في الكتابة هنا تعتريني لحظات سعادة عديدة، أولاها عند الانتهاء من كتابة المقال، وإرساله للجريدة؛ وثانيها عندما ينشر المقال وأعيد قراءته كأنها المرة الأولى؛ وثالثها عندما يشعرني الآخرون بقراءة ما أكتبه؛ ورابعها عندما يأت تعقيب أو ملاحظة تجاه ما اكتبه؛ وخامسها عندما أجد بأن فكرة المقال أو بعض مما ورد فيه يتم تطبيقه أو السعي نحو تنفيذه، وأنا أعلن هنا عن لحظات السعادة والسرور وربما الغرور الذي يعتري الكاتب في لحظات الضعف الكتابية أشير إلى أن محرك هذا الإعلان هو تبني وموافقة بعض الجهات على ما طرحته من أفكار، وحتى لا أتمادى في الغرور فإن ذلك لا يفهم منه ادعائي بأن الآخرين قرأوا مقالاتي وتبنوا ما جاء بها حرفيا، بقدر ما يعني توافق توجهاتهم مع ما طرحته، وأكتفي من ذلك شهادة بأن بعض ما طرحته قابل للنقاش وربما التطبيق مستقبلاً..
في بداية شهر رمضان المبارك صدر عن مجلس الشورى تبنيه عدة قرارات متعلقة بالتعليم العالي (1)، ومع تحفظي على أن المجلس لا يملك حق الإقرار بقدر ما يملك حق التوصية وإصدار المشورة، فإن البيان أشار إلى إقرار تحويل فروع الجامعات إلى جامعات مستقلة وتبني نظام تقويم برامج التعليم العالي، وتعديل رواتب أعضاء هيئة التدريس، وهي جميعا مواضيع سبق أن أفردت لها مقالات مفصلة (باستثناء موضوع رواتب أعضاء هيئة التدريس) وهذا ما جعلني أتباهي بإيجابية بعض الأفكار التي طرحتها، بدليل اتفاق وليس بالضرورة تبني، أو قراءة أعضاء مجلس الشورى الموقر أو وزارة التعليم العالي، لبعض ما طرحته من آراء في التعليم العالي. لن أكرر ما طرحته سابقا هنا بقدرما أبث هنا بعض الملاحظات السريعة حول تلك القرارات..
في قضية دمج فروع الجامعات وتطوير ذلك إلى فروع مستقلة، يجب الإسراع في تحديد معايير واضحة لذلك حيث الملاحظة هي إهمال الجامعات الرئيسية للفروع وبالذات في ظل الشعور الإداري بأن تلك الفروع ستنسلخ مستقبلا عن الجامعة الرئيسية، ورأينا تجربة جامعة الملك خالد وكيف أن مقرات جامعتي الملك سعود والإمام محمد بن سعود شبه مكتملة ومتميزة بالفخامة، بينما فروعها التي تحولت إلى جامعة لا زالت المباني المستأجرة مقرات لها، وذلك بسبب عدم عناية الجامعتين الرئيسيتين بالرياض بفروعهما بأبها، وأخشى أن يكون الوضع مماثلا بالنسبة لفرع جامعة الملك عبدالعزيز بالمدينة المنورة وفرع جامعة الملك فيصل بالدمام وفرع جامعة أم القرى بالطائف… وعليه كنت أتمنى أن يتمّ مع مطلع ميزانية هذا العام استقلالية ميزانيات الفروع الجامعية عن الجامعات الأم وكذا التمهيد لاستقلالية ميزانيات الفروع الجامعية عن الجامعات الأم وكذا التمهيد لاستقلالية الكادر الإداري بالفرع عن المقر الرئيسي، تمهيدا لتكوين الجامعات الجديدة، فنحن لا نملك اتهام إدارات الجامعات القائمة بسلب الفروع حقوقها النظامية ولكن الواقع يشير إلى أن الممارسة اليومية تحوي شيئاً من الإهمال الذي يجب الالتفات له سواء استقلت تلك الفروع قريبا أم لم تستقل، وفي حالة تحويل الفروع إلى جامعات جديدة فيجب ألا يكتفى بفصل المقرات والوظائف بل يجب توزيع حتى الموارد غير الرسمية مثل موارد صندوق الطلاب (إحدى الجامعات استأثرت بموارد صندوق الطلاب حين انفصال الفرع عنها رغم أن طلاب الفرع الجامعي مساهمين في موارد ذلك الصندوق)، وملاحظتي أو قلقي حوار قرار/ توصية مجلس الشورى، هو إسهام القرار في زيادة الإهمال لفروع الجامعات، حيث أن الشعور العام لدى إدارات الجامعات سيتعمق بأن الفروع مجرد ملحقات مؤقتة سيتم التخلص منها قريبا، فلماذا بذل الجهدل نحو تطويرها…؟ القضية الثانية في موضوع تحويل الفروع إلى جامعات جديدة، هي لماذا فقط فروع الجامعات؟ لماذا لا يشمل تكوين الجامعات الجديدة دمج حتى كليات التعليم العالي غير التابعة للجامعات ككليات وزارة المعارف ووزارة الصحة وكليات البنات وغيرها في كل منطقة لا يوجد بها جامعة، مع الفرع أو الفروع الجامعية لتشكيل نواة للجامعات الجديدة؟ لقد كتبت عن ذلك بأنه يوجد لدينا أكثر من ثماني جامعات (2). وأشرت إلى الكليات المختلفة التابعة للقطاعات المختلفة وامكانية إلحاقها بوزارة التعليم العالي، وقد أسعدني تصريح لمعالي وزير المعارف (3) بعدم ممانعة وزارة المعارف لمثل هذا التوجه وبالتالي تخلي وزارة المعارف عن الاشراف على كليات المعلمين، واعتقد ان وزارة الصحة كذلك لن تمانع في التخلي عن الاشراف على الكليات الصحية وضمها لكليات العلوم الطبية التطبيقية المختلفة.. الخ. وسؤال أخير في قضية دمج فروع الجامعات وتحويلها إلى جامعات جديدة، هل ينطبق ذلك القرار على فروع الجامعات أم يمكن تطبيقه على فرع جامعة واحدة كمثال تحويل شطر جامعة الملك فيصل بالدمام إلى جامعة مستقلة عن الجامعة الأم بالاحساء؟.
قد يعتبر البعض أن هذه التساؤلات تفاصيل إدارية سيتم بحثها لاحقا، ولكنني أرى عدم إيضاحها في القرار وعدم إعلان تفاصيلها من قبل مجلس الشورى أو وزارة التعليم العالي يحيلها إلى مجرد توصيات وأمان، ويفتح باباً أحد سلبياته سيكون إهمال الفروع القائمة كما أشرت أعلاه، بل أن ذلك يجعل القرارات تبدو مجرد صيغ عامة غير مكتملة الدراسة والموضوعية، وربما مجرد صيغ رنانة لا تحمل أية جدولة زمنية وموضوعية للتنفيذ ويبقى الحال كما هو حتى يعاد فتح هذا الملف مستقبلا من نقطة الصفر، ولسنا ندري متى يكون ذلك المستقبل الذي نخشى أن يستمر عشر أو عشرين سنة قادمة، المدة الفاصلة بين قيام جامعة الملك خالد والجامعة التي قبلها…؟
من ضمن ما حوى قرار مجلس الشورى المشار إليه قضية تقييم برامج التعليم العالي وقد كتبت عن ذلك قبل ثلاث سنوات تقريبا (4) وعلمت حينها بأن وزارة التعليم العالي ستتبنى أو هي بصدد تبني مثل ذلك التوجه، ونفس التوصية تقريبا صدرت حين مناقشة أداء كليات الرئاسة العامة لتعليم البنات العام الماضي، ورغم ذلك ففضلا عن الصيغ المبهمة لتلك التوجهات، فإننا لم نر منها شيئا في أرض الواقع ومرة أخرى نلوم المجلس الذي لم يحدد أطر عامة لكيفية تنفيذ ومن ينفذ تلك التوصية…؟
يبدو أن مجلس الشورى يوكل مهمة التقييم إلى وزارة التعليم العالي وهذا متوقع في ظل التردد الملحوظ لدينا في المطالبة بفصل الهيئات الرقابية عن الجهات التنفيذية، حيث نريد أن تتولى وزارة التعليم تقييم الجامعات التي تشرف عليها، ونريد أن تتولى وزارة الصحة تقييم المستشفيات التي تشرف عليها، ونريد أن تتولى الرئاسة العامة لتعليم البنات تقييم الكليات التي تشرف عليها، ونريد أن تتولى شركة الاتصالات تقييم الخدمات التي تقدمها، ونريد أن تتولى شركة الكهرباء تقييم أداء شركة الكهرباء… والنتيجة ستكون مجرد تقارير إدارية شكلية الكل سيدعي فيه بإيجابية ما يقدمه من خدمات..
