في مقال سابق أشرت تلميحاً إلى التنافس أو الصراع الدائر بين مستشفى الملك فيصل التخصصي بجدة (ونشير إليه بالتخصصي في بقية أجزاء المقال) ومستشفيات القطاع الخاص بنفس المنطقة، ولم أكن متحمساً للدخول في تفاصيل ذلك التنافس، على اعتباره تنافسا سيتم الالتفات إليه وايجاد صيغة عملية تنصف جميع الأطراف المعنية في هذا الموضوع. من قبل الجهات المعنية كوزارة الصحة، ولكن ما يدعوني للعودة إلى الموضوع هو تناول العديد من الكتاب لهذا الموضوع بطريقة ثنائية بحتة، فإما الوقوف في صف التخصصي أو ضد التخصصي، أو في صف القطاع الخاص أو ضد القطاع الخاص، على طريقة ثنائية سيدة القوة العالمية، في حربها مع الإرهاب، وهذا ما لا أود أن أسلكه في هذا المقال ولا يعجبني أن ألبس حذاء هذا أو ذاك، ولكنني سأعرض مواقف الطرفين كما فهمتها وقد يكون هناك أمور خافية أو غير قابلة للبوح، نطلب من أصحاب الشأن ايضاحها، حتى لا نكون سببا في التجني على طرف دون الآخر..
تعود القطاع الصحي الخاص بجدة أن يكون سيد الساحة طيلة سنوات عديدة، وأصبح يتمتع بنفوذ تعجز أحياناً حتى الجهات الإشرافية على ضبطه بالشكل الملائم، وبشكل يكاد يفوق ما هو موجود في المناطق الأخرى (على سبيل المثال يوجد بالرياض 31مستشفى تابعا لوزارة الصحة، بينما يوجد في جدة 12مستشفى فقط كمثال على ضعف القطاع الصحي الحكومي بجدة) ورغم توجه بعض القطاعات الصحية الحكومية في الأعوام الأخيرة لتطوير خدماتها بمنطقة جدة، إلا أن ذلك لم يبرز الشكوى لأن تلك القطاعات تقدم إما خدمات موازية أو دون مستوى ما يقدمه القطاع الخاص أو انها تقدم خدمات لفئات معينة كالقطاع العسكري، وبالتالي فمنافستها للقطاع الخاص تظل محدودة، ولكن التخصصي أخيراً طل وغلب الكل، كما يقول المثل، بتقديمه خدمة متميزة ومتاحة للجميع، كما يدعي وفق أسس تجارية، وهذا ما جعلنا نصفق لذلك فنحن من دعاة تقديم الخدمة الصحية المتميزة للمواطن وبشكل عادل ونحن ضد الجشع المادي على حساب المرضى، ولكن بالنسبة للقطاع الصحي الخاص، يعني ذلك بأن التخصصي لم يعد في نظر القطاع الخاص مجرد مستشفى حكومي من حق الحكومة أن تعالج فيه من تشاء ولكن مستشفى منافس لهم، فماذا يغضب القطاع الخاص الصحي في ذلك؟ ولماذا لا يكون التنافس الميداني هو الفيصل؟
هنا يأتي الوجه الآخر للمستشفى التخصصي، ألا وهو تبنيه تقديم الخدمة الصحية نظير تكلفة متدنية لا تعادل التكلفة الحقيقية لتقديم الخدمة الصحية، وكأنه لم يكتف بجودة الخدمة التي يشهد له بها الكثيرون ولم يكتف بتميزه بتخصصات لا يستطيع الآخرون منافسته فيها، بل أضاف إلى ذلك تقديم خدمات دون تكلفتها الحقيقية، لأن الأسس التجارية التي يدعيها التخصصي لا تعني أكثر من زيادة موارده على ما يتوفر له من ميزانية رسمية، وفي هذه الحالة لا تقلقه مواضيع الربح والخسارة وفق المفهوم التجاري، مادام ما سيحصل عليه من مقابل مادي نظير تقديم الخدمة هو مجرد رمز إضافي لدخله العام الذي توفره الدولة.. وهنا يكون من الطبيعي أن يتجه المريض نحو الجودة المصحوبة بالتكلفة المتواضعة أو التكلفة المدعومة مباشرة من قبل الدولة..
اضافة إلى ذلك فإن المستشفيات الخاصة بدأت تعتمد على قطاع التأمين الصحي في تعاملاتها وتبني آمالا كثيرة على موضوع إقرار التأمين التعاوني الصحي المفترض تطبيقه في القريب العاجل، ولكن المستشفى التخصصي دخل أيضاً على خط التأمين الصحي ونتيجة تكامل تخصصاته واستقراره المالي والاداري المعتاد، كمستشفى يتوفر له غطاء حكومي، كان وسيكون له قصب السبق في استقطاب الجهات المعنية بالتأمين، وهذا من حقها أن تبحث عن الأفضل وربما الأوفر مادياً، وهنا شكوى القطاع الخاص الثانية تأتي في كون التخصصي وهو يدعي عدم علاج الأجانب، أصبح يعالج الأجانب من الباب الخلفي عن طريق الالتزام بعقود تأمينية كثير منها يغطي الأجانب أكثر من المواطنين..
