الصحة المدرسية وضرورة المراجعة

الصحة المدرسية ظلت الركن المهمل في العملية التربوية، وهذا ينعكس ليس فقط على صحة التلميذ بمفهومها المؤقت، وإنما على صحة المجتمع وصحة البيئة وعلى المستقبل الصحي بصفة عامة

الصحة المدرسية لدينا عبارة عن عيادة طبية، يعمل بها في الغالب طبيب عام وممرضة وموظف استقبال، وفي بعض الحالات النادرة يوجد مختبر متواضع أو طبيب في أحد تخصصات الأسنان أو الأطفال أو العائلة. بمعنى آخر الصحة المدرسية ممثلة في وحداته الصحية المتواضعة بمختلف المناطق، لا تختلف عن أية عيادة أو مستوصف أو مركز رعاية أولية متواضع، فهذه الوحدات الصحية تقدم أدوارا علاجية، ليس لها رابط أو علاقة بالعملية التربوية أو التعليمية، ولا أعلم منطلق تسميتها بالوحدة الصحية المدرسية، سوى انها تدعي علاج الطلاب، كما لا أجد وضوحاً في تعريف الطب المدرسي، إن وجد شيء يسمى بالطب المدرسي، الذي تعتمد عليه قطاعات التعليم العام في توجهاتها وبرامجها العملية الصحية. من هذا المنطلق أحاول إثارة الانتباه إلى واقع الصحة المدرسية لدينا، وضرورة مراجعتها وفق معايير علمية، تعليمية تربوية صحية حديثة، بدلاً من استمرار الهدر والسير في طريق لا نعلم مبرراته ولا أهدافه ولا ثمرات نتاجه خلال عقود من الزمان.

في الدول المتقدمة يوجد ما يعرف بطبيب المدرسة ويوجد ما يعرف بالصحة المدرسية، ولكن لا أعلم بوجود الطبيب المدرسي، على غرار طبيب الأطفال وطبيب العائلة وطبيب القلب وغيرها، فلنبدأ بالصحة المدرسية والمقصود دائماً بكلمة صحة يختلف عن كلمة طب والمتخصص الصحي ليس بالضرورة أن يكون طبيبا، ففي كثير من الدول أصبح مصطلح الصحة التربوية مرتبطا بكليات التربية البدنية، بحيث أن غالبية كليات شمال أمريكا على سبيل المثال تسمى كليات التربية البدنية، بكليات التربية البدنية والصحية أو التربية الصحية البدنية، لأنها تعنى بالجوانب البدنية وكذلك الصحية، وحينما نقول الصحية فليس المقصود تخريج أطباء من كليات التربية الرياضية، وإنما أناس ملمين بالصحة العامة ومفاهيمها كالمفاهيم الغذائية والبدنية والجسدية، وإضافة إلى خريجي تلك المدرسات هناك المتخصصين في الصحة العامة ويمكن أن يركز تخصصهم في صحة المراهقين والأطفال والطلاب أو الطالبات، وتخصص الصحة العامة أو صحة المجتمع من التخصصات التي تجذب كثيرا من الممرضات والأطباء وغيرهم من المنتمين للمجالات الصحية لتتخصص في هذا الفرع، لأن المدارس أو طلاب المدارس بحاجة إلى أكثر من علاج طبي، بحاجة إلى تربية وتعليم وتثقيف صحي كمدخل للوقاية الصحية للمجتمع بصفة عامة… بكل أسف الصحة المدرسية لدينا ليس لديها برنامج أو أدوار تثقيفية أو تربوية صحية واضحة. ولن تتجاوز أدوارها المتواضعة كماً ونوعاً طالما مفهومها لم يتغير عن مجرد إيجاد عيادة كئيبة في كل مدينة أو قرية..

