المستشفى الجامعي وكلية الطب

يشكل المستشفى الجامعي/ التعليمي عبئا كبيرا بالنسبة لادارات الجامعات التي تتبعها مستشفيات تعليمية، حيث يعتبر حالة مختلفة عن بقية كليات ومراكز الجامعة البحثية والتعليمية، بمهامه التي تتجاوز الأدوار الأكاديمية التعليمية المعتاد القيام بها من قبل الجامعة، إلى تقديم الخدمات الطبية والصحية ذات الكلفة العالية، هذا العبء وبالرغم من خبراتنا التعليمية والادارية الصحية المتراكمة، لم يتم دراسته بجدية ووضوح، وبالتالي فإن صعوبات المستشفيات الجامعية المالية والادارية والتنظيمية والخدماتية والتعليمية، تتفاقم يوماً بعد، حتى تحولت لدى كثير من قياديي القطاع الصحي التعليمي، إلى حالة مزمنة يتم التعامل معها كما هو المنطق الطبي مع بعض الحالات المزمنة التي لا يوجد لها علاج شاف، وإنما يتم علاج بعض أعراضها ومحاولة تقليل وتأجيل مضاعفاتها قدر الإمكان.

كتبت سابقاً عن المستشفيات الجامعية وأعود بعد حوالي أربعة أعوام للكتابة في نفس الموضوع ليس بغرض تكرار ما تم طرحه سابقاً، فمتيسر لمن أراد الحصول على المقالات السابقة عن طريق أرشيف الجريدة، أو بالتواصل مع كاتب المقالات، وإنما للتذكير بأن المعاناة لازالت قائمة بالنسبة للمستشفيات الجامعية، وهناك كليات طبية جديدة في طور الإنشاء سيكون من مقوماتها إنشاء مراكز تعليمية طبية، ويفترض أن نستفيد من هذا النقاش والتجارب القائمة بما يسهم في إنارة طريقها في إيجاد مراكزها الطبية التعليمية الخاصة بها.

أولى المفاهيم الرئيسة للمستشفى الجامعي، هي ملكيته ومرجعيته الادارية، وهناك نموذجان شائعان في هذا المجال، النموذج الأول وهو الذي تأخذ به غالبية الكليات الطبية السعودية القائمة، إن لم يكن جميعها، يتمثل في امتلاك الجامعة وادارتها لمستشفاها الجامعي، وهذا نموذج يحاكي النموذج القائم في الجامعات الأمريكية، مع اختلاف في طريقة ومرجعية ادارة المستشفى الجامعي داخل النظام الاداري الجامعي، فمستشفياتنا الجامعية تتبع كليات الطب، ويشرف عليها مباشرة عمداء كليات الطب، بينما غالبية المراكز الجامعية الطبية في الولايات المتحدة، تتم إدارتها بشكل شبه منفصل من الناحية المالية والادارية عن الكليات الطبية، ويتم اشتراك الكليات الطبية والصحية وادارة الجامعة والجهات ذات العلاقة في ادارتها عن طريق تشكيل مجالس ادارة تشارك فيها تلك الجهات، وتتولى تلك المجالس تقنين وتنظيم العلاقة بين الكلية الطبية أو الصحية والمستشفى الجامعي، بما في ذلك عمل أساتذة الجامعة في المستشفى أو المركز، وكذا إسهام الموظف بالمستشفى أو المركز في العمل الأكاديمي.. الخ.

النموذج الثاني لمرجعية المستشفى الجامعي من ناحية الملكية والادارة، تتمثل في امتلاك الجهات الصحية الخدماتية للمستشفى وربطه بالجامعة عن طريق مشروع تعاون واعتراف متبادل بدوره التعليمي التدريبي من قبل الجامعة، والجهة المالكة. هذا النموذج هو الغالب في كندا، حيث الجامعات لا تملك المستشفيات الجامعية، وإنما هي تساهم في ادارتها عن طريق مجالس المستشفيات التعليمية، وتساهم مالياً بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق تعيين أعضاء هيئة التدريس بها، كاستشاريين يعملون في تقديم الخدمة الطبية للمرضى وفي دعم العمل الأكاديمي البحثي والتدريبي داخل المستشفي. وفي هذا النظام أيضاً يوجد مجلس ادارة مشترك بين الجامعة والجهة مالكة المستشفى كوزارة الصحة، والجهات الأخرى ذات العلاقة كوزارة التعليم والقطاع الخاص والمجلس البلدي، يتولى ذلك المجلس رسم والإشراف على السياسات العامة للمستشفى، وكذا تحديد نوعية ومستويات وصلاحيات العلاقة بين ادارة المستشفى التنفيذية والجامعة التي يرتبط بها المستشفى من الناحية الاكاديمية والتعليمية، مع ما يشمله ذلك من تحديد مساهمات كل طرف في العملية الخدمية للمرضى والتعليمية والبحثية والتدريبية للطلاب والأكاديميين…