هنا تختلف وجهات النظر فالمستشفى التخصصي يرى أحقيته بزيادة موارده وبالاستثمار الذاتي ومن حقه التعاون مع شركات التأمين التي تفرض عليه شروطاً لا يمكنه التنازل عنها، بما فيها عدم التمييز في العلاج بين مواطن وأجنبي منضو تحت عقد التأمين، كما أنه لا يوجد نظام يمنع من القيام بذلك، بل ان النظام وعن طريق إقرار عمل الأطباء خارج عياداتهم الحكومية يتيح ويشجع مثل هذا العمل الاضافي الذي يقوم به التخصصي، بينما يرى أرباب القطاع الخاص بأنه ينافسهم بطرق غير عادلة أبرزها الدعم الحكومي الذي يتلقاه ويسمح له توفير الخدمة الخاصة دون تكلفتها الحقيقية هي طرق ستجعلهم خاسرين حتماً أمامه، وتجعلهم قلقين من توجه القطاع الحكومي الصحي بصفة عامة في منافستهم بهذه الطريقة التي لا يرون عدالتها ومخالفتها للتوجه العام بدعم القطاع الخاص وبالذات الصحي منه… ولا نغفل بأنه ووفق نظرية التنافس والتراشق بين المتنافسين تأتي اتهامات أخرى بأن هذا الطرف قام بخطف موظفي الطرف الآخر أو بأن هذا الطرف استقطب أعضاء هيئة التدريس على حساب الطرف الآخر، أو بأن هذا الطرف يعطي امتيازات تفوق ما يعطيه الطرف الآخر لأطبائه وموظفيه، وهي اتهامات ليس يعنيني تتبعها بشكل مفصل بقدر ما أشير إليها والتأكيد بأنه ينطبق عليها المثل بأنه لا دخان يعلو دون نار موقدة في أسفله..
لا نريد أن نخطئ طرفا دون الآخر، فنحن نتمنى أن يستفيد أكبر قدر ممكن من أبناء هذا البلد من خدمات مستشفى الملك فيصل التخصصي ونستنكر المبالغات التي يفرضها القطاع الخاص في فواتير العلاج وقد تصل إلى الجشع نظير خدمات دون المستوى المأمول، ولكننا في نفس الوقت لا نريد أن نلغي أسس التنافس العادل والشريف بين اللاعبين في القطاع الصحي ولا نريد أن نضع أنفسنا في موقف متناقض حين ندعم القطاع الخاص ثم نشجع على خسارته، ولا نريد أن يتحول التخصصي أو سواه ليكون محتكراً للخدمات الصحية المتميزة، فكيف يمكن تحقيق مثل هذه المعادلة؟ ومن هي الجهة القادرة على فرض تنظيم أو معادلة للحل يمكن تطبيقها والالتزام بها، في ظل سوق ليس له شيخ يقوده ويفرض عليه ايقاعا متناغما من التنسيق والاتزان..؟
الحل لست أنا من يفرضه ولكنني معني بالإشارة إلى جذور القضية، وهي جذور طالما أشرنا إليها بشكل أو بآخر ونراها السبب في مشكلات كثيرة تتعلق بالخدمات الصحية على وجه العموم ويمكن اختصارها بغياب الجهة القيادية قولاً وفعلاً لمنظومة العمل الصحي ببلادنا، وبالتالي فإن الحلول المطلوبة لن يقدمها التخصصي ولن يقدمها القطاع الخاص ولن يقدمها المستشفى التعليمي، بل تقدمها جهة عامة تقود النظام الصحي، بمعنى آخر إشكالية العلاقة بين مستشفى الملك فيصل التخصصي ومستشفيات القطاع الصحي الخاص بجدة، عبارة عن استمرار ونتيجة لنوعية العلاقات غير السوية بين مختلف القطاعات الصحية في بلادنا، وهي علاقات تولدت عبر تراكمات وخلفيات سلبية عديدة، لا نشير فيها إلى شخص معين، ولكننا لا ننكر أنها ازدادت بروزاً نتيجة لاختلاف الأمزجة والتوجهات والرؤى الشخصية التي تتسم بها القيادات الصحية ببلادنا، فمن ذا يا ترى يستطيع فرض علاقة عملية تراتبية متميزة بين القطاعات الصحية؟
القطاعات الصحية الحكومية مثل القطاع الصحي بالحرس الوطني ومستشفى الملك فيصل التخصصي والقطاع الصحي العسكري، يحظى بدعم مستقل ومتميز ويسبق قطاع وزارة الصحة بخطوات عديدة في مجال التنظيم والجودة والخدمة، وبالتالي فمن يجبره على التنازل، والتخلي عن التفرد بالقرار وحتى الحوار مع الجهة الأضعف وزارة الصحة..
