أنشئت المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني وفق مرسوم ملكي صدر عام 1400هـ، كامتداد للعناية بالتعليم الفني الذي بدأ في بلادنا بشكل رسمي عام 1368هـ، حيث تم إنشاء أول معهد صناعي بالمملكة ألا وهو معهد جدة الصناعي. على مدى 23عاماً مرت المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني بعدة تطورات ومراحل نقلتها من مجرد مؤسسة تشرف على عدد قليل من المعاهد المهنية إلى مؤسسة توازي قطاعات التعليم الأخرى بمعاهدها وكلياتها ومراكزها التدريبية المختلفة، وأعداد طلابها التي تربو على 30ألف طالب.
بعيداً عن رصد التطور الكمي في التعليم الفني، نجد أن مؤسسة التعليم الفني والتدريب المهني في ضوء عنايتها بالمهني والفني معاً تجاوزت انشاء المعاهد المهنية إلى إنشاء الكليات التقنية، فأصبح العرف على أن المهني أو الحرفي هو ما تحويه المعاهد المهنية والتقني هو ما تحويه أو تمثله الكليات التقنية والمعاهد التقنية العليا. ومن خلال التوسع في الكليات التقنية تم تطوير برامج بعضها لتصبح كليات جامعية، بعضها بدأ في منح درجة البكالوريوس، وتم الاعتراف بكادر أعضاء هيئة التدريس بالجامعات ليطبق على منسوبي الكليات التقنية. ليس ذلك فقط، بل ابتعث عشرات الشباب لتحضير الدراسات العليا في مجال تخصصات الكليات التقنية، وعاد الكــــــثير منــــــهم ومــــــازال هـــــناك مــــــــــن يحــــلم وينتــــــظر دوره للابتــــــعاث أو الـــــعودة من البعثة.
هل هذ التطور هو الطبيعي لنمو الكليات والتعليم الفني بصفة عامة؟
اترك الحكم على ذلك للآخرين ولكن كواصف للواقع الميداني أرى ذلك أسهم في الرفع من مستوى الكليات معرفياً واجتماعياً ويفترض ان يكون كذلك مهنياً ووظيفياً، فأصبح تعلم التقنية يصاحبه تأسيس معرفي يتلاءم مع التطورات العلمية ويسهم في تخريج كفاءات تتجاوز أدوارها مجرد العمل اليدوي الحرفي، إلى فهم العمل التقني وفهم الخلفيات المعرفية والفلسفية للتخصص المهني أو التقني، أو هكذا يفترض بناء على فلسفة تطوير مستوى الكليات التقنية. وفق ذلك أصبح هناك قبول واقبال على الالتحاق بالكليات التقنية، وهذه خطوة نقلت التعليم الفني إلى مستويات متقدمة اجتماعياً وحدت من النظرة الدونية التي صاحبت وتصاحب الأعمال المهنية والفنية والتقنية في العادة.
هذا التطور للكليات التقنية جعل البعض يقترح ضمها للتعليم العالي، وجعل البعض يطالب بتحويل مؤسسة التعليم الفني إلى وزارة للتعليم الفني والتقني، أو وزارة التعليم التقني، وهي الدعوات التي لم يحبذها بعض القائمين على التعليم الفني والمهني، الذين يرون بأن مؤسسة التعليم الفني تصبح متواضعة اجتماعياً وإدارياً بدون كليات التقنية المختلفة.
في الفترة الأخيرة ظهر توجه مغاير أو معاكس للمنحنى التطوري، أعلاه، الذي كانت تتبعه مؤسسة التعليم الفني والتدريب المهني، برره البعض على أنه يأتي كقلق وخشية من قبل القائمين عليها من تنفيذ فكرة ضم جميع الكليات الجامعية إلى التعليم العالي، كما يطلب البعض، بينما برره القائمون على المؤسسة بأنه إعادة تحديد أهداف وبرامج الكليات التقنية، والفصل بين ما هو فني وتقني وما هو أكاديمي ونظري، هذا التوجه يتمثل في؛ أولاً: تقيص مدد الدراسة بالكليات التقنية؛ ثانياً: عدم التوسع في افتتاح كليات تقنية جامعية؛ ثالثاً: الحد من الابتعاث للدراسات العليا وبالذات تلك التقليدية التي تؤدي للحصول على الماجستير والدكتوراه بالجامعات الأجنبية.
