مواد أفرغت من محتواها: مادة التعبير

في مقال سابق تطرقت الى وجود مواد في منهاجنا التعليمي يبدو شكلها وهدفها الاساسي جميلاً من الخارج ولكن عندما نتأمل تطبيقها ضمن تعليمنا نجدها تحولت الى مواد خاوية المحتوى وفارغة المعنى وتطرقت سابقاً الى احد تلك المواد الا وهي مادة التربية الرياضية وأواصل هنا طرح مثال آخر الا وهو مادة التعبير، ونفس السؤال اكرره كيف ينظر الى مادة التعبير لدينا؟

انها عبارة عن كتابة موضوع محدد يكلف به الطالب او الطالبة، وهي مادة تكرر بنفس الصيغة ونفس الطريقة في كافة المراحل التعليمية، فليس مستغرباً ان يطلب من تلميذ الصف السادس التعبير عن اجازة الصيف او المكتبة المدرسية ويطلب من تلميذ الصف الاول متوسط التعبير عن المكتبة واجازة الصيف وربما تكرر نفس المواضيع حتى في الجامعة في مادة الثقافة العربية، وفي كثير من الحالات ينقل التلميذ من كتب او مصادر اخرى وليس بعيداً ان يكتب عنه اخوه او ابوه الموضوع، واذكر هنا احدى تجاربي حيث طلب منا التعبير عن المكتبة في الصف الاول متوسط وحصلت على درجة متوسطة في ذلك الموضوع، وفي الصف الثالث متوسط طلب منا نفس الموضوع ولم اجهد نفسي كثيراً فقد نسخت الموضوع حرفياً من دفاتري القديمة وقدمته لمدرس الصف الثالث متوسط، والطريف في الامر انني حصلت على درجة متميزه في ذلك الموضوع رغم انني لم اغير فيه حرفاً عن ما كتبته في الصف الاول متوسط، فلم يكن مهما عند معلمي ان نقل الموضوع من كتب معينة او ان يكون كتبه لك اخوك الاكبر، فالمهم هو كتابة فالمهم هو كتابة موضوع وقضاء ساعة اسبوعياً في مادة تسمى التعبير.

هذا ما يحدث في مدارسنا بشكل عام ولايمنع وجود حالات استثنائية اجتهادية من قبل بعض المعلمين (حتى لا يغضب علينا البعض من التعميم) بينما مفهوم التعبير في الحياة يشمل ما هو اكبر من ذلك بكثير، فحينما اكتب هنا فأنا اعبر عن رأيي وعندما يناقش المدير موظفيه فهو يعبر عن رأيه في طريقة اداء العمل وحينما يشرح اب لابنه مفاهيم معينة في الحياة فإنه يجب ان يعرف الطريقة التي يعبر بها عن تلك المفاهيم، وهكذا التعبير يتجاوز مجرد موضوع عن المكتبة والمطر واجازة الصيف الى سلوك وممارسة يلزم الانسان تعلمها في كافة مراحل الحياة ومواقفها، سواء كان ذلك شفوياً، كتابياً او جسمانيا، وتنعكس القدرة على التعبير على ثقة الانسان بنفسه وقدراته في التعامل مع الاخرين.. الخ.

مشكلة مادة التعبير مثلها مثل التربية الرياضية والمواد الاخرى المفرغة من اهدافها كالتربية الفنية والتربية النسوية وغيرها، افتقادها الى اهداف ومنهاج واضح ومتوافق مع المرحلة العمرية والمعرفية والفكرية التي يمر بها الطالب (حسب العرف الكتابي نستخدم الطالب لتشمل المذكر والمؤنث) بل ان البعض بما فيهم بعض معلمي هذه المادة، سيستغرب كيف يوضع منهج للتعبير واهداف وفق المرحلة العمرية والتعليمية، وقبل ان اطرح امثلة لذلك اشير الى عدم المطالبة بفرض كتاب يتم حفظه لمادة التعبير وانما اطرح فكرة المنهج كما اوضحتها في مقال سابق بتاريخ 2001/1/6م، وتهدف باختصار الى وضع اطار عام يحوي الاهداف ونماذج تطبيقية وطريقة التقييم ودور المعلم والتمليذ والاسرة للمادة التعليمية، فكيف يمكن فعل ذلك في مادة التعبير؟

