تعاني الخدمات الصحية، بالذات في المدن الرئيسة كالرياض وجدة، من تضخمها عدداً وعدم وفائها بالمتطلبات الصحية نوعاً وربما كماً، والنظرة القائمة هي التوسع في إنشاء مزيد من المؤسسات الصحية خاصة كانت أم حكومية، وعلى المدى القصير بالذات في الجانب الاستثماري تبدو الأمور مشجعة نحو هذا التوجه، ولكنها على المدى البعيد وعلى مستوى الجودة تطرح التساؤل عن ضرورة التعدد هذه، من الناحية الاقتصادية والنوعية، وبالذات حينما تكون المصادر واحدة كما هو حاصل في القطاع الحكومي، الذي بالرغم من كونه يستمد موارده من بيت المال الحكومي إلا انه أصبح ينافس ويكرر بعضه البعض ويهدر في هذا الشأن مئات الملايين من الريالات التي كان يمكن ترشيدها وتوفيرها نحو خدمة أكثر شمولاً وتميزاً عبر منهجية التكامل لا التنافس والشمول لا التخصص… في القطاع الخاص، بدأ يبرز تعاون تفرضه مبادئ الاستثمار، ولكنه تعاون محدود لم يرتق إلى مرحلة الاندماج بين مؤسسات صحية خاصة، لتكوين نماذج عملاقة من المؤسسات الصحية الخاصة..
مقال اليوم ربما يبدو مستغربا طرحه محلياً، في الجانب الصحي، حيث لاتزال النظرة الاقتصادية على المستوى الوطني في الجانب الصحي محدودة، فبدلاً من التركيز على تكلفة الخدمة الصحية للفرد ومحاولة تقليلها، تسير الفلسفة الاقتصادية لدينا نحو التباهي بما تصرفه كل مؤسسة صحية، بشكل مستقل لخدمة مرضاها اللذين قد يكونوا مرضى لقطاع صحي آخر، كما ان المقاييس الشاملة لمخرجات القطاع الصحي لازالت ضعيفة ويتم قياسها بمجرد أعداد المرضى لكل مؤسسة بشكل منفرد عن المؤسسة الأخرى، دون ربط المخرجات بمدى الإنفاق وبمدى الجودة على المستوى الوطني بدلاً من مستوى المؤسسة الصحية الفردية، رغم ان الجميع يتمتع بمصدر دعم واحد، وأخيراً هناك نقص كبير في تحقيق الاحتياجات الصحية الشاملة للمواطن والمقيم والمريض والممارس، فهناك تكرار في خدمات معينة واهمال شامل لخدمات صحية أخرى..
أمام كل ذلك أضيف إلى مطالب سابقة بضرورة التنسيق وايجاد جهاز تنسيقي بين القطاعات الصحية، المطالبة بالتفكير جدياً في قضية الدمج بين المؤسسات الصحية، فيمكن اندماج مراكز صحية خاصة لتشكيل كيانات صحية عملاقة، أو دمج قطاعات صحية حكومية مع بعضها البعض، وهذا منطلق يفرض التفكير فيه التوجهات الاقتصادية والتنظيمية الحديثة في المجالات الصناعية والتجارية والصحية والادارية، ومن منطلق قراءة للتجارب الادارية الاقتصادية الصحية في الدول المتقدمة، التي تبنت فلسفة الدمج كخيار تطويري لخدماتها الصحية، فعلى سبيل المثال أذكر هنا نموذج مركز جامعة مكقيل الصحي بمونتريال بكندا (زيارتي لهذا المركز مؤخراً، هي ما أوحى بطرح هذا المقال) فهو مركز يتميز بضخامته والمتتبع لتطوره يجد أنه تطور عن طريق اندماج خمسة مراكز صحية بمدينة مونتريال سعتها الاجمالية كانت تفوق 1200سرير ويعمل بها حوالي ألف من الاستشاريين وأكثر من 9000موظف ويصرف في غرف العمليات بتلك المستشفيات 400مليون دولار سنوياً، هذه المراكز هي مستشفى الأطفال، مستشفى مونتريال العام، مستشفى مونتريال للأعصاب، مستشفى فيكتوريا الملكي، ومستشفى الصدر بمونتريال.. هذه المستشفيات والمراكز الرابط بينها هو تواجدها بمدينة واحدة وبالتالي خدمة نفس العملاء، وارتباطها بالكليات الطبية بالجامعة كمقرات تدريب وعمل للطلاب والأطباء وأعضاء هيئة التدريس بجامعة مكقيل…
