التعليم العالي: التحديات

ان تدني مستويات التعليم العالي لدينا أسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تدني مستوى كثير من الخدمات ببلادنا، لأن مؤسسات التعليم العالي تتحمل مسئولية كبرى في هذا الشأن وهي المكان الذي يخرج منه المعنيون بإدارة تلك الخدمات..

وحينما نقول بأن هذا زمن التنافس على مستوى العالم وبأن عصر العولمة يتطلب الاعداد للكوادر البشرية لمواجهة سلبيات اتفاقيات منظمة التجارة العالمية وانفتاح الأسواق بما فيها سوق الكوادر البشرية أمام الآخرين، فإن التعليم العالي هو مركز الإشعاع الأول، في جميع دول العالم وليس بلدنا فقط، الذي تبنى عليه الآمال والطموحات لاعداد وبناء جيل قادر على التفاعل مع كل معطيات الحضارة والأخذ على عاتقه نقلنا إلى مراتب تنموية وتقنية وادارية أفضل. حيث التعليم العالي هو المصنع الأول الذي يخرج منه القيادي والاداري والمعلم والمهندس والطبيب والمثقف وصاحب التخصص والمهنة.. الخ، ولا غنى لنا عن تطويره. نوعاً وكماً، ليس فقط لتخريج حملة الشهادات ولكن لتخريج حملة الشهادات القادرين على خوض معترك الحياة العملية وهم حاملون لأسلحة العلم والفكر والتخصص لسد الاحتياجات الوطنية من الكوادر البشرية وفق أسس تضمن الكفاءة والمنافسة مع الآخرين..

لا ننكر بأن لمؤسسات التعليم العالي دوراً بارزاً في تأسيس نهضتنا الحديثة(1) ولكنه يقلقنا أن تقدم الاصلاح الاقتصادي والتطوير الاداري في كثير من مؤسساتنا تجاوز بشكل كبير التطوير المصاحب والمأمول من قبل قطاع التعليم العالي، ولم يعد الأمر قضية تلفت انتباه المتخصص والناقد فقط بل ان شكلها الخارجي أصبح يلمسه المواطن العادي في عجز مؤسسات التعليم العالي عن الوفاء بمتطلبات أبناء وبنات هذه البلاد وأبسطها توفير المقاعد الدراسية الجامعية لأصحاب الهمم المتوثبة والطامحة للولوج في عداد الدول المتطورة والمتقدمة حسب المقاييس العلمية وليس المقاييس المادية، وهذا العجز الذي يلمسه المواطن ويكفينا منه حرقة وجود أكثر من خمسة وستين ألف طالب وطالبة في عام واحد يحلمون بمقعد جامعي فلا يجدوه..

كتبت سابقاً عن التعليم العالي والجامعات، وأرى مجرد العزف على موضوع المقاعد الجامعية بداية كل عام أو نهايته نغمة مكررة.. لذلك سأتجاوز تكرار العويل حول قصة توفر المقعد الجامعي وأحاول استعراض بعض مناحي تراجع التعليم العالي ببلادنا ومن ثم أعرض بعض التصورات والرؤى حول سبل الاصلاح الممكنة لإعادة التألق لتعليمنا الجامعي والعالي بصفة عامة، وتحديداً أحاول في هذه المقالات استعراض التحديات التي يتطلب أن نتفحصها عند الحديث عن التعليم العالي، استعراض بعض الحلول المتبعة من قبل جهات التعليم العالي للتغلب على هذه التحديات ونقدنا تلك الحلول، ثم أخيراً أطرح النموذج الذي أدعو إلى تبنيه في مجال التعليم العالي، وبالذات ما يخص الجامعات منه.. مع الاعتذار ان نكرر بعض ما طرحته سابقاً ضمن مواضيع مختلفة فذلك يأتي دون تعمد مقصود، كضرورة يفرضها السياق والبحث عن تأطير صورة شاملة لما أتصوره في ماله علاقة بإعادة هيكلة التعليم العالي..

