قسوت على جامعاتنا، ولكن هي الحقيقة: إن أردنا ايجاد نهضة ثقافية وفكرية واجتماعية فعلينا العودة إلى اصلاح البيئة الأكاديمية لتصبح بيئة صالحة للنمو، علينا إعادة الاعتبار والثقة للباحث والمثقف والمفكر والأكاديمي،
وقع أكثر من ألف برفسور من العاملين بالجامعات الغربية على وثيقة طلب الغاء وتقليص وتحجيم التعاون العلمي والبحثي والأكاديمي مع الجامعات ومراكز البحث والأساتذة والباحثين (الإسرائيليين)، وذلك احتجاجاً على تصرف حكومة العدو تجاه المدنيين الفلسطينيين. بل ان الأمر تجاوز المطالبة إلى اتخاذ مجلتين علميتين بريطانيتين خطوات عملية في هذا الاتجاه بعزل عضوي تحرير (إسرائيليين) من هيئتها التحريرية (1).
تفاعلاً مع أحداث سبتمبر وتبعاتها قررت جامعة نورث كالورينا، بشاب هيل، أن يكون الكتاب الذي يقرأه طلابها في فصل الصيف، وتتم مناقشته بداية الفصل الدراسي الحالي بالذات الطلاب المبتدئين ويقدر عددهم بـ 3500طالب، كتاب أستاذ الأديان بجامعة هارفارد ميكل سيل، المتعلق بالقرآن الكريم والاسلام:
Micael Sells (1999). Approaching the Quran: The Early Revelations. White Could press
لا أريد هنا مجرد استعراض هذه الأخبار أو تحليل ردود الفعل تجاهها في الجامعات الأوروبية والأمريكية، ولكن أضعها كمقدمة إلى التساؤلات التي هي محور هذا المقال: أين جامعاتنا وأساتذتنا عن ما يحدث من أزمات محيطة بنا وذات علاقة مباشرة أو غير مباشرة بوطننا ومجتمعنا ومبادئنا؟ ماهو رد الفعل الثقافي أو ماهي المبادرة الثقافية التي اتخذتها الجامعة السعودية ومنسوبوها الباحثون والمثقفون والمفكرون تجاه الحملة المعادية لبلادنا؟ أين الرأي الثقافي والفكري الذي يمثل الجامعة أو مثقفيها وباحثيها تجاه الأحداث المحيطة بنا وبعضها يمسها ويمس وطننا وأمننا ومستقبل أجيالنا القادمة؟ ربما لا نحلم ببيان فكري مماثل تقوده جامعاتنا، ولا نتوقع أن نقرر كتاباً يتعلق بعقيدة أعدائنا ليمكننا فهم طرائق تفكيرهم بشكل أكبر، ولكن في الحد الأدنى نسأل كم ندوة وحلقة نقاش فكرية عقدتها جامعاتنا في هذا الشأن؟ كم رؤية ثقافية وفكرية بزغت من أروقة جامعاتنا تتعلق بالقضايا التي تمس بلدنا ومجتمعنا ومبادئنا؟ إذا لم تقد الجامعات النهضة الفكرية والثقافية فمن يا ترى يقودها؟ هل أصبحت الصحافة السيارة هي الممثل الوحيد والمنبع الوحيد لوجهنا الثقافي والفكري؟ من أين تستقي صحافتنا وإعلامنا مصادرهاومرجعيتها في ظل غياب المؤسسات الأكاديمية والثقافية والبحثية عن القيام بأدوارها المفترضة في كافة المجالات؟ هل أصبحت الجامعة مثلها مثل النادي الرياضي، الذي يحمل لائحة مكتوباً عليها “ثقافي رياضي اجتماعي” بينما هو في الواقع مجرد رياضي، بل مجرد كرة قدم؟ الجامعة تدعي بأنها مركز اشعاع ثقافي وحضاري واجتماعي وعلمي، فهل جامعتنا المحلية كذلك أم هي مجرد مكان تدريس وقليل من البحث البعيد عن ملامسة همومنا المعاصرة؟
يحمد للجامعات اسهامها الكبير في تخريج الكفاءات الوطنية وتدريبها في كافة المجالات بما فيها الثقافية، فالحديث عن التطوير في كافة الجوانب بما فيها الثقافية لا يغفل هذا الاسهام ولا ينفيه، كما يحمد للجامعات أنها أسهمت في ترسيخ كثير من مفاهيم الوحدة الوطنية حيث أسهمت في التقاء أبناء المجتمع من كافة المناطق والقبائل تحت سقف واحد، بناء على معايير علمية لا تفرق بين أبناء منطقة دون الأخرى، وقد كتبت عن هذا الجانب في مقال سابق (2)، وبالتالي فإن أية حديث عن الجانب الثقافي والفكري هنا لا ينكر هذه الأدوار وإنما يرى ضرورة تجاوزها أو تطويرها، لتصبح أكثر تفاعلاً مع متطلبات التطور والأحداث الراهنة والبحث عن أضواء المستقبل لنهضتنا المعاصرة. هذا التطوير يتطلب منا وقفة تقييم ونقد للفعل الثقافي والفكري في التعليم العالي ببلادنا، ممثلاً في الجامعات والجهة الرئيسية المشرفة عليه، وزارة التعليم العالي.
