في مقال سابق طرحت تساؤلات حول استراتيجية مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، في مجال البحث العلمي، وكان التساؤل حول تولي المدينة اجراء البحث العلمي والتوسع في معاهدها البحثية، على حساب دعم البحث العلمي بالمؤسسات العلمية الأخرى، حتى أن المدينة أصبحت نسخة مكررة للجامعات ولكن دون طلاب، كما طالبت بضرورة توجيه الدعم للبحث العلمي ليكون صوب دعم البنية التحتية للبحث العلمي، بدلا من الدعم الاستهلاكي، ورغم انني لم اتوقع ان يحظى الموضوع بمتابعة جادة من القراء، بحكم خبرتي في الكتابة في هذه المواضيع، الا أن ردود الفعل في كميتها ونوعيتها كانت ايجابية، والايجابية هنا ليست بالاتفاق في الرأي، بقدرما هي طرح وجهة نظر جادة، تستحق العرض، وعليه اعود للموضوع لأطرح بعض وجهات النظر التي وصلتني في هذا الشأن، مع الاعتذار لعدم ذكر اسماء أصحاب تلك الردود، تجنبا لعدم استغلال هذه المساحة لتكون منبرا لاحراج البعض، للاستعراض، المحاباة أو تصفية الحسابات الشخصية، من قبل البعض..
الرسالة الأولى شرح فيها أحد الأساتذة تجربته مع المدينة، حيث حصل منها على منحة بحثية صغيرة، بمبلغ ثمانين ألف ريال، وأخرى كبيرة لازالت قائمة بمبلغ مليون تقريباً، واضافة الى حجم الدعم فان الفرق يكمن في كون الباحث لا يحصل على دعم مادي في المنح الصغيرة سوى تكاليف اجراء البحث، بينما في المنح الكبيرة يحصل على مقابل شهري يدخل جيبه، يصل الى 2000ريال شهريا، ويسمح له بالتعاقد مع باحث أو مساعد باحث براتب يصل الى 5000ريال، وتمت الموافقة للباحث صاحب الرسالة بالتعاقد مع باحث أجنبي، اضافة الى أكثر من مساعد باحث محلي، وفي اجراءات الحصول على المنح البحثية وبعد التقدم بطلب الدعم وفق النماذج المعدة لذلك تم تحكيم الطلب من قبل ثلاثة محكمين، كان احدهم من خارج التخصص، ثم عقدت المدينة وبعد تزكية المحكمين، جلسة مع الباحث استمرت اكثر من ثلاث ساعات تركزت في التفاوض على محاولة تخفيض الميزانية التي حددها الباحث وذلك بمناقشة بنودها بندا بندا، وبالفعل تم تخفيض بعض المبالغ هنا وهناك سواء في الأجهزة او العاملين في البحث الخ..
بعد عرض التجربة هذه ينتقل الباحث، صاحب التعقيب، الى ملاحظات محددة يمكن تلخيصها في التالي:
يعترض الباحث على تلميحي بتجاوز الباحثين واستغلالهم ميزانية البحث للفائدة المادية الشخصية، ويرى بأنه بدا وكأنني اعمم هذا الحكم، وامنح المدينة فرصة وحجة اكبر في زيادة تعقيد اجراءاتها، وشروطها على الباحثين.. اتفق معه هنا بعدم جواز التعميم، وضرورة التأكيد على سلبية البعض وليس الكل..