بغض النظر عن المبررات، فإن القلق حول تقليص برامج كليات التقنية من ناحية سنوات الدراسة ومحتويات المناهج، هو أن يؤدي ذلك إلى إحالة الكليات التقنية إلى ما يشبه المعاهد الصناعية والمهنية، وبالتالي فمجرد تسميتها كلية يعتبر مبالغة اجتماعية. تعلم التقنية كما يراه البعض يختلف عن مجرد تعليم الحرفة أو المهنة، إلى التأسيس لها بكم مناسب من المعارف التأسيسية والتخصصية وهو ما يخشى ان يتم تغييبه في برامج الكليات الجديدة، الرامية إلى حرفنة (من تعليم الحرفة) التعليم التقني بها. شهادة الكلية تصبح متواضعة إذا كانت فقط ستعلم الحرفة، لأن الحرفيين وإن كنا بحاجة الكثير منهم ربما لا يحتاجون إلى برامج كليات وإنما برامج متوسطة وثانوية مهنية وفنية.
مؤسسة التعليم الفني من ضمن أهدافها دعم وإجراء تعليم البحث في المجالات التقنية، وتخريج الطلاب المزودين بالمعرفة والمهارة التقنية، وبالتالي فإن السؤال هو: هل يمكن الحفاظ على هذه الأهداف بتقليص سنوات الدراسة وتقليص الكفاءات التدريسية من حملة الشهادات العليا؟ هل يعتبر الهدف الرئيسي هو تخريج حرفيين من كليات التقنية أم تقنيين لديهم القابلية للتطور مستقبلاً عن طريق التدريب والتعلم بشكل نظامي أو ذاتي؟
إذا كانت برامج الكليات الجامعية تتعارض مع التوجه العام للمؤسسة وهو توجه فني وتقني، لمجرد كونها كليات متوسطة أو جامعية يتم التدريس فيها لمدة أربع سنوات، فماذا نسمي توجه وزارة التعليم العالي ممثلة في الجامعات بقيامها بإنشاء كليات مجتمع ودبلومات متوسطة بالجامعات؟ إذا كانت مؤسسة التعليم الفني ترى بأنه ليس من مهامها إيجاد تعليم على مستوى الكليات الجامعية، بحكم أن التعليم العالي هو المسؤول عن هذا النوع من التعليم فلماذا الجامعات تقوم بتدريس برامج الدبلوم القصيرة والمتوسطة التي استحدثتها الجامعات مؤخراً؟ لماذا الجامعات تحصل على مقابل مادي من جراء تدريس تلك البرامج بينما مؤسسة التعليم الفني لا تحصل على نفس الميزات الاستثمارية؟ بل ما هو ذنب طالب يتبع الجامعة لأن يدفع رسوماً دراسية بينما طالب يدرس برنامجاً مشابهاً تابعاً للتعليم الفني يحصل على مكافأة؟ هل ايجاد برامج دبلومات بالجامعات سيزيد من تواضع النظرة الاجتماعية لمخرجات التعليم الفني، الذي تتبناه مؤسسة التعليم الفني والمهني؟ متى تلغى الازدواجية وتحدد الأدوار بين الجهات/ القطاعات التعليمية المختلفة؟ هل هناك تنسيق وخطط تكاملية واضحة يسير عليها كل قطاع تعليمي؟
أنا لا أكثر من الأسئلة لمجرد الاعتراض، ولكن أحاول الفهم وأبحث عن وضوح فلسفة التعليم الفني والتدريب المهني لدى مؤسسة التعليم والتدريب الفني، بالذات، ولدى جميع القطاعات التعليمية بصفة عامة، وأراه من واجبي قبل الانتهاء من هذا المقال نقل أسئلة وهموم بعض منسوبي التعليم الفني وبالذات الكليات التقنية، فعسى أن تجد لها إجابات واضحة من قبل القائمين على المؤسسة:
هل حصل تغيير جذري في الأهداف، الفلسفة والاستراتيجية التعليمية والتدريبية لدى مؤسسة التعليم الفني والتدريب المني؟
هل تقليص سنوات الدراسة ومستوى الشهادة التي تمنحها الكلية التقنية هو ما سيفضي إلى إبعادها عن الحشو الأكاديمي؟ ألا يمكن الموازنة بين التطبيقي والنظري في الكليات التقنية ذات الثلاث والأربع سنوات؟
لماذا ألغي المجلس العلمي أو قلصت صلاحياته وهمشت أدواره بالكليات التقنية؟ ما هو دور المجلس في رسم الفلسفة العلمية للكليات التقنية؟
لماذا ألغي أو جمد برنامج البكالوريوس بكلية التقنية بالرياض؟
ما هذه التحولات المتسارعة جداً في كلية الاتصالات بالرياض من كلية ذات برامج لمدة سنتين إلى ثلاث سنوات ووعد بجعلها أربع سنوات ثم العودة إلى نظام سنتين؟ في حالة تقليص الدراسة بالكلية، وإحالتها إلى مراكز تدريب هل يحق لعضو هيئة التدريس حامل الشهادة العليا الانتقال إلى احدى الجامعات، بحكم عدم تناسب مؤهله مع توجه المؤسسة الجديد؟
هل هناك تنسيق مع وزارة الخدمة المدنية والجهات التوظيفية حول التغييرات في المناهج والخطط ومدد الدراسة، أم سيصطدم خريجو الكليات غداً بأنهم يحملون مؤهلات أدنى من زملائهم خريجي الكليات التقنية السابقين؟
هل فعلاً ألغي أو قلص أو جمد الابتعاث بالنسبة لمنسوبي الكليات التقنية، مقارنة بالقطاعات التعليمية الأخرى؟ ما هو ذنب المعيدين والمحاضرين الذين وضعوا آمالهم وخططهم وطموحاتهم المستقبلية في الحصول على تلك البعثات؟ وهل مجرد تغيير توجهات وسياسة المؤسسة التعليمية يشفع بإيقاف أو تقليص أو تجميد الابتعاث بشكل فجائي هكذا؟
ما هي نسب التسرب من الكليات التقنية للعمل خارج المؤسسة؟ هل هي منطقية أم توحي بوجود تململ وتضجر في بيئة العمل بتلك الكليات والمؤسسة العامة للتعليم الفني بصفة عامة؟
في جميع الحالات أناقش هنا الأهداف والتوجهات والخطط التي تحكم تطور التعليم الفني، فلعل ذلك يدفع إلى فهم أفضل لمفاهيم وفلسفة واستراتيجيات المؤسسة العامة للتعليم الفني، ونفترض عدم تغيير سياسة المؤسسة جذرياً دون التنسيق مع الجهات التعليمية وتحديداً المجالس العليا للتعليم والخدمة المدنية والقوى العاملة، كما نفترض أو نطالب بألا يكتفى بالتغيير الإداري من الأعلى، بل نقترح أن يتم إشراك منسوبي الكليات في التغيير، وفي أحسن الأحوال إطلاعهم على التوجهات الجديدة وإعلان القرارات بشكل صريح واضح كقرارات الابتعاث بدلاً من ترك الباب مفتوحاً للإشاعات والتوجسات المختلفة، فالقضية تحمل أبعاداً تنظيمية واجتماعية تتجاوز مجرد القرار الإداري الفردي، إلى البحث عن فلسفة وضوح وشفافية تقنع الآخرين وتضعهم في صف التغيير لا ضده.
مع تمنياتي للقائمين على المؤسسة ومنسوبيها بالتوفيق.