عند قيام مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية كان أوضح أهدافها، أو وسائلها المتفق عليها لتطوير العلوم ونقل التقنية، هو دعم حركة البحث العلمي على المستوى الوطني، وظلت الوسائل والأهداف الأخرى مختلف عليها، كنتيجة طبيعية للاختلاف على تعريفات التقنية، وكيفية نقلها، وماهية أدوار المدينة في نقل تلك التقنية، هل هو علمي فقط أم تشريعي في مجاله، أم أمني، أم اجتماعي؟ ولن يكون طرحنا عن الانترنت والمختلف فيه من تعريفات التقنية ولكن نركز على الحد الأدنى المتفق عليه من أدوار مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، الا وهو دعم البحث العلمي..
ترى اليونسكو بأن الحد الأدنى المفترض لدعم البحث العملي في مصروفات الدول يجب أن لا يقل عن واحد في المائة، لتتجاوز عتبة التخلف في هذا المجال، وبلادنا بكل أسف تنفق أقل من هذا الرقم (يقدر الإنفاق على البحث العلمي محلياً بنصف واحد في المائة) ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية تشكل الهيئة الرئيسية المعنية بدعم البحث العلمي على مستوى الوطن، ويفترض منها تقنين هذا الدعم ليس بتقليصه، وإنما بتوجيهه نحو الوجهة الصحيحة، والمتابع لمسيرة المدينة يلاحظ توسعها، وربما بذخها في مجال إنشاء معاهد ومعامل البحوث وفي مجال توظيف الباحثين حاملي الدرجات العليا بالمدينة، وتحولها تدريجياً من دعم البحث العلمي والتقني بالجامعات والمؤسسات العلمية السعودية، إلى إجراء البحث العلمي داخل المدينة ذاتها، وقد يكون ذلك مقبولاً في مؤسسة بحث خاصة، ذات مجال متخصص ولكن في بلادنا التي يعتمد البحث العلمي فيه على الدعم الحكومي وتندر فيه جهات الدعم الأخرى، يحق لنا توجيه السؤال عن استراتيجية المدنية، كجهة بارزة رئيسة في هذا الشأن؟ هل المطلوب من مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية اجراء البحث العلمي وربما احتكاره في المستقبل، كما هو احتكارها للتحكم في الانترنت، أم أنها جهة داعمة منسقة للبحث العلمي بالبلاد، بما يخدم المصالح الوطنية؟
لا نحسد العاملين بالمدينة على ما يوفر لهم في سبيل اجراء البحث العلمي ولكن الا يئن هذا التوجه بذخاً واسرافاً في الموارد الوطنية في هذا المجال.. انشاء معمل بحث في الجامعة يعني تدريب طلاب بذلك المعمل، ويعني تخريج طلاب دراسات عليا أجروا بحوثهم بذلك المعمل، ويعني نقل الخبرات والمعارف عبر شريحة أكبر من أعضاء هيئة التدريس والباحثين والطلاب، بينما انشاءه بالمدينة يعني حصر المستفيدين منه فرد أو افراد قلة وفي اجراء ابحاث محدودة..
هل مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية منافس للجامعات ومراكز البحث العلمية بالبلاد، ام هي مكمل وداعم لها؟ في ماذا تختلف المدينة عن بقية الجامعات؟ لماذا لا تشارك مدينة الملك عبدالعزيز في إنشاء البرامج الأكاديمية بالذات في مجال الدراسات العليا، طالما أصبحت تملك:
ـ مكتبات ومصادر أوعية معلومات تفوق ما هو موجود لدى بعض الجامعات.
ـ قاعدة معلومات واتصالات وبنية إدارية تفوق ما هو موجود لدى كثير من الجامعات السعودية.
ـ مقر وأراض تسمح بالتوسع في المقر الحالي تفوق ما هو موجود لدى العديد من الجامعات.
ـ أعضاء ذوي خبرات وشهادات توازي ما هو موجود بالجامعات الأخرى.