يستغرب المقطع الذي ذكرت فيه “نراه مسؤوليتها فرض الاساليب العلمية والتنظيمية التي تضمن أقصى استفادة ممكنة مما تقدمه من دعم” ومصدر الاستغراب كما اشار في النقطة السابقة، هي رؤيته بأن اجراءات الحصول على منحة بحثية عن طريق المدينة هي اجراءات صارمة وفيها من الصعوبة ما يكفي، حتى أن بعض الباحثين يحجم عن تكرار التجربة مع المدينة بعد أول بحث، ويقول مرة واحدة وكفى.. وتعليقي هنا يتلخص بضرورة التفريق بين التعقيد والتنظيم، فلم اطالب بالتعقيد وانما مزيد من التنظيم ووضع بعض المعايير التي تسهم في أقصى استفادة وطنية ممكنة من الدعم البحثي، كأن يشترط تدريب باحثي أو فنيي الجامعة على الأجهزة المخصصة للبحث، ليستفاد منها لاحقا في ابحاث او تدريب مستقبلية، أو يشترط أن يتم تدريب كفاءات وطنية باحثه أو مساعدة في البحث بدلاً من استقطاب كفاءات أجنبية للمساعدة في اجراء البحث، وفي حالة ضرورة استقطاب باحث خارجي اشتراط أن يتولى تدريب كفاءات وطنية.. الخ، وكذا تطبيق أو اشتراط معايير أخلاقية تحكم البحث العلمي الذي ستتولى المدينة دعمه، من ناحية عدم تجاوزه الأخلاقيات العلمية والقانونية وعدم اضراره بالانسان والحيوان والبيئة، وغير ذلك من التنظيمات التي تخدم العمل البحثي والعلمي والتقني ببلادنا، وتتفق مع الأعراف العلمية في هذا الشأن.. بل إن التنظيم المطلوب، قد يكون ضمن مفاهيمه تسهيل طرق الحصول على المنح البحثية.. والاقلال من الخطوات والعقبات البيروقراطية المتبعة حالياً..
في قضية استفادة الباحث مادياً من البحث، واشارتي الى افتراض عدم استفادته المباشرة، يرى الباحث صاحب التعقيب بان ذلك غير مقبول في مجتمعنا، لأنه في حالة انتفاء الفائدة المادية المباشرة، كالتي سيحصل هو عليها، فإن الاساتذة لن يكون لديهم دافع لاجراء البحوث الكبرى، وبالذات حينما يصل الاستاذ الى مرتبة لا يصبح بحاجة الى مزيد من البحوث للترقية.. ويعزو ذلك الى توفر فرص لزيادة الدخل خارج مجالات البحث العلمي، ولظروف عضو هيئة التدريس المادية التي تدفعه للتخلي عن البحث العلمي والتوجه للبحث عن الكسب المادي خارج الجامعة.. اي ان البحث العلمي يتم في الغالب بهدف المادة أو الترقية وليس بهدف البحث لذاته لدى العديد، ومرة أخرى لا نعمم هنا، من الاساتذة بالجامعات، لست ادري هنا هل يكون اللوم للمدينة، أم أن النظام الاكاديمي بصفة عامة بحاجة الى مراجعة في هذا الشأن..!
النقطة الأخيرة التي يثيرها صاحب التعقيب تتعلق بمصير المشاريع البحثية، فمهمة المدينة تنتهي بتوزيعها على الجهات المعنية كما يرى، ويتساءل عن الطريقة التي يمكن أن تسلكها المدينة لاجبار الآخرين على قراءة البحوث والاستفادة منها.. هنا لست اطالب المدينة لتصبح جهة ناشرة توزع الأبحاث على من ربما يحتاجها، بل يفترض منها حث الباحثين، او اجبارهم، على نشر نتائج بحوثهم ضمن اوعية النشر العلمية المعروفة، مما يسهل الحصول عليها لمن أراد وبحث عنها..
قارئ آخر اكتفي من تعقيبه بالاشارة الى احدى النقاط السلبية التي اشار اليها، وتتمثل في فرض الباحثين من المدينة اسماءهم، على بعض الأبحاث المقدمة من خارج المدينة حين يكون لها علاقة بتخصصهم، في الغالب دون جهد يذكر منهم.. لا اصدق بان ذلك توجه اداري رسمي تتبناه المدينة، بل ربما يكون مجرد تجاوز من قبل بعض الباحثين بمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، بطرق مباشرة أو غير مباشرة، في جميع الأحوال يجب التأكد من أدوار الباحثين في اعداد خطة البحث وتنفيذه، ويجب عدم تفشي هذه الظاهرة إن كانت موجودة، بل ومحاربتها، لأنها تتنافى مع أخلاقيات البحث العلمي، بسلبها مجهودات الآخرين والاسهام في احباطهم في هذا المجال..