المستشفيات الجامعية منذ زمن تخلت عن أدوار القيادة، ويكفيها احتضان قاعات الدرس للكليات الطبية، والعمل كبوابة تحويلية للقطاع الخاص..
وزارة الصحة يفترض نظرياً أن تكون القائد للقطاع الصحي بصفة عامة، ولكنها تعاني من صعوبات جمة ادارية وتنظيمية ومالية، حتى وإن تظاهر القائمون عليها بعدم الاعتراف بما يصيبها من وهن، وتمسكوا بمظهر القائد للقطاع الصحي فإن الوقائع تقول بأن سلطات وزارة الصحة لا يمكن فرضها على القطاعات الصحية الأخرى، وبأنها تفتقد الاستراتيجية المقنعة لتفعيل دورها القيادي لمنظومة العمل الصحي ببلادنا..
أما القطاع الخاص وهو يتنامى ويتحول إلى ضلع رئيسي في المعادلة الصحية، فهو ينقسم إلى قسمين، القسم الضعيف وهو عرضة لتطبيق القرارات والجزاءات وإبراز عضلات وزارة الصحة، والقسم الآخر المعروف شعبياً (بالهوامير) من فئة الخمسة نجوم وهؤلاء لا يعترفون بوزارة الصحة كجهة رقابية سوى في بعض الأمور الهامشية والشكلية..
أمام هذه العلاقة غير السوية بين القطاعات الصحية، تكبر المشاكل وتتضخم وتحول الميدان الصحي إلى حراج كل يعمل فيه ما بدا له، والمعيار الرئيسي هو اعمل ما بدا لك فالقاعدة التنظيمية الصحية أصبحت معكوسة لدينا بحيث يتم التطبيق قبل صدور القانون أو التنظيم ليأتي القانون ملزماً بمراعاة ما هو قائم في السوق، فنظام عمل الأطباء خارج أوقات الدوام الرسمي بمقابل في مستشفياتهم، بدأ قبل صدور اللائحة ولم تجد اللائحة بداً من تفصيل مفرداتها لتبرر ما هو قائم بأرض الواقع بغض النظر عن مثاليته، وها هو سوق التأمين الصحي يزدهر على مستوى القطاع الخاص والحكومي معاً، قبل أن تصدر نظمه الرسمية، وحين تصدر لائحة التأمين أو الضمان الصحي لن تكون أكثر من مجرد غطاء يبرر ما هو قائم من ممارسات، وسيضطر القائمون عليها من تقبل الممارسات القائمة حالياً بغض النظر عن مثاليتها لأنها أصبحت سلوكيات ليس لدى وزارة الصحة كقائد للقطاع الصحي القدرة على ضبطها وترتيبها، وهذا ما حدث في مجال تقديم التخصصي للخدمة الطبية وفق أسس شبه تجارية، وهذا ما حدث حينما ترك الباب مفتوحاً للقطاع الصحي الخاص لفرض ايقاعه المتسم بالشجع…
أعلم بأنني ربما لم أشبع رغبة البعض بتقديم حلول جاهزة لحل الإشكالية بين التخصصي والقطاع الخاص فالحل كما ترون بيد جهة رقابية أو تنظيمية ما.. حالياً يدعى أنها وزارة الصحة، ومستقبلاً قد تكون مجلسا أعلى للخدمات الصحية.. جهة تتولى ايجاد معايير أكثر وضوحاً في مجال تقديم القطاع الحكومي للخدمات الصحية بمقابل مادي.. ولست أدري هل يكون من ضمن الحلول وضع حدودا دنيا أو عليا لتسعيرة الخدمة الصحية تلتزم بها جميع القطاعات الصحية الخاصة والحكومية، وبالتالي نضمن حدودا مقبولة من التنافس وكذا حدود منطقية من الربح والمكسب؟ والمكسب هنا ليس فقط للقطاع الخاص بل حتى القطاع الحكومي الذي يفترض أن نشجعه على استثمار موارده بشكل أفضل من مجرد شبه المجان.. هل تحدد تخصصات بذاتها يسمح للقطاع الحكومي بالاستثمار فيها على المستوى التجاري؟ هل تحدد معايير تقنن قضية التوظيف في مختلف القطاعات لتبعدها عن التنافس الذي نلحظه يخرج عن مساره المثالي، لدى بعض الجهات الصحية خاصة كانت أم حكومية..؟
دعواتي للجميع بالصحة والسلامة