لنبدأ المقال على غير المعتاد بسرد سلسلة أرقام نختصر بها واقع الصحة العامة في بلادنا، مع ثقتي بقدرتكم على التمعن والتدقيق في الأرقام:
85% (خمسةوثمانون بالمائة) من أطفال المدارس يعانون من تسوس الأسنان.
40% (أربعون بالمائة) من طالبات المدارس في عمر 18سنة مصابات بفقر الدم.
23% (ثلاثة وعشرون بالمائة) ما بين 30و 70سنة مصابون بمرض السكر.
15% (خمسة عشر بالمائة) من السكان لديهم القابلية للرصابة بمرض السكر.
30% (ثلاثون بالمائة) من الطلاب والطالبات يعانون من ارتفاع في نسبة الكلسترول.
52% (اثنان وخمسون بالمائة) من الطالبات يذهبن للمدرسة دون تناول طعام الإفطار.
35% (خمسة وثلاثون بالمائة) من السكان يعانون من زيادة في الوزن.
51% (واحد وخمسون بالمائة) من مرضى الشرايين بالقلب لديهم مرض السكر.
25% (خمسة وعشرون بالمائة) من السكان يعانون من ارتفاع ضغط الدم.
55% (خمسة وخمسون بالمائة) من السكان لديهم ارتفاع في نسبة الكلسترول.
هذه الأرقام أعلاه ليست خيالية وليست تنطبق على دولة افريقية أو أمريكية جنوبية أو آسيوية وإنما تنطبق على بلادنا، ومصدرها الدكاتره: منصور النزهة، سليمان الشهري، وتوفيق خوجه، وقد أوردتها جريدة الرياض في ندوتها الأسبوعية والتي كانت بعنوان “صحة الأسرة السعودية كيف الحال؟!” في عددها الصادر بتاريخ 2001/10/2م، وبدا لي بأنه تم تقبلها بشكل طبيعي، فهل تعتبر أرقاماً طبيعية؟ هل هذه النسب مماثلة لما هو موجود في دول العالم المماثلة لنا في التقدم التنموي والاقتصادي؟ هل لدينا وضوح في الرؤية حول أخطار هذه الأمراض المستقبلية والآنية على الاقتصاد والإنتاج والمجتمع؟ وهل قادتنا تلك الرؤية إلى وضع استراتيجية وقائية مناسبة لذلك؟
اعتقد انني في غنى عن الشرح العلمي لمسببات أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم وفقر الدم وكذلك ما تقود إليه العادات الغذائية والصفات المرضية كعدم توازن الغذاء وارتفاع نسبة الكلسترول والسمنة والتدخين وغيرها مما ذكر أعلاه، ولكن المؤكد أن أفضل علاج أشارت المراجع العلمية والأبحاث العلمية إلى نجاحه علمياً واقتصادياً واجتماعياً، يكمن في اتباع سبل الوقاية السليمة وتجنب الاضرار والمسببات لذلك، وأول طرق الوقاية هي في التثقيف الصحي وفي اتباع عادات غذائية ومعيشية سليمة، وهذا ما فطنت إليه كثير من الدول، ونورد بعضا من تجارب تلك الدول بعيداً عن المقارنات التي وضعها طيب الذكر، تقرير منظمة الصحة العالمية، بيننا وبين تلك الدول، وفيها طابت خواطرنا بالمركز 26ضمن دول العالم في المجال الصحي..!