نعم يوجد في بعض الدول ما يعرف بطبيب المدرسة أو طبيب الادارة التعليمية، وهذا الطبيب ليس متفرغا للمدرسة، وإنما يعمل معها كمستشار لمجلس ادارتها مهمته تقديم المشورة في الجوانب الصحية ذات العلاقة بالأنظمة وتطويرها، مهمته تقديم الدراسات حول بعض الظواهر الصحية، مهمته إجراء فحوصات يتفق عليها كفحوصات القبول للمدرسة أو فحوصات المنشطات في المسابقات المدرسية وغيرها من الفحوصات المتخصصة، ولكنه لا يقدم العلاج الطبي في الغالب، بل إن بعض الدول تحظر قانونياً على طبيب المدرسة فحص أو علاج أية طالب دون موافقة مسبقة من طبيب العائلة. في المملكة يمكن أن يقوم أساتذة الجامعات وكذا الأطباء المتخصصون في الصحة العامة أو صحة الأسرة والمجتمع وغيرهم من الأطباء المهتمين وذوي العلاقة، بدور طبيب المدرسة بشكل استشاري غير متفرغ، تتم استشارتهم في السياسات والمناهج التربوية ذات العلاقة بالصحة، ويتم تكليف عياداتهم بتقديم الفحص الطبي الذي تحتاجه المدرسة في بعض الحالات كالفحص الذي يسبق دخول المدرسة أو يسبق أو يصاحب المشاركات الرياضية… الخ، أما ما عدا ذلك من أدوار تثقيفية وتربوية فتقوم بها فئات وطواقم أخرى تتولى تنفيذ السياسات الصحية العامة، كالممرض والمتخصص في صحة المجتمع والتغذية والتربية الرياضية الصحية وغيرها من الفئات التي يمكن أن تكون جزءا مكملا للعملية التربوية التعليمية التثقيفية، وليست بحاجة إلى عيادات ومختبرات منعزلة خارج المدرسة، لأنها تقدم التثقيف والتربية والتعليم ضمن إطار المناهج والخطط التعليمية العامة…

ما هي أبرز المشاكل الصحية التي يتعرض لها طلاب وطالبات المدارس، وتنشأ معهم كسلوك حياة سيئ؟ التدخين، الإصابات، العنف، الأمراض المعدية، سوء التغذية، إنعدام أو ضعف النشاط البدني… هذه أمور مفهومة، فماذا قدمت الصحة المدرسية للتعامل مع تلك الإشكاليات؟ ربما تكون الاجابة لا شيء يذكر، فطبيب الوحدة الصحية المدرسية ليس ملماً بالأدوار التربوية وليس متخصصا في تقديم البرامج التثقيفية، لأنه مجرد طبيب عام تم التعاقد معه وتم توفير مكتب وممرض له، ودوره يجعلنا نتساءل، في هذه الحالة، لماذا لا يعالج الطالب أو الطالبة في مستوصف الحي، مثله مثل غيره من المواطنين؟ هل أغنت العيادات الصحية المدرسية عن العيادات الصحية الأخرى، أم هي مجرد حلقة بيروقراطية وضعها النظام ونسيها أو عجز عن دراستها بشكل جدي علمي وعملي؟

الصحة المدرسية ظلت الركن المهمل في العملية التربوية، وهذا ينعكس ليس فقط على صحة التلميذ بمفهومها المؤقت، وإنما على صحة المجتمع وصحة البيئة وعلى المستقبل الصحي بصفة عامة، لأن ذلك التلميذ الذي لم يدرب على مفاهيم صحية متقدمة، سيخرج لنا مستقبلاً وهو إنسان يعاني الأمراض التي تنشأ عن عدم إتباع وسائل تغذية ونشاط بدني ونظافة وعناية سليمة، وللأسف مجتمعنا يعاني من كثير من الأمراض من هذا النوع، كأمراض السكر وارتفاع ضغط الدم والقلب والمفاصل وغيرها.

أرى أننا بحاجة إلى رؤية واضحة وخطة أو استراتيجية زمنية عملية في هذا الشأن تقودها وزارة المعارف بالتعاون مع وزارة الصحة والجامعات وغيرها من الجهات. هذه الخطة من ضمن ملامحها التي أتصور، أو تأتي على البال وقت هذه الكتابة، ما يلي:

– إعادة تحديد أهداف الصحة المدرسية لتصبح مرتكزة على التثقيف المدروس والتعليم والتربية، أي ان تصبح تربية صحية بدلاً من وحدة صحية.

– الارتكاز أو الانطلاق في وضع الخطط والبرامج الصحية المدرسية من مؤشرات الوضع الصحي للمجتمع بصفة عامة والمدرسة بصفة خاصة، بحيث يتم التركيز على معالجة المفاهيم الصحية الخاطئة بالمجتمع وتنمية المفاهيم الصحية السليمة.