ـ معامل بحث وقاعات حديثة تستوعب الكثير من العمل الأكاديمي والبحثي لديها ميزانية جيدة تعادل ميزانيات كثير من الجامعات.
ـ كادر أعضاء هيئة التدريس مشابه لما يطبق على أعضاء هيئة التدريس بالجامعات، مع فارق يتمثل في عدم تعرض العالمين بالمدينة للحساسية التي قد تسببها الطباشير نتيجة التدريس، وكذا عدم تعرضهم للضغوط الاجتماعية والإدارية لتنفيذ برامج تصب في خدمة المجتمع، والأهم من ذلك هو عدم إهدار أوقاتهم، وربما كرامتهم بالوقوف على أبواب المؤسسات والمراكز للحصول على دعم لأبحاثهم المختلفة..
مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية انشئت لتحقيق أهداف سامية وخلاقة في دعم البحث العلمي، ولابد أن توضح لنا الاستراتيجية التي اتبعتها وتتبعها في مجال دعم البحث العلمي؟ هل تسعى لأن تتولى اجراء البحث بدلاً من دعمه؟ ألم يتسبب عدم وضوح هذا الهدف، الى تضخم المدينة ادارياً وانشائياً في مقابل ما أنجزته وتنجزه من بحث تقني وعلمي؟ كيف هي طرق دعم المدينة للبحث العلمي خارجها؟ كم معمل أو معهد أو برنامج دراسات عليا قامت المدينة بدعم انشاءه بجامعاتنا المختلفة؟ كيف تقيم عائدات البحوث التي تدعمها المدينة وبالذات العائدات التي تتجاوز مجرد انهاء مسودة البحث وتقديمها للمدينة؟
انظروا إلى مسودة مصاريف أحد البحوث التي دعمتها المدينة وبعضها تجاوزت المليون ريال فستجدون ان عضو هيئة التدريس، يصور بماكينة القسم فيحضر فواتير بتصويره مئات الأوراق، ويستخدم كمبيوتره الشخصي أو كمبيوتر الجامعة لكتابة البحث فيضع من ضمن المصاريف شراء جهاز حاسب آلي لغرض كتابة البحث، ويستعين بطلابه في توزيع الاستبانة فيسجلها ضمن مصاريف استئجار مساعد باحث للقيام بتلك المهمة وهكذا مصاريف بألوف الريالات وهمية، تذهب في النهاية الى جيب الباحث أو إلى مصروفات هامشية، إستهلاكية، وليس الى انشاء بنية بحثية بمؤسسة الباحث، كتطوير القسم الأكاديمي أو المعمل البحثي بالجامعة.. هل هذه هي التقنية التي تدعم المدينة نقلها عن طريق دعم البحث العلمي؟
انني أراه لزاماً إعادة تنظيم عملية دعم البحث العلمي وذلك توجيهه نحو تطوير البنية التحتية للبحث العلمي بالجامعات والمراكز العلمية، بدلاً من جعله دعماً فردياً تنتهي الاستفادة منه بانتهاء البحث، وعلى الجامعات عبر مجالسها العلمية وإدارتها المعنية الإسهام في تنظيم هذه العملية، وفق منهجية تراعي العمل المنجز، والتأكد من الاستفادة من الدعم البحثي لصالح البنى التحتية للعملية الأكاديمية والبحثية بالجامعة، فعضو هيئة التدريس الباحث لا يفترض فيه الاستفادة المادية المباشرة من البحث العلمي داخل الجامعة أو المؤسسة العلمية، وإنما تكون استفادته غير المباشرة في تنفيذ البحث والحصول على دعم في تجهيز معامل البحث ووسائله وفي الصرف على طلاب الدراسات العليا الباحثين معه.. الخ، فهل هذا يحدث في البحوث التي تدعمها المدينة؟
المدينة كجهة مانحة تدعي رعاية البحث العلمي، نراه مسؤوليتها فرض الأساليب العلمية والتنظيمية التي تضمن اقصى استفادة ممكنة مما تقدمه من دعم، وإلا فإنها تصبح كمن يدعم البحث لمجرد أداء للواجب الملقى على عاتقها، وتصبح مثلها مثل أية جهة بيروقراطية لديها ميزانية ومبلغ محدد لدعم البحث العلمي، مطلوب إنفاقه قبل نهاية العام المالي وتضمينه تقرير الإنجازات، دزن عناية ان استفاد منه باحث واحد أو باحثين عده، إن أسهم في تطوير بنية بحثية دائمة أو استنفذ غرضه بتقديم تقرير مزركش يحفظ في الملفات..