الراصد للتطور الثقافي ببلادنا يجد أن تأسيسه بدأ كمبادرات فردية ما لبثت أن نمت وشكلت بدايات الوجه الثقافي المحلي، ومع بداية التعليم الجامعي وبداية البعثات واستقدام الكفاءات العربية المتمكنة للعمل بالجامعات والمدارس السعودية، بدأ الفعل الثقافي المحلي ينضج ويأخذ هوية أكثر وضوحاً. لا أريد التاريخ هنا للنهضة الثقافية الفكرية بالمملكة فهناك من هو أقدر مني وأكثر معرفة في هذا الشأن، ولكنني لا أتردد في القول بأنني ألاحظ بأن الفعل الثقافي والفكري خلال العقد الأخير لم يواصل السير في خط تصاعدي كما هو مفترض، بل ودون تحفظ أراه يسير في الاتجاه العكسي، ولذلك أبعاد، مسببات، وعوامل مؤثرة مختلفة، أحاول هنا ملامسة بعض ما يعني الجامعات منها. سأتجاوز المقارنة بمجتمعات أخرى وأقارن بعقود مضت في تاريخ التعليم العالي المحلي فأسأل عن غياب الفعل الثقافي المؤسساتي بجامعاتنا، أسأل عن غياب الحوار، أسأل عن غياب الدراسات الانسانية والاجتماعية والثقافية والإدارية والتربوية الجادة التي تنتج فكراً حديثاً متطوراً، بعيداً عن الخشية من سلطان المجتمع ومن تصنيفات المتربصين؟ أسأل هل تعني خدمة المجتمع أو تفاعل الجامعة مع مجتمعها لدينا، أن تتخلى الجامعة عن ريادتها واستقلاليتها الفكرية والإدارية لتساير التسطيح، من السطحية، الاجتماعي الحاصل، بدلاً من الارتقاء بفكر المجتمع وتطويره للأفضل؟
التعليم العالي يفترض أن يمثل المكان أو الوعاء الأمثل لتطوير الحوار الثقافي والفكري ولتفريخ الأفكار الحديثة ولجذب ونقد وتعليم المستجدات العلمية التقنية والانسانية والاجتماعية والإدارية، فهل واكبت مؤسساتنا الأكاديمية هذه المتطلبات أم هي تقبع وتدور في فلك النمطية الأحادية، الغارقة في غياهب البيروقراطية والمركزية والدكتاتورية الفكرية الثقافية؟
التعليم العالي يفترض أن يحفل بالاختلاف والتنوع والابداع ودون ذلك هو مجرد مدرسيات لا تختلف عن مدارس التعليم الأساسي أو المدارس الحرفية، وأول مسمار دق أو يدق في نعش التعليم العالي لدينا هو السعي نحو الغاء التنوع والاختلاف، وترسيخ مبدأ الشك وعدم الثقة في الأفكار الخارجة عن رحم السياق الأحادي، وهو سياق يتبناه البعض من مبدأ المسابرة أحياناً لتيار بذاته، أو من مبدأ الأوهام التي مصدرها الريبة والرغبة في السيطرة على كل شاردة وواردة تحدث في هذا المجال الخصب الواسع الثراء مجال الأكاديميا.
سأتجاوز الدوافع كثيراً في موضوع اليوم، فمن حسن النية بالآخرين عدم الجزم بأن ما حدث ويحدث من تدنٍ في هذا الشأن يتم بوعي كامل وتعمد مقصود، فربما أتى بعضه بحسن نية مردها ضعف الإرادة الفكرية والمعرفية والإدارية وعدم تفريق بيروقراطيي التعليم العالي بين إدارة المؤسسة البيروقراطية الإدارية وبين إدارة المؤسسة الفكرية العلمية.. المهم هو النتيجة التي نلمسها ونراها تزداد ترسخاً في بيئتنا الأكاديمية وبالتالي الثقافية على مستوى الوطن.