حينما ندعي بأن التعليم العالي لدينا يسير باتجاه دوائر الوهن والجمود والانغلاق فإنه لابد لنا من ذكر الجوانب التي من خلالها نستنطق أزمة التعليم العالي، وتقودنا إلى استصدار العديد من الأحكام تجاه التعليم العالي. هذه الجوانب نلخصها في النقاط الآتية:

أولاً: تدني المستويات النوعية في مخرجات التعليم العالي وهو ما أسهم ويسهم في أزمة توطين الوظائف ببلادنا، حيث أدى تدني جودة مخرجات مؤسساتنا الاكاديمية إلى فقدان الثقة أو الشك في كفاءة العنصر الوطني خريج الجامعة المحلية، وقاد إلى حلقة من التدني امتدت إلى مؤسسات التعليم الأساسي التي تعتمد على مخرجات التعليم العالي.. ليس ذلك فقط، بل ان تدني مستويات التعليم العالي لدينا أسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تدني مستوى كثير من الخدمات ببلادنا، لأن مؤسسات التعليم العالي تتحمل مسئولية كبرى في هذا الشأن وهي المكان الذي يخرج منه المعنيون بإدارة تلك الخدمات..

ثانياً: قضية المقعد الجامعي، وبغض النظر عن قضايا التوظيف والحاجة إلى عمالة تعمل في مستويات ليست بحاجة إلى تأهيل جامعي، فإنني اؤمن بأنه من حق كل إنسان لديه الرغبة في مزيد من التعليم عبر المسار الجامعي، أن تتاح له الفرصة بل ويشجع على ذلك، بغض النظر عن معدل المرحلة الثانوية، فمعدل الثانوية ليس حكماً نهائياً، وميدان الدراسة الجامعية يختلف عن الثانوية، ومن حق الشاب أو الشابة الحصول على الفرصة للالتحاق بما يراه مناسباً لميوله ورغباته، ليكن الفيصل الرئيسي هو قدرة الشخص على الاستمرار في اكمال طريق الدراسة والتأهيل الأكاديمي.. إذا كان لدينا أكثر من 65ألف شاب يحلم بالمقعد الجامعي فلا نمكنه من ذلك، فماذا سيحدث بعد خمس أو عشر سنوات حين يتضاعف عدد خريجي المرحلة الثانوية؟ إذا كان لدينا آلاف الطلاب يدرسون في الدول المجاورة، فما هو النموذج الاداري والاجتماعي والتقني الذي سيجلب إلينا من تلك الدول؟

ثالثاً: البعد الاداري وقد كنا نباهي ونفاخر بأنظمة التعليم العالي في بلادنا ونسخر من الأنظمة المجاورة التي تتعامل مع مؤسسات التعليم العالي وفق فكر شمولي يدار فيه قطاع التعليم العالي، بشكل لا يختلف عن ادارة المدرسة الابتدائية أو ادارة مؤسسة حكومية، إذا كانت طريقة أداء المدير بمؤسسة مقاولات ما تعنيه وتعني مؤسسته فقط، فإن القضية في التعليم العالي، وبحكم كونها المسؤولة والمساهمة في تخريج مسؤولي الادارة في كافة قطاعات ومؤسسات الوطن، وليس الجامعة فقط، فإن من حقنا مناقشتها وابداء الملاحظات تجاهها.. أليس تواضع النظام الاداري الجامعي مؤشر لوجود حالة فصام بين العلم الذي تبشر به المؤسسة الاكاديمية ويردده أساتذتها بشكل تنظيري وبين الواقع العملي الذي تعيشه الادارة الاكاديمية..؟

رابعاً: البعد الثقافي هو الآخر نستطيع أن نلقي باللوم على الجامعة وعلى التعليم العالي في تدنيه، ومع تقديرنا لذاتنا فإنها الحقيقة المرة بأن هناك تراجعاً مقلقاً في المجال الثقافي والفكري لدينا، والجامعة السعودية التي أسهمت في تطوير الفعل الثقافي في فترات سابقة، أصبحت تسهم في التدني الثقافي كنتيجة حتمية لتدني الأداء الاكاديمي والاداري وتدهور البيئة التحتية للفعل الثقافي الفكري بجامعاتنا الموقرة، ولم تعد الجامعة السعودية ذلك المركز الثقافي الذي يشار إليه بالبنان، لم يعد المركز الذي يستحث الهمم ويشجع الابداع الفكري وطرح السؤال تلو السؤال، لم يعد المركز المتميز الذي يسمع فيه الرأي والرأي الآخر دون وجل أو قلق من عملية التنميط الاجتماعي والثقافي السائد.. هذا التدهور أدى ليس فقط إلى تدهور الفعل الثقافي الفكري داخل محيط الجامعة ومؤسسة التعليم العالي بل وعلى المستوى الوطني بحكم أهمية الجامعة في تشكيل الهوية الثقافية الوطنية(2)..