* في سنغافورة شكلت في العام 1991م لجنة وطنية لمراجعة النظام الصحي، وكانت أبرز توصياتها ضرورة التركيز على برامج الوقاية، وفي العام 1991م تم تبني برنامج قومي يعنى بتنمية مستوى أنماط المعيشة لدى شعب سنغافورة وبالذات في الجوانب التي أثبتت علاقتها بالأمراض مثل التغذية والرياضة والتقليل أو الامتناع عن التدخين وتم تبني البرنامج على مستوى وطني عبر الإعلام والمدارس والحملات التثقيفية المنظمة، فماذا كانت النتيجة؟ بعد ستة أعوام ما بين 1993م و1998م ظهرت بعض النتائج والتي تذكر منها انخفاض نسبة التدخين من 33.5% إلى 36.5% ضمن سكان سنغافورة، وزيادة نسبة الممارسين للأنشطة الرياضية أو البدنية من 13.6% إلى 16.9% ولنا أن نتصور مدى تأثير ذلك على معدلات انتشار بعض الأمراض كأمراض القلب والمفاصل وارتفاع ضغط الدم لما هو ثابت علمياً من علاقة تلك الأمراض بالتدخين والرياضة..
* في فنلندا طبقت استراتيجية وقائية أيضاً هدفت إلى التقليل من التدخين وزيادة النشاط الرياضي وتطوير السلوكيات الغذائية وبين العامين 1972م و2199م كانت النتائج : انخفاض نسبة المصابين بارتفاع نسبة الكلسترول بنسبة 16% وتناقص إقبال السكان على شرب الحليب الكامل الدسم والتوجه نحو شرب الحليب خفيف أو منزوع الدسم من نسبة 70% إلى 14%، كموشر لتحسن العادات والوعي الغذائي.
* في دولة موريشيوس (التي لست متأكدا من كتابتي الصحيحة لاسمها) وخلال خمس سنوات من تطبيق برنامج وطني وقائي انخفضت نسبة الكلسترول من 5.5مل إلى 4.7مل ما بين 1987و1992م لدى من تم فحصهم، مع ملاحظة تميز برنامج موريشيوس بإلغاء أو التقليل من استيراد الزيوت الحيوانية والتركيز على الزيوت النباتية المحلية، كدليل على تكامل البرنامج في جوانبه التجارية والصحية والتوعوية..
* في الولايات المتحدة ازداد عدد الممارسين للرياضة ثلاث مرات أو أكثر أسبوعياً من 15% إلى 23% ما بين الأعوام 1992و1997م نتيجة التركيز الإعلامي والتوعية بأهمية الرياضة والنشاط البدني.
* في انجلترا تم التمكن من خفض نسبة المدخنين من 31% إلى 24% ما بين الأعوام 1992و1999م نتيجة السياسات الحكومية المتبعة في هذا الشأن، كسياسة رفع أسعار السجائر ومنع بيعها لصغار السن..
ماذا تعني الأرقام أعلاه؟
ببساطة هي تعني في إدراك الكثير من الدول بخطورة المشكلة وبأن الوقاية هي أفضل السبل العلاجية لكثير من هذه الأمراض، وبأن ليس هناك شيء يستحيل تطويره بما في ذلك عادات وسلوكيات الناس الصحية والغذائية والبدنية، لما لها من دور حيوي في الوقاية، فأين نحن من ذلك؟ ألم يحن الأوان للالتفات للصحة العامة والعمل على تطوير مفاهيم وأساليب معيشية صحية سليمة؟
شهدت بلادنا خلال العقود الماضية تغيرات اقتصادية وبيئية كبيرة، صاحبها بلاشك ظهور انماط معيشية تتنافى مع المثل الصحية السليمة، كالأنماط السلبية في الغذاء والحركة والنظافة الشخصية والتدخين بأنواعه، وغيرها وهي أنماط تلعب الدور الأكبر لما نحصده وسنحصده مستقبلاً من أمراض القلب والجلطات الدماغية والسكر والمفاصل وغيرها مما خفي من أمراض نفسية وثانوية، وبناءً على تجارب الآخرين وبناء على نتائج البحث العلمي فإن الوقاية والتوعية هي الحل الأمثل للتقليل من الآثار الصحية السلبية التي تحدثها تلك العادات، وهي الحل الأمثل لتقليل الخسائر الاقتصادية سواء ما كان منها في العلاج أو ما كان في ازدياد نسبة العجز والوفاة المبكرة وغير ذلك، وعليه فإننا نطالب بسرعة المبادرة من قبل الجهات الصحية بوضع استراتيجية واضحة في هذا الشأن وتبنيها على أعلى المستويات الإعلامية والتعليمية والاجتماعية، نطالب بأن تتبنى الجهات المشتغلة بالصحة العامة إدخال مثل تلك البرامج الوقائية ضمن مفاهيم الوعي الاجتماعي والتربوي العام بالتنسيق مع الجهات الإعلامية والتعليمية والشبابية والاجتماعية المختلفة، فصحتنا ومستقبلنا الصحي تستحق اطلاق برنامج وطني لتطوير مفاهيم معيشية تسهم في التقليل من حدة الأمراض وزيادتها لدى الأجيال الحالية والمستقبلية..