استخدم مجلس الشورى مصطلح التمايز، كمبرر أو حيثية للمطالبة بتقويم برامج التعليم العالي وتحويل الفروع إلى جامعات مستقلة، وهو مصطلح سبق أن استخدمه في سياق الحديث عن التعليم العالي في أكثر من موضع، ونتمنى بل نطالب فعلا بتحقيقه على أرض الواقع ولكن ليسمح لي أعضاء المجلس الموقر بالسؤال: هل يمكن أن يتحقق لنا تمايز بين البرامج الجامعية في ظل اللوائح الموحدة، التي تحكم التعليم العالي في الوقت الراهن؟ لماذا لا يناقش أو يشير المجلس إلى لوائح التعليم العالي والعلاقة بين القطاعات المشرفة على التعليم العالي في مناقشته تقارير التعليم العالي؟.
ماذا عن الجوانب الإدارية في أداء القطاعات المختلفة؟ هل صحيح بأن مجلس الشورى في مناقشته للتقارير والأداء للقطاعات المختلفة يحاول الابتعاد عن مناقشة الهياكل والنظم الإدارية والعلاقة بين القطاعات المختلفة، تجنبا للحرج مع المسؤولين التنفيذيين؟.
من يحدد الإطار العام لنقاشات المجلس المتعلق بأداء جهة تنفيذية ما، هل هي الجهة المعنية بالتقرير أم مجلس الشورى؟ على سبيل المثال هل الإشارة إلى تقييم برامج التعليم العالي والتوصية بتعديل كادر أعضاء هيئة التدريس كان منبعه مجلس الشورى أم أن قرار المجلس كان مجرد المصادقة “الموافقة” التوصية على توجّه موجود لدى وزارة التعليم العالي؟ لماذا لا يوضح ذلك في ثنايا بيانات المجلس، لنحفظ الحقوق المعنوية للجهة صاحبة التوجّه أو التوصية، سواء كانت مجلس الشورى أو القطاع التنفيذي المعني…؟ نحن؟.
نحن نعلم بطبيعة نظام وتكوين مجلس الشورى وعلاقته بالجهات الأخرى، ولكننا نطالبه بخطوات أكثر شفافية وجرأة في مناقشة ما يطرح عليه، ونكرر نقده لأننا نخشى أن تصبح قراراته مجرد صدى لما يراه مسؤولو القطاعات التنفيذية… نخشى على مجلس الشورى أن يتحول إلى ذريعة، تحتحج بها بعض القطاعات التنفيذية لتبرير تأخر تطبيق بعض القرارات أو الخطوات التنفيذية، أو وسيلة دفاع وتبرير عن بعض أوجه القصور لدى بعض المؤسسات بتحميل اللوم إلى جهات أخرى، أو بادعاء دراسة بعض المواضيع من قبل المجلس…. وأخيراً نسأل ترى هل يملك مجلس الشورى وسيلة لمتابعة تنفيذ ما يصدره من قرارات؟ هل تُسأل الجهات التنفيذية عن عدم تحقيق قرارات المجلس الماضية المتعلقة بها، أم أن علاقة المجلس بقراراته تنتهي بمجرد إصدارها؟
(1) بيان مجلس الشورى الموقر بتاريخ 4رمضان 1422هـ.
(2) التعليم العالي: لدينا أكثر من ثماني جامعات، نشرت بتاريخ 1420/10/21هـ.
(3) تصريح معالي وزير المعارف المنشور بجريدة الوطن بتاريخ 1422/8/25هـ.
(4) تقويم برامج التعليم العالي نشرت بتاريخ 1420/1/27هـ