تنظيم أعباء عضو هيئة التدريس

عندما ننظر إلى عضو هيئة التدريس بالجامعة نجده مطالباً بأداء مهام متعددة داخل الجامعة والمجتمع، فهو باحث ومعلم وإداري وطبيب وقائد اجتماعي…الخ وفوق ذلك هو يبحث عن توسيع مصادر رزقه عبر العمل الخاص خارج الجامعة، وفي سياق تعدد المهام هذه فالمفترض من عضو هيئة التدريس بذل مجهود كبير وقضاء ساعات طوالاً في الجامعة للوفاء بالمهام والمتطلبات المفروضة أو المفترض منه أداءها بكفاءة وتميز، ولكن في كثير من جامعاتنا، العكس هو الحاصل، حيث نلحظ تناقص أو ضعف تواجد عضو هيئة التدريس والتزامه بأداء العمل الأكاديمي داخل كليته أو معمله، حتى إن بعضهم لا يقضي أكثر من ساعات معدودة من كل أسبوع كمبرر لتواجده بالجامعة والتزامه بتدريس مادة أو مادتين. ولأنني أفضل النظر إلى التنظيم، أو الوعاء، أو النموذج التنظيمي، الذي يعمل في اطاره عضو هيئة التدريس قبل الذهاب إلى لوم الأشخاص، ومطالبتهم بشكل نظري بالمثالية في أداء مهام مختلفة، فإنني أرى أن ضبط قضية العمل خارج الجامعة وتحديد مهام عضو هيئة التدريس بشكل أوضح، يمكن أن تسهم في القضاء أو التقليل، من السلبيات والفوضى التي تعتري عمل عضو هيئة التدريس المحلي؟!

عند ترقية عضو هيئة التدريس، يتم توزيع النقاط التي يتم على ضوئها تقييم عضو هيئة التدريس بناء على إنجازه في البحث العلمي بشكل رئيسي ثم خدمة المجتمع والتدريس، ولكن في العمل اليومي نجد الضابط الوحيد الذي يمكن التحكم فيه بالنسبة للعبء اليومي لعمل عضو هيئة التدريس، يكاد ينحصر في تحديد نصيب عضو هيئة التدريس في مجال العبء التدريسي المفترض تأديته في تدريس الطلاب، أو تدريس المواد الدراسية، لساعات قليلة قد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة لدى بعض أعضاء هيئة التدريس، حسب درجة عضو هيئة التدريس وتخصصه، وتبقى المهام الأخرى ويبقى تواجد عضو هيئة التدريس عملياً بالجامعة، دون ضوابط محددة ويتحكم بها مزاج ورغبة عضو هيئة التدريس الشخصية، وهذا عرف سائد في النظام الأكاديمي المحلي، حيث نجد عضو هيئة التدريس السعودي كثير الغياب عن معمله البحثي، وعن عيادته الطبية وعن حقله العلمي، ويتعامل مع الجامعة أحياناً كديوانية اجتماعية، يحضر لها متى أراد، وإن حضر فيقضي ساعات قليلة تهدر في (الوناسة) الاجتماعية بين مكتب هذا وذاك من الزملاء..

ذلك ملخص الظاهرة السلبية التي أسهمت في تدني التزام عضو هيئة التدريس بمهامه داخل الجامعة، وهي مهام تعامل معها النظام من منطلق الثقة في عضو هيئة التدريس وإعطائه المرونة في أدائها، فهل كانت وجهة نظر النظام قاصرة في هذا الشأن؟ هل نطالب بإلغاء نظام السماح بالعمل خارج الجامعة؟ هل نطالب بالتعامل مع عضو هيئة التدريس كموظف يلتزم بالتوقيع على دفتر الحضور والانصراف؟ أم كيف نتعامل مع تلك الظاهرة؟