لا أحبذ الاجابة النمطية السائدة بأن هذا يأتي انعكاساً لحالة المجتمع، والأمة، فالفكر والثقافة مثلها مثل غيرها من المجالات تتطلب قيادة وتنظيماً إدارياً وتتطلب توفير بيئة مناسبة للنمو، وعلى المستوى التنظيمي لا أجد حرجاً بالاشارة إلى أن نظم التعليم العالي المحلية، كانت قاصمة الظهر للفعل الثقافي والفكري بالجامعات، حيث ان تلك النظم تجاوزت وتجاوز فعلها وتأثيرها مجرد تنظيم عملية الرواتب والترقيات وتوحيدها ضمن الجامعات السعودية، إلى كونها قضت وتقضي على مكامن الابداع وتأتي وكأنها نابعة من فعل الشك وعدم الثقة بقدرات الإدارة الجامعية، أولاً وبقدرات عضو هيئة التدريس العالم المثقف الباحث، ثانياً: بل وتجريد الأكاديمي المثقف الباحث بعض حقوقه الاعتبارية، بحيث تحيله إلى مجرد موظف لا يملك الحقوق المعتادة في النظم الأكاديمية المتقدمة.. النظم المركزية لم تسهل مهمة القيادات الجامعية في تسيير القرار الإداري وإنما أدت إلى تقاعس تلك القيادات واتكاليتها على آخرين في تحديد مسارها، بل وتلكؤها في التجديد والتطوير.
عندما تفقد ميزة الثقة في عضو هيئة التدريس، وتهمش حرية الرأي والفكر داخل الحرم الجامعي، يتخلى الباحث الأكاديمي المتأصل في عضو هيئة التدريس عن إعلان الآراء الجادة البعيدة عن حصار النمطية الأحادية السطحية، وبالتالي يتحول إلى مجرد صوت أو رقم مضاف إلى الأصوات المتشابهة الأخرى، ويضطر إلى اتباع خيارات يفترض أن ينبذهما عضو هيئة التدريس/ الباحث/ المثقف/ المفكر المتميز، وهما إما مسايرة الوضع وتحديداً السير وفق قوانين المركزية البيروقراطية التي تفرض الشللية والمجاملة وأحياناً المنافقة، أو الركون على الهامش والانغماس في متطلبات الحياة اليومية بعيداً عن العمل الريادي الجاد.. عضو هيئة التدريس المفترض فيه حمل مشعل الفكر والعلم يتم تشتيته ذهنياً واجتماعياً، بوضعه في مأزق لقمة العيش والبحث عن الوفاء بمتطلبات المعيشة اليومية المختلفة داخل وخارج الجامعة، وارضاء صاحب القرار الإداري، بشكل يأتي أحياناً على حساب المثل الأخلاقية المهنية والأكاديمية؟!
من مبادئ التطور الفكري والثقافي والعلمي التواصل والتلاقح بين مختلف الحضارات والمدارس والثقافات المختلفة، فكيف يحدث ذلك بجامعاتنا وهي تغلق فرص الحوار داخلها وتسير نحو الحد من الحوار مع الآخرين محلياً وخارجياً، فردياً ومؤسساتياً؟ إن جامعاتنا يقفلها باب التبادل الثقافي مع الآخر، بما في ذلك الابتعاث، وبالذات في العلوم الانسانية والاجتماعية وغيرها من التخصصات، قادت وتقود إلى الانغلاق والرضا بما لدينا على علاته ونواقصه، والنتيجة الحتمية هي نهل الجميع من بركة راكدة لا يتجدد ماؤها بشكل كاف..!
قسوت على جامعاتنا، ولكن هي الحقيقة: إن أردنا ايجاد نهضة ثقافية وفكرية واجتماعية فعلينا العودة إلى اصلاح البيئة الأكاديمية لتصبح بيئة صالحة للنمو، علينا إعادة الاعتبار والثقة للباحث والمثقف والمفكر والأكاديمي، ووضع المحفزات التي تشجعه على العطاء والتميز دون فلق أو وجل أو خوف، فأشياء كثيرة يمكن استيرادها وشراؤها إلا الحضارة والثقافة والفكر، لابد أن تنمى وتغرس وتقطف من داخل المجتمع ذاته، بقيادة مفكريه ومبدعيه ومثقفيه وعلمائه وباحثيه. يمكن أن ننشيء عشرات الأندية الأدبية ونؤسس عشرات الصحف اليومية وننظم عشرات الأيام الثقافية بالدول العربية والأجنبية، ولكن كل ذلك مجرد أوعية تعنى بالنتاج النهائي للفعل الثقافي بينما مراكز البحث والدراسة والمجتمع الأكاديمي هي المصانع الحقيقية لفعل ثقافي فكري منهجي متطور يغذي تلك الأوعية ويزيدها نماءً وارتباطاً ببيئتها ومنابعها المحلية، فمن يتبنى تلك المراكز إن لم تفعل الجامعات..؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- لمزيد من التفاصيل حول الخبر وبعض ردود الفعل عليه يمكن الرجوع إلى المصدر التالي:
An Attempt to Isolate Israeli Scholars Draws Flak. By Beth Mcmurtrie. The Chronicle of Higher Education, July 26,2002.Page A49
2- انظر مقال “الجامعة أدوار تفوق الشهادة” نشر بتاريخ 1421/6/2هـ .
malkhazim@hotmail.com r