اتفقت غالبية الردود على توسع المدينة في اجراء البحوث داخل معاملها، وقلق البعض من أن يتسبب ذلك في تقليص الدعم المفترض توفيره للبحوث خارجها وداخلها، ويبرر وجود المعاهد البحثية بالمدينة، بانها مطالبة بدعم ابحاث وطنية مختلفة، وحيث ان الجامعات ليس لديها القدرة على القيام بتلك البحوث، فالمدينة مضطرة الى انشاء المعاهد للقيام بتلك الأبحاث داخلها..!
اتساءل هنا ان كان هذا هو التبرير الرسمي للمدينة، في توسعها في انشاء المعاهد العلمية، أم انه اجتهاد شخصي من صاحب التعقيب، واسأل: ألايوجد اقسام ومراكز بحث بالجامعات في التخصصات والمجالات التي انشئت بها معاهد في المدينة، ألا يوجد اقسام فلك، طاقة، زراعة وغيرها في الجامعات حتى تنشأ معاهد لهذه التخصصات بالمدينة لست افهم لم لا تدعم المدينة مراكز البحث والاقسام والكليات القائمة خارجها بدلا من ايجاد معاهد بالمدينة، ايهما أجدى اقتصاديا على المستوى الوطني، دعم معامل بحث قائمة أم انشاء معامل جديدة.؟
في ملاحظة حول مطالبتي بتوجيه الدعم البحثي ليستفيد منه طلبة الدراسات العليا، يرى احد اساتذة الجامعة محدودية ذلك لاسباب خارجة عن اراد المدينة، حيث ان نظام الدراسات العليا بالمملكة في الجامعات، مثله مثل الدراسة الجامعية الأساسية، لا يعتمد على الرسوم والمنح الدراسية، وبالتالي لا يحبذ الباحث قبول طلاب الدراسات العليا، أو هي لا تفرق معه كثيرا، في مجال البحث المدعوم وانما يفضل التعاقد مع باحث أو مساعد باحث أجنبي أومحلي جاهز للعمل، حيث طالب الدراسات العليا يحتاج تدريبا وتأهيلا وقد لا يكون جادا مقارنة بالباحث او الفني وبالذات الأجنبي، بل ان طلاب الدراسات العليا وبحكم مجانية الدراسة يقل لديهم الحرص والرغبة في الحصول على منح بحثية تدعم ابحاثهم.. مرة أخرى نجد القضية هنا، تتجاوز مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، لتكون قضية اكاديمية تنظيمية عامة، بحاجة الى بحث ومراجعه من قبل الجهات المعنية..
آخر الملاحظات المتعلقة بالبحث العلمي ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، هو ما اشار اليه احد القراء بان المدينة وضعت خطة مستقبلية للبحث الوطني للعشرين عاما القادمة، وينتظر موافقة الجهات العليا عليها، وهي مبادرة جميلة من المدينة، ولكن القارئ يعترض بان تلك الخطة وضعت خلف الأبواب المغلقة ومن قبل اداريي المدينة، وكان يفترض اشراك الباحثين والاساتذة من الجامعات ومراكز البحث المختلفة في اعداد ومناقشة تلك الخطة، حيث انها خطة وطنية ومن حق الباحثين المعنيين بها بالدرجة الأولى المشاركة بمرئياتهم في اعدادها، ليس من حقي الحكم على خطة لم اطلع على بنودها، ولكنني اتفق مع القارئ في ضرورة التواصل فيما بين الباحثين، سواء بالمدينة أو غيرها، عبر حلقات نقاش والندوات والمنتديات العلمية والبحثية المختلفة، لتدارس اوضاع البحث العلمي المحلي ومناقشة سبل تطويره وتطوير السياسات المستقبلية ذات العلاقة بالبحث العلمي.
هناك ملاحظات أخرى تتعلق بالمدينة، ولكن لأن الموضوع بتعلق بالبحث العلمي امل ان يعذرني القارئ في عدم التطرق الى القضايا الأخرى، التي قد تجد لها مكانا ضمن سياقات أخرى.
اكرر تقديري للجميع وتأكيد النظرة التي ذكرتها سابقا عن رؤيتي للمدينة بوجوب أن تلعب الدور المكمل. لا المنافس او الموازي، لمراكز البحث بالجامعات والمؤسسات العلمية البحثية الأخرى.
7انظر مقال “استراتيجية البحث العلمي لدى مدينة الملك عبدالعزيز”.
نشر بتاريخ 2002/3/7م