وفي الحديث عن البحث العلمي وطريقة تعامل مدينة الملك عبدالعزيز معه، يجدر بنا عدم اغفال السؤال عن مجهودات المدينة في تنمية موارد البحث العلمي؟ حيث نلحظ بأن جهود مدينة الملك عبدالعزيز في هذا المجال متواضعة جداً، إن لم تكن معدومة، فهي، أي المدينة، تعتمد بشكل كامل على الميزانية الرسمية التي تقدمها الدولة، ولم تحظ، أو تحاول الحظي بثقة القطاع الخاص، في دعم جهودها المختلفة.. فمتى تتحرك مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، لتصبح وعاء يستقطب الدعم الذي يوجه للباحثين والمستفيدين بما في ذلك المستفيدون داخل المدينة نفسها؟ متى نجد الشركات الخاصة تكلف المدينة بإجراء بحوثها أو إدارة منحها البحثية المختلفة؟
مدينة الملك عبدالعزيز، وكنتيجة لطبيعة عملي، قد أكون أحد المستفيدين من دعمها المستقبلي، ويعمل بها أصدقاء وزملاء أكن لهم التقدير والمحبة، ولكن ذلك لا يمنع تكرار المطالبة بتوضيح استراتيجيات المدينة في دعم البحث العلمي والتقني، والمطالبة بتخلي المدينة عن تكرار أدوار الجامعات ومنافستها في مجال إجراء البحث العلمي، ولعب دور المكمل والداعم للبحث العلمي بالجامعات والمؤسسات العلمية والبحثية ذات العلاقة، مع ما يتطلبه ذلك من مزيد من التطوير في آليات الدعم الذي تقوم به المدينة، وإذا كان لابد من الإصرار على منافسة المدينة وتكرارها لما تقوم به الجامعات من معاهد ومراكز ومختبرات بحث، ومن (تجييش) كوادر أكاديمية عالية تعمل بالمؤسسة، فإننا حينها لن نستغرب المطالبة بتحويل المدينة الى جامعة تستقبل الطلاب وتؤدي أدوار اجتماعية مثل ما تؤديه الجامعات..
أسئلة:
في مقال سابق نشر بتاريخ 1421/2/7هـ بعنوان “مدينة الملك عبدالعزيز: ماذا نريد منها” اقترحت ايجاد مكاتب للمدينة بمختلف المناطق وتحديداً مكتب بجامعة واحدة على الأقل بكل منطقة، لتسهيل تعامل الباحثين بتلك المنطقة مع المدينة، ومؤخراً أعلن بأن المدينة افتتحت أو بصدد افتتاح فرع لها بالمنطقة الغربية يختص بخدمات الانترنت.. السؤال الذي أطرحه، هو هل أصبحت الانترنت أولوية في عمل المدينة، على حساب دعم البحث العلمي، بدليل ايجاد فرع لخدمات الانترنت وعدم ايجاد مكتب صغير بجامعة واحدة بكل منطقة، لخدمة الباحثين والبحث العلمي خارج مدينة الرياض؟
أنا أعلم أن المدينة معنية بالعلوم والتقنية، ولكن أريد مزيداً من الفهم حول الرابط بين رقابة الانترنت، دعم البحث العلمي، تولي منح براءات الاختراع، احتضان لجنة السلامة المرورية، وإنشاء المعاهد العلمية وغيرها من المهام التي تؤديها المدينة حاليا؟