أسئلة
تناقص عدد الأطباء في وزارة الصحة منذ عام 1415هـ حتى عام 1419هـ بواقع 690طبيباً، كما تناقص عدد الصيادلة في نفس الفترة بواقع 84صيدليا، وفي نفس الوقت ازدادت مستشفيات وزارة الصحة من 175مستشفى إلى 186مستشفى، أي بواقع 11مستشفى، وذلك حسب ما ورد بالتقرير الصحي السنوي في بابه الثاني جدول رقم 2ـ 5وجدول رقم 2ـ 16.فماذا يعني ذلك؟
هل هناك خلل توظيفي/ إداري في وزارة الصحة أدى إلى هذا التدني في التوظيف؟ وهل يعني ذلك سلبية مؤشرات التقدم الصحي المعتمدة على نسبة الأطباء والصيادلة للأسرة أو للمرضى، خلال الأعوام الخمسة الأخيرة؟
في موضوع الصحة العامة: ترى كم عدد المتخصصين في مجال الصحة العامة وصحة المجتمع الذين استقبطتهم ودربتهم وزارة الصحة والذين يمكنهم القيام برسم برنامج وقائي وتثقيفي صحي وطني ذي أسس واستراتيجية علمية وعملية واضحة؟
وفي التقرير الصحي أيضاً وفي الجدول 2ـ 21نطالع بعض المؤشرات الصحية لكل منطقة ونلحظ نسبة الأطباء لعدد الأسرة ونسبة التمريض للأطباء فنجد بأن نسبة الأطباء لكل مائة سرير بمنطقة القصيم هي 41.9بينما هي في الحدود الشمالية فقط 21.1طبيباً لكل مائة سرير وفي جدة هي 40.6بينما هي في الرياض 35.8وفي الجوف هي 29.1طبيباً لكل مائة سرير، كما أن نسبة التمريض إلى الأطباء في الطائف هي 334.4وفي القصيم هي فقط 267ممرضة مقابل كل مائة طبيب… وأيضاً السؤال : ماذا يعني ذلك؟ ألا تشير هذه الأرقام إلى عدم تساوي نوعية الخدمة الصحية المقدمة في المناطق المختلفة رغم إشراف جهة واحدة، وزارة الصحة، عليها؟ لماذا هذا التباين بين منطقة وأخرى في مجال القوى الصحية كالأطباء والتمريض؟ مع ملاحظة أننا لم نخض في تفاصيل نوعية وكمية الخدمات الصحية بكل منطقة بناء على كثافتها السكانية وبيئتها السكانية والجغرافية، فهذا موضوع آخر يحتاج تمحيصا وتفصيلا أكثر..
تعقيب
موضوع “النظام الإداري الصحي: هل تجاوز الستينات” أثار ردود فعل متباينة يستحق بعضها العرض، ولتعدد وجدية بعض تلك الردود أعدكم بالعودة للموضوع بعد عيد الفطر إن شاء الله، مع الشكر والتقدير للجميع وكل عام وأنتم بخير.