خامساً: البعد الاجتماعي والجامعة التي كانت تفاخر بأدوارها الاجتماعية في ربط أبناء المجتمع وتقليل الفروقات الاجتماعية فيما بينهم، نراها أصبحت تنظر للتعليم الجامعي كمجرد درس يتلقاه الطالب في قاعة الدرس للحصول على وثيقة، حيث قلصت النشاطات الرياضية والاجتماعية والثقافية والفنية وقلصت الرحلات وقلصت برامج الاسكان الجامعي.. الخ، بل يخشى أن الجامعة تكرس نوعاً من التفرقة الاجتماعية بين أبنائنا الطلاب، فهناك فئة المتفوقين طلاب الجامعة وفئة الفاشلين طلاب الدبلوم يدرسون جنباً إلى جنب في نفس المؤسسة الاكاديمية.. الخ، أحدهم يدفع للجامعة وآخر تدفع له الجامعة، دون أية اعتبارات للأبعاد الاجتماعية التي يفترض أن تكون المقياس الأساسي في تقديم أية مساعدة للطالب..

سادساً: البعد الاكاديمي والعلمي حيث أن الكفاءة المهنية والادارية لم تعد المعيار الرئيسي في التقدم الاكاديمي والاداري لعضو هيئة التدريس وأولوية البحث العلمي أصبحت لا تتجاوز مجرد اكمال النقاط المطلوبة للترفيه، كيفما اتفق، وأصبحت تبرز معايير تعتمد على (الشللية) والعلاقات الشخصية والاجتماعية، بدلاً من الكفاءة الاكاديمية والمهنية، سواء للحصول على موقع داخل الجامعة أو عمل أو استشارة خارج الجامعة..

سابعاً: البنية التحتية ونتيجة لتدني الأداء الاداري والتنظيمي وتدني الأداء الاكاديمي والعلمي أصبحت جامعاتنا تسير وفق استهلاك البنية التحتية التي وفرت لها في فترات سابقة من عمر البناء الحضاري للمملكة، فالمعامل تستهلك وتتقادم دون تحديث، والمباني تشوه وتهمل دون صيانة وعناية مناسبة، والمكتبات أصبحت أشبه بمتاحف الكتب الخالية من كل جديد وحديث، وكأننا أدمنا الاستهلاك دون التحديث ودون الصيانة ودون التطوير ودون أن يقلقنا ما يتبقى للأجيال القادمة من هذه الصروح، الجامعات…

ثامناً: البعد الوطني وأبرز أمثلته قضية توطين أو سعودة الوظائف، فالجامعات ليس فقط مطلوب منها تخريج حملة شهادات يشغلون الشواغر الوظيفية في عرض البلاد وطولها، وإنما مطلوب منها إقناع الجميع بأحقية خريجيها بشغل تلك الوظائف، ومطلوب منها ان تبدأ بنفسها، فقد أورد وزير التعليم العالي في خطابه بمؤتمر اليونسكو، باريس 1999م بأن نسبة أعضاء هيئة التدريس السعوديين تبلغ حوالي 50% من جملة أعضاء هيئة التدريس بالجامعات، ونعتقد بأن ذلك الرقم لم يتطور ايجابياً، خلال السنوات التي أعقبت خطاب معاليه بذلك المؤتمر، وهنا نسأل الجامعات وجهات التعليم العالي المختلفة عن اسهاماتها في سعودة الوظائف الاكاديمية بها، وبالذات البطالة في بلادنا تصل 15%، حسب مجلة الميدل ايست، في عددها الصادر في سبتمبر 2002م.

ذلك مجرد مدخل وتلك مجرد أمثلة تمهد للكتابة عن التعليم العالي لدينا، ونتابع الطرح حول التعليم العالي في مقالات قادمة.

——

(1) انظر مقال “الجامعة أدوار تفوق الشهادة” نشر بتاريخ 1421/6/2هـ، عدد

11756.(2) انظر مقال “جامعاتنا هل أضاعت الهوية الثقافية” نشر بتاريخ 2002/6/3م عد

أضف تعليق