– الصحة المدرسية ليست منهجا وليست عيادة، وإنما هي جزء من العملية التربوية والتعليمية، وقبل ذلك يجب أن تؤخذ على كونها معنية بتصحيح وتغيير السلوك والعادات الصحية للتلميذ أو التلميذة.

– النموذج الصحي المتبع حالياً في الوحدات الصحية نموذج مكلف وغير فعال، فليس هناك حاجة إلى استئجار مقرات وحدات صحية وليس هناك حاجة للتعاقد مع كل هذا العدد من الأطباء، فهناك كوادر وكفاءات يمكنها تقديم المفاهيم الصحية المتطورة بكلفة أقل في الإعداد وفي التشغيل.

– كليات التربية البدنية التابعة لوزارة المعارف وللجامعات مطلوب منها إعادة النظر أو تطوير مناهجها وتوجهاتها لتصبح كليات التربية الصحية والبدنية بدلاً من التركيز على الرياضة والبدنية، فخريجو هذه الكليات، في الغالب وحسب ما نراه في أرض الواقع، لا يطبقون ولا يغرسون أية مفاهيم صحية لدى الطلاب، وإنما تركيزهم على اللعب بأشكاله البدائية غير المرتبطة بأهداف تربوية وصحية واضحة..

– تحتاج الجهات التعليمية وحتى الصحية إلى كفاءات عديدة مُلمة بالصحة العامة ومفاهيمها، لتعمل تلك الكفاءات مع التربويين لوضع وتنفيذ خطط ودراسات صحية تثقيفية وتوعوية وتدريبية مناسبة للبيئة التعليمية والتربوية ومناسبة للمجتمع بصفة عامة، وهنا يصبح مطلباً بأن يتم التعاون مع إحدى الجامعات لتطوير برنامج الصحة العامة، كدبلوم عال أو ماجستير يسمح لخريجي كليات العلوم الصحية والطبية التطبيقية وكليات العلوم بالتخصص في مجالات الصحة العامة، ليتم تسريع تخريج الأعداد الكافية وليتم الاستفادة من تلك الفئات التي تعاني البطالة، وكذلك لترشيد العملية الصحية بدلاً من الإهدار الحاصل في تعيين الأطباء كاداريين أو أطباء شبه عاطلين عن ممارسة المهنة الطبية في الوحدات الصحية، ولن ينفي ذلك الحاجة إلى عدد قليل من الأطباء الراغبين في التوجه نحو مجالات الصحة العامة وصحة المجتمع بمفاهيمها الادارية والتثقيفية.

اختم المقال بهذه الأرقام والسؤال الذي أترك للآخرين الاجابة عليه:

تشير الدراسات العلمية لدينا بأن 85% (خمسة وثمانين بالمائة) من أطفال المدارس يعانون من تسوس الأسنان، 40% (أربعين بالمائة) من طالبات المدارس في عمر 18سنة مصابات بفقر الدم، 30% (ثلاثين بالمائة) ضمن الطلاب والطالبات يعانون ارتفاعا في نسبة الكولسترول، 52% (اثنين وخمسين بالمائة) من الطالبات يذهبن للمدرسة دون تناول طعام الإفطار، وغير ذلك من الأرقام المزعجة حول الأمراض التي تصيب بقية فئات المجتمع وتعتمد في علاجها على التربية والثقافة والوقاية الصحية. السؤال هو، ما هي أدوار الصحة المدرسية التربوية والتثقيفية والتعليمية والتخطيطية، التي قدمتها في شأن تجنب هذه الأمراض واحتمالاتها المستقبلية، على مدى نصف قرن من الزمان؟

تنويه واعتذار

في مقال “الإحساس.. الثقة.. الدعم: الروح الغائبة في الصحة” أشرت إلى مركز جراحة القلب بالدمام، بمركز كانو، وبدون قصد أغفلت ذكر اسم البابطين الممول الرئيسي لإنشاء ذلك المركز، اعتذر لذلك وأنتهزها فرصة لتكرار التقدير لأسرتي البابطين وكانو على ما قدمتاه من إسهامات متميزة في العمل التطوعي، ومن ضمنها الإسهام بإنشاء مركزي كانو للكلى والبابطين لجراحة القلب بالدمام.

أضف تعليق