لنأخذ التعبير في الصفين الاول والثالث ابتدائي، نعم التعبير كسلوك يجب ان يبدأ في تعلمه في الصف الاول ابتدائي ليس كمادة مستقلة وانما كسلوك يدخل ضمن المناهج الاخرى، فما هي الاهداف التي يمكن وضعها وكيف يمكن تحقيقها؟ هدف التعبير في الصف الاول ابتدائي يمكن ان يكون تعلم الطالب الوقوف امام زملائه والحديث اليهم وتعلمه سماع السؤال والردر عليه وكيفية الحديث دون مقاطعة لزميله ودون احداث فوضى؟

وكمثال لكيفية تعلم ذلك، يطلب من التلميد احضار لعبة صغيرة يحبها ويلعب بها في المنزل، بشكل يتناوب فيه الطلاب اداء المهمة، ويقوم في الوقت المحدد بالوقوف امام زملائه في الصف ويقدمها لهم، ويشرح لهم كيف يلعب بها ومن قام بإهدائها او شرائها له، وربما توضيح كيفية اللعب بها وفي نفس الوقت يستمع الى اسئلة زملائه عنها ويسمح لهم بتجريبها، كل ذلك تحت اشراف المعلم الذي يقوم بالتشجيع وتنظيم عملية طرح الاسئلة والنقاش بين الطلبة، وبعد ان تزداد معارف التلاميذ يمكن الحديث عن ألوان اللعبة وثمنها والطاقة المستخدمة في تشغيلها.. الخ.

مثال ثان يمكن ان يطبق في الصف الاول بعد ان يتعلم التلاميذ الاعداد والايام هو ان توكل مهمة تغيير جدول التقييم كل يوم الى تلميذ يتولى اخبا زملائه بالصف عن اليوم والتاريخ كل صباح.. وهكذا يمكن للمعلم تطوير كثير من الامثلة البسيطة، التي تهدف الى تعليم الخطوة الاولى في التعبير عن النفس وفي الثقة بالنفس وفي الحديث مع الاخرين، بطريقة غير معقدة وخالية من الحفظ.

هدف التعبير في الصف الثالث قد يشمل التعبير الشفوي والكتابي المبسط، بحيث يتمكن التلميذ من شرح خطوات التنفيذ بشكل منتظم لعمل شيء ما، يتناسب مع عمر التلميذ.. مثال لذلك يمكن الطلب من التلميذ كتابة خطوات قيامه بغسل اسنانه بالفرشاة قبل النوم، ومن ثم عرضها امام زملائه، وهنا ليس المطلوب الكتابة صفحتين كاملة او كتابة مقال عن اهمية نظافة الاسنان وانما يقوم الطالب بكتابة الموضوع بدءاً من العنوان والهدف من استخدام فرشاة الاسنان ثم الخطوات الرئيسية لعملية تنظيف الاسنان: اولاً احضر معجون الاسنان، ثانياً اضع المعجون على الفرشاه، رابعاً، خامساً، الى اخيرا اعيد فرشة الاسنان في مكانها الصحيح.

هذه الطريقة تعلم الطالب طريقة ترتيب الافكار وعرض الموضوع على شكل نقاط وخطوات وحين يعرضها امام زملائه سيذكره البعض بأن الخطوات المذكورة ناقصة او انه يمكن القيام بمهمة غسل الاسنان بالفرشاة بشكل مختلف.. الى اخره فالهدف هو تعلم ترتيب الافكار تحديد الخطوات ومن ثم التمكن من عرضها على زملاء الصف بطريقة تسمح بالنقاش وتقبل الآراء المختلفة.

لا أريد طرح مزيد من الأمثلة او التجارب التي اتصورها أو اعرفها فيمكن وضع اهداف وأمثلة لكل مرحلة حتى نصل الى المرحلة التي يعلم فيها الطالب أساليب الصياغة اللغوية السليمة وأساليب التعبير البلاغية والابداعية… الخ ولكن أؤكد بأن التعبير مادة كبيرة الأهمية لو طبقت بشكل واضح وهادف وبأن التعبير مادة سلوكية وليست معرفية، بمعنى أنه يجب التخلي عن تلك الأساليب البالية التي تطالب تلميذة الصف الخامس مثلاً كتابة تعبير عن النظافة مع الاستشهاد بالآيات والأحاديث، فتتحول التلميذة الى البحث عن شواهد ومصادر تفي بذلك الغرض وتعبئة الصفحة المطلوبة دون الالتفات من قبل المعلمة الى التعبير ذاته وطريقة تعبير التلميذة.