أطمئنكم بأنني لن أسعى إلى المطالبة بقطع الرزق عن أعضاء هيئة التدريس، بالمطالبة بإلغاء السماح لعضو هيئة التدريس بالعمل خارج الجامعة، ولن أسعى إلى المطالبة بمعاملة عضو هيئة التدريس كموظف عادي يوقع كرت الحضور والانصراف، ولكن أقترح تبني مفاهيم جديدة تتعلق بعمل عضو هيئة التدريس عند خطوتين رئيسيتين الأولى تتعلق بالعبء العملي والعمل خارج الجامعة، والثانية تتعلق بتحديد مسارات عمل عضو هيئة التدريس ولنبدأ بالأولى وتشمل الخطوات المقترحة التالية:

0إعادة توزيع الأعباء المطلوب من عضو هيئة التدريس القيام بها في عمله الأكاديمي، لتشمل كافة المهام التي يؤديها عضو هيئة التدريس بما في ذلك الإشراف على طلاب الدراسات العليا وأداء المهام الأكلينيكية والحقلية… الخ بحيث يكون هناك نقاط، أو وحدات زمنية، تحدد الإنتاجية الأسبوعية أو الشهرية لعضو هيئة التدريس، وعلى عضو هيئة التدريس الوفاء بحد أدنى من تلك النقاط يتم تأكيدها عن طريق رئيس القسم والعميد، تماماً كما يحدث في القطاعات الإنتاجية خارج الجامعة، ولكن بإعطاء عضو هيئة التدريس المرونة الكافية في كيفية الوفاء بالحد المطلوب من النقاط، فعلى سبيل المثال يوزع العبء العملي لعضو هيئة التدريس إلى 100نقطة أسبوعياً، يتم حساب الإشراف على طالب الدراسات العليا بنقاط توازي تدريس مادة دراسية وحساب العيادة الأسبوعية لمدة ساعتين بنقاط تماثل نقاط تدريس مادة دراسية.. ألخ فما يحدث حالياً هو عدم وجود الضابط أو الحافز للإشراف على طلاب الدراسات العليا وعدم وجود الحافز للعمل الإداري والإكلينيكي والحقلي بالجامعة، وبالذات في حال توفر أعمال مناسبة خارج الجامعة، وإعادة تصنيف وتوزيع الأعباء يعيد التوازن في أداء المهام المنوطة بعضو هيئة التدريس.

7للتحكم في قضية العمل خارج الجامعة، أطالب ليس فقط بإعادة تحديد المهام داخل الجامعة بل إدراج المهام التي يؤديها عضو هيئة التدريس خارج الجامعة ضمن العبء الوظيفي المقترح خلال الأسبوع فعندما يعمل عضو هيئة تدريس خارج الجامعة لمدة ثلاث ساعات مثلاً في الأسبوع (هذا مثال فقط) يتم تصنيف ذلك ضمن العبء العملي بشكل يعادل نقاط تدريس مادة دراسية، وعندما يعمل ست ساعات تحسب بما يعادل تدريس مادتين دراسيتين …الخ.

7يتم تحديد عمل عضو هيئة التدريس خارج الجامعة بنسبة محددة من أعبائه العملية، على سبيل المثال يسمح لعضو هيئة التدريس بالعمل خارج الجامعة على أن لا يزيد ذلك عن 15% أو 30% من أعبائه العملية بالجامعة، ومازاد عن ذلك يتم التعامل معه وفق المقترح التالي:

7لكي يتم توفير المرونة الكافية لعضو هيئة التدريس في اختيار كمية العمل خارج الجامعة، لا بد من ايجاد نظام يسمح بالعمل الجزئي لعضو هيئة التدريس، حتى لا تخسر الجامعة أعضاءها، وحتى تتمكن من استقطاب أعضاء هيئة تدريس من الجهات الأخرى بشكل جزئي، ففي حالة رغبة تجاوز النسبة المحددة للعمل خارج الجامعة ( 15أو 30% كما هو مقترح كمثال أعلاه)، فإن على عضو هيئة التدريس اختيار العمل الجزئي بالجامعة، أو التخلي عن العمل بالجامعة، فإن قضى 50% من وقته العملي خارج الجامعة فإن عمله بالجامعة يتحول إلى عمل جزئي وبراتب يعادل 50% من راتبه، أو بما يتناسب مع نسبة العمل بالجامعة، ويستفاد مما يتم توفيره من الراتب للتعاقد مع أعضاء هيئة تدريس بشكل جزئي لتعويض الغياب الذي قد يتركه عضو هيئة التدريس نتيجة عمله خارج الجامعة… بمعنى آخر يتم تطوير نظام عمل عضو هيئة التدريس خارج الجامعة ونظام الإعارة ليسمح بنظام يمكن تسميته بالإعارة الجزئية، يعترف بحق العاملين بالجامعة ويحترم رغبة أولئك الراغبين في العمل خارج الجامعة بشكل جزئي دون التنازل عن جميع المميزات أو المهام التي يوفرها لهم الانتماء إلى هيئة التدريس الجامعي…