لقد كانت أبرز أهداف الدمج هي تطوير الخدمات المتخصصة، تقليل فترات التنويم، التوسع في برامج عمليات اليوم الواحد والعيادات الخارجية، خلق شبكة من الخدمات يستفيد منها كافة المرضى بالمنطقة، وبالتأكيد الهدف الرئيسي تقليل حجم الفاتورة الصحية عبر التكامل بين الخدمات، بدلاً من التنافس… وبدأت فكرة الدمج المشار إليها بمونتريال، بتكوين فريق عمل مكون من كفاءات طبية، اقتصادية، ادارية، قانونية، وغيرها لدراسة ايجابيات وسلبيات الدمج، تكاليفه، وامكانية تحقيقه.. الخ حيث أوصى ذلك الفريق بايجابية الدمج، بل والحث على المسارعة بتنفيذه، بناءً على الدراسات التي استمرت عامين من البحث والدراسة والاجتماعات، وبعد التوصل إلى رؤية شاملة نحو خطوات الدمج بما في ذلك الأهداف والتعرف على امكانيات المراكز المختلفة المكانية والوظيفية والديموغرافية، وتحديد خطة مالية لعملية الدمج وخطة ادارية نحو توزيع الأدوار الادارية وتعيين مجلس أعلى مشرف على الدمج.. الخ وقد استعان الفريق المشكل لتقييم فرص الدمج بدراسات واستشارات شارك به أكثر من 400خبير محلي وعالمي لغرض تحديد ايجابيات الدمج ووضع خطة عامة للدمج.. وليس لتنفيذه حيث أوكل ذلك إلى مجلس أعلى وجهات قانونية ومالية مستقلة لغرض تقييم الدراسات الأولية واتمام الدمج.. وها هو مركز مكقيل الصحي العملاق (بدأ الدمج عام 1992م) يقف شامخاً بادارة واحدة بدلاً من خمس ادارات، وهيئة طبية واحدة، وجهة توظيفية واحدة، ونظام تدريب موحد، وها هي جامعة مكقيل تنتقل في مجال التعليم الطبي لتصبح واحة من أرقى الجامعات الكندية إن لم تكن العالمية في مجال التعليم الطبي كماً ونوعاً، بفضل هذا الدمج الذي أتاح لها مزيدا من الموارد وأتاح لطلابها وأساتذتها مزيدا من الفرص العملية والتدريبية والبحثية، والأهم من ذلك ان المريض أصبح يتعامل مع مؤسسة صحية واحدة بدلاً من مؤسسات مختلفة…
ليس الهدف من ذكر المثال أعلاه استعراض معلومات، ولكن للتدليل على ايجابية الدمج وامكانيته بناء على تجارب مطبقة في العالم الآخر، تجارب يمكن الاستفادة منها والانطلاق من حيث انتهى الآخرون، كما انها تجربة تشير إلى ان قضية الدمج تعني عملا اداريا منظما قد يستمر سنوات، مما يستوجب النظر للمستقبل وليس فقط للوقت الراهن عند مناقشة قضية الدمج المقترحة هذه…
محلياً ورغم ان الدمج المقترح ليس محصوراً على قطاع واحد، فيمكن البدء بالنظر في المراكز أو المستشفيات التابعة لوزارة الصحة وحدها في مدينة الرياض، كونها تتبع نظاما اداريا واحدا، لن يعيق اندماجها، متى أردنا ذلك، سنجد أكثر من مستشفى عام، مستشفى الأمراض الصدرية، مستشفى الصحة النفسية، مستشفى النساء والولادة، مستشفى النقاهة.. وغيرها، هذه المستشفيات تعاني جميعها من نقص الكوادر الصحية، سوء المنشآت المكانية، ضعف الكوادر الادارية، ضعف التنظيم الاداري، وفي النهاية جميعها تعنى بمريض واحد (حسب حالته الصحية)، فلماذا لا تدمج جميعها في مركز أو مجمع أو مدينة إن أحببنا المسميات الفخمة، ليس بالضرورة أن تجمع جميعها في مكان واحد، فالمكان ليس عائقاً في جمعها، لأنها تقع في مدينة واحدة، وبالامكان ايجاد وسيلة مواصلة مستمرة فيما بينها، للمرضى والموظفين.. ورغم ذلك فالمكان جاهز ان أردنا وضعها في مكان واحد، أو وضع غالبيتها في مكان واحد، مدينة الملك فهد الطبية جاهزة مقراتها منذ سنوات فلماذا لا تجمع بعض المراكز الطبية بها؟ لماذا لا نعترف بعدم قدرتنا على تشغيل مدينة أو مستشفيات جديدة ونركز على تطوير القائمة.. لماذا لا نفكر على المدى البعيد وبالذات في الجانب الاقتصادي والتنظيمي، لماذا لا يكون لدينا مقر تدريبي وتعليمي مساند للمستشفيات الجامعية عملاق يسهم في تطوير الكفاءات الطبية..؟
كلية الطب بجامعة الملك سعود تحتج بعدم قبول مزيد من الطلاب بسبب نقص الأماكن التدريبية ونقص الأطباء، لماذا لا تقدم على خطوة مثل تلك التي أقدمت عليها جامعة مكقيل؟ لماذا لا يضم مستشفى النساء والولادة، مستشفى النقاهة، وغيرها من المستشفيات إلى المركز الجامعي الطبي؟ جميعها مستشفيات ومراكز حكومية، نظامها التوظيفي متقارب كثيراً، وبعض أعضاء هيئة التدريس يعمل في أكثر من مركز منها… فبدلاً من وجود قسم نساء وولادة بكل مستشفى يصبح لدينا قسم أو مستشفى أو مركز عملاق، وبدلاً من أن يكون لدينا عدة أقسام علاج طبيعي يصبح لدينا مستشفى أو مركز تأهيل واحد عملاق يخدم الجميع. وبدلاً من أن يوجد لدينا عشرة أجهزة رنين مغناطيسي يصبح لدينا أربعة أو خمسة تخدم الجميع، وبدلاً من أن يكرر المريض الفحوصات في كل مركز ومستشفى يذهب إليه يكون لدينا مركز واحد يخفف عنه هذا العبء..
القطاع الخاص وهو الذي يتبنى المبادرات الاقتصادية عادة، لماذا لا تفكر بعض المراكز الصحية الخاصة في الاندماج وتكوين شركات أو مراكز عملاقة، تقلل التكاليف الاقتصادية وتزيد أرباح تلك المراكز بزيادة الجودة واستقطاب العملاء، لماذا اصبحت المستوصفات والمراكز الصحية كالبقالات في كل شارع اثنين أو ثلاثة منها، وجميعها تقدم خدمات متواضعة، وتشكل قلقاً وهماً كبيرا في مراقبتها ومتابعتها..؟
ان اقتراح الدمج، الذي لا نحصره في الأمثلة أعلاه، لا يهدف إلى تقليل الخدمات الصحية المقدمة للمريض وتقليل فرص المواطن في الحصول على الخدمة الصحية، ولكنه يعني تقليل الهدر الاقتصادي المتمثل في التكرار، ويعني تطوير نوعية الخدمات الصحية نحو نموذج التكامل، ولتصبح مراكزنا الطبية عملاقة متميزة بدلاً من التكرار والضعف الذي يعتري بعضها، وبدلاً من التنافس في مجالات صحية محصورة والتخلي عن تقديم خدمات أخرى نحن بحاجة إليها، وفي النهاية لتبقى السعة الحقيقية بعد الغاء التكرار متناسبة مع الحاجة الفعلية، والتي اعتقد ان لدينا ما يكفي من المنشآت لتغطيتها متى طورنا نظمنا الادارية والاقتصادية الصحية..
خيار الدمج هذا أطرحه هنا للنقاش، وأرى بأن له ايجابيات مستقبلية كثيرة، وأتمنى ان تتم دراسته من قبل الجهات الصحية والمالية والاقتصادية بالدولة، كأحد الحلول الممكنة لتقليل حجم الفاتورة الصحية المحلية وتطوير الأداء الاداري بالمراكز الصحية، وللارتقاء بمخرجات التعليم الصحي والطبي وللوفاء بتقديم خدمات صحية تتميز بالجودة والوفاء بمتطلبات المرضى والتي قد يكون أحدها ايجاد مركز واحد يمكن للمريض التعامل معه.. ولنجرب البحث عن وسائل ادارية واقتصادية وتنظيمية تتجاوز مجرد التوسع في المنشآت والتجهيزات كوسائل للتطوير..
مع دعواتي للجميع بالصحة والسلامة.