بالتأكيد لكل نظام ايجابياته وسلبياته، وإن كانت كلياتنا الطبية اتبعت التوجه الأول، من ناحية تملك الجامعة لمستشفاها الجامعي، فإننا حتماً مقبلون على النموذج الثاني في ظل التوسع في التعليم الطبي، حيث لا يبدو في الأفق قدرة أو توجه الكليات الطبية الجديدة نحو بناء أو شراء مراكزها الجامعية الطبية، وبالتالي فهي ستلجأ إما إلى المشاركة في تطوير وإدارة بعض المستشفيات القائمة بمنطقتها، أو نقل ملكية بعض المستشفيات لتكون مقرات تدريب وتعليم لكليات الطب الجديدة، تبني هذا النموذج رغم بساطته الواضحة، يتطلب وجود آلية تنسيق وتعامل واضحة ما بين المستشفى والجهة الصحية التابع لها كوزارة الصحة والجامعة بكلياتها الطبية، في المجالات المالية والادارية، والخدماتية، وهنا لابد من إيجاد أرضية صالحة للتعاون بين الجامعة، أو كلية الطب ووزارة الصحة أو الجهات الصحية الأخرى بمنطقة الكلية الطبية، فهل هناك رؤية واضحة مشتركة في هذا الشأن، بين الجامعات/ وزارة التعليم العالي ووزارة الصحة، على افتراض أن مستشفيات الصحة ستكون الخيار المتاح لتصبح مراكز تعليمية طبية للكليات الطبية الجديدة؟

بغض النظر عن أي النموذجين يتم تبنيه، فإن النقطة الرئيسة التي يجب مناقشتها بشكل عملي تتمثل في فصل ادارة المستشفى الجامعي عن عمادة أو ادارة الكلية الطبية، بحيث يصبح للمستشفى الجامعي كيان إداري ومالي وتوظيفي مستقل عن كلية الطب، ويتبع إما ادارة الجامعة مباشرة، أو يتم إدارته بطريقة مستقلة تشارك فيها الجامعة والجهة المالكة للمستشفى، عن طريق الاشتراك في مجلس أعلى لادارة المستشفى تشارك فيه الكليات الطبية والصحية المستفيدة من خدماته، وإدارة المستشفى التنفيذية والجهات ذات العلاقة بما في ذلك ممثل أو ممثلون عن المجتمع وعن القطاع الخاص.

حينما نطالب بفصل ادارة المستشفى الجامعي عن ادارة كلية الطب، بالذات في جانب الادارة التنفيدية، فهذا يتطلب بيان بعض السلبيات التي قادت وتقود إليها ادارة المستشفى الجامعي عن طريق ادارات كليات الطب، وهي سلبيات نطرحها دون تحديد لجامعة دون غيرها، لأنها تمس الجميع، وعلى ادارات الجامعات دراستها بجدية، إن هي أرادت التطوير الفعلي المبني على أسس واضحة تخدم المستقبل، وتخدم الجامعة والمستشفى وكلية الطب على حد سواء.

ارتباط أو تبعية المستشفى الجامعي إدارياً لكلية الطب، جعله يبدو كقسم من أقسام الكلية، مما قلص إمكانياته وميزانيته وصلاحية القائمين عليه إدارياً، فمالياً يفترض أن يكون المستشفى الجامعي أكثر كلفة من المستشفى العادي بحكم تعدد أدواره ما بين تعليمي وتدريبي وبحثي وخدماتي، ولكن الحاصل هو عكس ذلك، فالمستشفيات الجامعية لا تحظى سوى بمبالغ متواضعة جداً تمثل جزءا من ميزانية كلية الطب التي هي بدورها جزء من ميزانية الجامعة، وأذكر هنا مقارنة سريعة لإيضاح كم هي ميزانية المستشفى الجامعي متدنية جداً، فميزانية جامعة الملك فيصل بأكملها حوالي ستمائة مليون ريال فقط، بينما ميزانية مستشفى الملك فيصل التخصصي السنوية تزيد عن المليار ونصف المليار، حسب تصريح سعادة المشرف عليه، أي أكثر من ضعف ميزانية جامعة الملك فيصل بأكملها، وهي الجامعة التي يتبعها ثماني كليات ومستشفى يعد أحد أكبر مستشفيات المنطقة الشرقية، وهي في طور إنشاء ثلاث كليات طبية جديدة، ومستشفى تعليمي طبي جديد ويتبعها إضافة إلى ذلك مستشفى بيطري ومراكز أبحاث عدة. ترى لو كان المستشفى الجامعي ذا كيان إداري ومالي مستقل عن كية الطب، أو عن ادارة الجامعة، هل كان سيحظى بمثل هذا التهميش والتواضع؟