الاقتراح الثاني يتركز حول فكرة تعدد مهام عضو هيئة التدريس، وصعوبة أداء جميع المهام بنفس الكفاءة، وهنا يكون الاقتراح بتحديد مسارات عملية لعضو هيئة التدريس(1)، ليكون لدينا عضو هيئة التدريس مسار التدريس، عضو هيئة التدريس مسار البحث العلمي، عضو هيئة التدريس مسار العمل الأكلينيكي أو الحقلي، فحين يكون المسار الرئيسي لعضو هيئة التدريس هو المسار البحثي فمعنى ذلك أن يكون العبء الأكبر لذلك العضو متركزاً في البحث العلمي، وكذا يحظى البحث بالنسبة الأكبر في التقييم الدوري أو تقويم الترقية، أما حينما يكون مسار عضو هيئة التدريس هو مسار التدريس، فإن أولوية البحث العلمي تتراجع لتكون أولوية التدريس الأولى، وتوضع معايير معينة لتقييم العمل التدريسي، كأن توضع نقاط مشابهة لنقاط البحث مقابل تطوير وسائل تعليمية أو طرق تعليمية جديدة أو مؤلفات تتعلق بالمواد التي يتم تدريسها… إلخ، وهكذا في مسار العمل الأكلينيكي ومسار العمل الإداري … حيث إن مثل هذا التصنيف لن يكون مفيداً فقط في تركيز مهام عضو هيئة التدريس ضمن مسار ومهام محددة، ولكن في تطوير خبرات ومهارات في مسارات أكاديمية محددة، وفي الوفاء باحتياجات الجامعة في مسارات دون غيرها، كما هو تقدير لرغبة وحماس وخبرة عضو هيئة التدريس في اختيار المسار المناسب لمواهبه وميوله، فعضو هيئة التدريس الذي يهوى التدريس ليس بالضرورة أن يقضي سنوات طويلة في رتبة وظيفية محددة أو أن يقوم بإجراء أبحاث شكلية لمجرد عدم حماسه ورغبته أو قدرته على إجراء البحوث اللازمة للترقية، بل يمكنه التركيز على التدريس والإنجاز والإبداع فيه… وأضيف باقتراح جعل تحديد المسارات هذه اختيارية ولفترات محدودة، سنتين أو أربع سنوات قابلة للتجديد، ليتسنى لعضو هيئة التدريس وبالذات العضو الحديث من تطوير مهارات في كافة المسارات الأكاديمية بصفة عامة، ولكن هناك قطاعات مثل كليات التقنية وكليات المجتمع، يفترض أن يكون الأساس فيها التدريس والتدريب وبالتالي يفترض أن يؤخذ ذلك في الحسبان في توزيع أعباء العمل وفي الترقيات والتقييم الدوري لعضو هيئة التدريس بتلك الكليات.

تلك مقترحات انطلقت فيها من حاجتنا إلى المبادرة والتفكير في القضايا التي تمس أداء عضو هيئة التدريس، وبعضها وإن بدت قضايا شكلية لمن هو خارج الجامعة، إلا أنها تقود إلى بعض الخلل الذي نلمسه في عمل أعضاء هيئة التدريس بجامعاتنا الموقرة، وهو خلل حز في نفسي، أنه أدى إلى وصف أحدهم كلية جامعية سعودية مرموقة بأنها أشبه بديوانية اجتماعية تفتقر إلى الابداع والتميز والإنتاج المأمول من عضو هيئة التدريس.

أضف تعليق