر شخصيات كل عام من كل منطقة، فتلك المشاركة ليست فقط لاستمتاعهم واستفادتهم، رغم أنه حق لهم، بما يدور في رحاب الجنادرية، ولكن ليكونوا رسلا عن مناطقهم للضيوف المشاركين في المهرجان، ولإبراز التنوع الثقافي الذي تحظى بها بلادنا، بتنوع مناطقها واتساع رقعتها..
* في احدى المقابلات مع أحد المشاركين في الأوبريت الفني المصاحب لفعاليات الجنادرية، اشار الى ان موضوع تقييم أو نقد الأوبريت غير جائز كونه عملاً وطنياً ويلقى في مناسبة وطنية هامة، ومع تقديرنا للمناسبة وقيمتها الوطنية، فإن ذلك يجب ألا يكون عائقاً نحو نقد وتقويم ما يقدم فيها من أعمال،لتطوير احتفاليات ولقاءات الجنادرية ذاتها، ولكي تكون الجنادرية في جميع أوجهها، ساحة للنقاش والتطوير والتفكير في كل ما يخص الثقافة، بما فيها الفنون.. اتمنى أن تتبنى الجهة المنظمة ذاتها تنظيم لقاءات أو ندوات تعنى بتقويم مختلف أعمالها، ونشاطاتها، فعلى سبيل المثال لماذا لا يتم عقد ندوة لمناقشة العمل الفني الرئيسي بالجنادرية، وكيفية السبل لتطويره، وكذا نقده كأي عمل فني آخر، ومثل ذلك في الفن الشعبي والفلكلوري.. ففي المجال الثقافي توجد لجنة لصياغة المقترحات في المجال الثقافي ولكن في المجال الفني والفلكلوري يغيب صوت الفنان ويغيب صوت الناقد المتخصص بشكل كبير..!
* وحيث تبدأ الاستعدادات أو تتواصل للتحضير للمهرجان القادم، نشير الى ان ابرز الأحداث في عامنا الحالي تتمثل محلياً: في الذكرى العشرين لبيعة خادم الحرمين الشريفين؛ عربياً: في الانتفاضة الفلسطينية؛ وعالمياً: في ما حدث في الولايات المتحدة مؤخراً، وعليه نتمنى أن تكون هذه الأحداث ضمن الأجندة والفعاليات الفكرية التي ستحتضنها جنادرية هذا العام، وان تستقطب لمناقشتها شخصيات متميزة تتمكن منإثراء الحوار، وأركز على لفظة الحوار، حولها وحول تداعياتها المختلفة..
مع أمنياتنا بالنجاح لفعاليات الجنادرية وغيرها من الفعاليات الثقافية والفكرية في هذه البلاد، حفظها الله من كل مكروه..