عمادة الكلية الطبية مشتتة بين الهم الأكاديمي، والهم الخدماتي، وتزداد المأساة في كون عميد الكلية الطبية ما هو إلا أكاديمي مشغول بهمه البحثي والتعليمي، وليس لديه الخبرات والتعليم الاداري المؤهل للقيام بالأدوار الادارية الضخمة لكلية الطب ومراكزها الطبية، وحتى في ظل افتراض توفر الخبرة والحماس والكفاءة، فإن ذلك العميد ما هو إلا عابر سبيل يقضي عامين أو أربعة على كرسي العمادة، تحكمه لوائح أكاديمية، تتعارض وتحد من مفهوم الادارة التنفيذية التي يكون فيها المدير مسؤولاً عن محاسبة منسوبي مؤسسته، بمن فيهم الأطباء الاستشاريون المعنيون بتقديم الخدمات الطبية المتنوعة، والتعامل معهم وفق نظام إداري واضح المعالم… عميد الطب يتعامل مع أطباء المستشفى الجامعي وفق النظام الأكاديمي، وهو نظام لا يستجيب لمتطلبات الادارة والتنظيم ذات الطبيعة التنفيذية، كادارة المستشفى، وأدى ويؤدي إلى انفلات الوضع الاداري وصعوبة التحكم فيه من قبل عميد كلية الطب…!

وضع المستشفى الجامعي الحالي وجعل عميد كلية الطب مشرفاً عليه، أدى إلى حصر فائدته التعليمية على كليات الطب، أو بمعنى آخر قلص استفادة الكليات الصحية الأخرى من المستشفى الجامعي ككليات العلوم الطبية التطبيقية وكليات طب الأسنان والصيدلة وغيرها، لأنه ببساطة لا يوجد تمثيل اداري بالمستشفى يمثل تلك الكليات، وتبقى استفادتها معتمدة على تعاطف الطبيب عميد الكلية الطبية، وبالتالي فالمستشفى الجامعي لم يعد مستشفى جامعيا يخدم جميع الكليات الطبية والعلمية بشكل متساو وفعال وإنما هو مستشفى كلية الطب فقط، وهذا وضع مضر بالعملية الأكاديمية وبالذات في جوانبها التدريبية لطلاب الكليات الطبية/ الصحية، غير الطب.

تولي عميد الطب الإشراف على المستشفى الجامعي، إضافة إلى عمادة كلية الطب التي تحظى بالبريق والوهج الاجتماعي الذي يتفوق على أي وهج آخر تمثله كلية أخرى، ربما أدى إلى غياب المحاولة الجادة الجماعية من قبل عمداء الكليات الطبية، في تقديم خطط جريئة للتطوير الاداري للمستشفى الجامعي، وتحديداً خطط تفقد الأطباء العمداء جزءا من هذا (البرستيج) مما يدعوني إلى التلميح لمقام وزارة التعليم العالي وادارات الجامعات بأهمية الحياد في مناقشة هذا الموضوع بعيداً عن سيطرة الأنا والذاتية التي قد نجدها لدى بعض ـ واؤكد على كلمة بعض ـ عمداء الطب/ الأطباء ونظرتهم نحو التنظيم الاداري للمستشفى الجامعي.

ختاماً نذكر بأن لكل عمل صعوبات، وإحدى الصعوبات الرئيسة التي تعترض التطوير الاداري تتمثل في تعودنا على بعض الأنظمة السائدة وكأنها غير قابلة للنقاش، ومن السائد لدى جامعاتنا إشراف كليات الطب على المستشفيات الجامعية من الناحية الادارية التنفيذية، وآن الأوان لمناقشة ذلك بطريقة موضوعية من الناحية العلمية والعملية.

@ انظر مقال “المستشفيات الجامعية.. الحلول أكثر من المشكلات”، العدد 35/11153، بتاريخ 1419/9/19هـ..

أضف تعليق