التعبير مادة يمكن ان تسهم في تخريج فرد واثق من نفسه ومن قدراته في طرح الرأي وتقبل الرأي المعارض وفي قدراته على تنظيم افكاره وعرضها بأسلوب مقبول يعبر عنه شخصياً، وإهمال مادة التعبير بمفهومها الشامل لا المفهوم الذي تطبق به في المدارس حالياً هو ما يجعل خريج الجامعة يعجز عن إلقاء كلمات محدودة أمام الآخرين وهو ما يجعل الموظف خريج الجامعة يعجز عن صياغة طلب متواضع وصغير وهو ما يجعل أستاذ الجامعة ثرثاراً في المجالس الخاصة ولكنه غير قادر على صياغة رأي واضح في تخصصه أو غير تخصصه على الورق وفي اللقاءات الادارية والعلمية، وهو ما يشجع الغش في البحوث الجامعية التي مردها الرئيسي ضعف الطالب في الكتابة والتعبير عن الموضوع المراد بحثه ودراسته… ضعف التعبير هو السبب في وجود فئات تستخدم اليدين أو الفهلوة أو رفع الصوت في إيصال أفكارها، بدلاً من مناقشتها بأساليب حضارية..

في استعراضي رؤيتي حول مواد التعبير والتربية الرياضية وغيرها من المقررات أكرر القول بحاجتنا الى اعادة النظر في وضع المناهج بصفة عامة وإعطائها صيغة التكامل، فالتعبير موضوع المقال يمكن أن يكون سبيلاً الى تعميق مفاهيم علمية تتعلم في مواد العلوم ويمكن ان يكون وسيلة الى تعميق مفاهيم سلوكية في التربية الوطنية ويمكن ان يكون وسيلة لتحقيق فهم اكبر للغة… الخ وبالرغم من كونه ليس منطقياً ان يدرس الطالب قواعد اللغة والبلاغة ولا تتم محاسبته على الأخطاء اللغوية في كتابة التعبير او ان يدرس انواع الطاقة ولا يتمكن من الكتابة عن بدائل الطاقة، إلا أن الأهم في مادة التعبير هو التركيز على الاهداف الرئيسية لتطوير مهارات التعبير المختلفة واستخدام المعارف الأخرى وسيلة لتطوير اساليب التعبير لا هدف رئيسي ينسينا اهمية التعبير ويركز على استعراض اكبر كمية ممكنة من الأدلة والشواهد والمعلومات..

أحد الزملاء المتابعين لما اكتبه لديه سؤال يتكرر هو عن مدى تجاوب المسؤول مع ما اطرحه من افكار، ولست املك الاجابة بالنفي او الايجاب ولكن باختصار اجيبه بأن الكتابة تتجاوز لدي مجرد توجيه خطاب المسؤول، ولست اهدف دائماً الى انتظار تجاوب المسؤول المباشر، رغم ان ذلك يسعدنا ان حصل، ولكن الكتابة وسيلة تعبير عن بعض رؤانا وتقديم وتأكيد افكار بطرق مختلفة تعبر عن ذاتي وعن غيري واطمح دائماً ان يستفيد الاخرون مما اكتبه عملياً وعلمياً وفكرياً وثقافياً في كافة الجوانب التي اطرحها.

السؤال الثاني عن نظرتي حول وجود القارئ الجيد، اكرر رأي سبق ان طرحته في هذا الشأن ملخصه نعم يوجد قارئ جيد ولكنه قارئ لايبرز صوته للعيان ربما لانه لا يملك الوقت، الحماس، الرغبة، او القدرة على التعقيب، النقاش، الاعتراض، الاضافة، التوضيح.. وهذا موجود في كل مكان وربما نعتقد بوجوده بشكل اكبر في مجتمعنا بسبب عوائق اجتماعية وثقافية وادارية مختلفة، ليس المجال تفصيلها ولكن احدها هو القدرة على التعبير، واراء ومعارف وخبرات متميزة، تفوق مالدي، ولكن لو سألت عن امكانية طرح وجهة نظرأو فكرة ما كتابياً او حتى شفوياً بشكل منظم يأتي من ضمن الاجابات، انت الكاتب اعرف بالتعبير عن هذا الموضوع اوذاك.. الخ بشكل يشير الى وجود ازمة تعبير لدينا تعيق قدرة الكثيرون على التعبير عن ذواتهم وافكارهم واحلامهم وارائهم المختلفة، ولابد ان نلتفت الى العناية لدينا بوسائل التعبير المختلفة وضرورة تعليم الاجيال الصاعدة طرق التعبير السليمة التي تمكنهم من نقل رؤاهم وافكارهم بيسر وسهولة ووضوح.. اتمنى ان اكون اجتزت اختبار التعبير في هذا المقال.

أضف تعليق