التعليم العالي: تطويق الأزمة

إذا كانت تلك التحديات التي تواجه التعليم العالي، والمتمثلة في عدم قدرته على الوفاء بالاحتياجات في مجال توفير المقاعد الجامعية الشاغرة، وتدني مخرجاته النوعية، ومحدودية موارده المالية وضعف آلياته الإدارية وتدني تأثيره الثقافي. فالسؤال يأتي عن ماهيه الحلول التي أتبعتها الجهات المعنية عن التعليم العالي، كوزارة أو كجامعات تنتمي للوزارة أو ككليات متفرقة، تجاه تلك التحديات؟ هذا السؤال هو محور حلقة اليوم في نقد التعليم العالي، ورأيت تقديمه كاعتراف ببعض الجهود المبذولة لتطويق أزمة أو أزمات التعليم العالي، المشار إليها في المقال السابق، وليكن ذلك انطلاقاً لما سنأتي على طرحه من تصورات في شأن تطوير التعليم العالي بالمملكة.

قبل الانطلاق في استعراض بعض ما اتخذ في تطويق أزمة التعليم العالي، يجب الإشارة إلى تباين مفهوم التحديات أو الأزمات التي يعاني منها التعليم العالي، في نظر المعنيين ونظر رجل الشارع وفي نظر الناقد، فبينما يعتبر أحدهم بأن الأزمة تتمثل فقط في نقص المقاعد الجامعية، وعدم قدرة الجامعات على استيعاب مزيد من الأعداد، فإنني أراها أزمة شاملة متعددة الوجوه، وبينما ينكر أو يتجاهل أحدهم الأزمة الإدارية فإنني أوليها الأولوية لأنني أعتبرها من الأسباب الرئيسية في حدوث أزمات أخرى كتدني المستوى الأكاديمي. في ضوء هذا التفريق في تعريف الأزمة سنرى في الأسطر القادمة بأن الجهود والحلول المتبعة لم تلمّ أو لم تعترف بجذور الأزمة في جانبها الإداري والنوعي والثقافي، وإنما يبدو الموضوع وكأنه حصر في شكله السطحي المتمثل في مجرد محدودية المقاعد الجامعية (المقصود بالمقاعد الجامعية، أعداد الطلاب الممكن استيعابهم بالجامعة)، فماهي بعض الحلول التي تتبع أو اتبعت لمعالجة تحديات التعليم العالي؟

تم التعامل مع محدودية المقاعد الجامعية عبر عدة توجهات أبرزها الآتي:

أولاً: إيجاد مزيد من الضغط الإداري على الجامعات لزيادة طاقاتها الاستيعابية، وقد تجاوبت جل الجامعات مع هذا التوجه، بشكل فاق طاقاتها الحقيقية التي تفترض المحافظة عليها لأجل أداء أكاديمي ذي معايير متميزة، لأن زيادة أعداد الطلاب لم يصاحبها زيادة مقبلة في أعداد أعضاء هيئة التدريس وفي الإنشاءات والإمكانات المعملية والبحثية والأكاديمية المساندة..

ثانياً: قبول مزيد من أعداد الخريجين عبر برامج الدبلوم التي طورتها جميع الجامعات تقريباً، وهي وإن كانت دبلومات متوسطة لا تختلف، بل بعضها يقل مستوى ونوعية، عن ما تقدمه المعاهد الأهلية الخاصة، فإنها أعطيت نوعاً من الهالة بحكم ارتباطها بالجامعات، هذه الدبلومات نعم استقطبت أعداداً لا بأس بها من خريجي المرحلة الثانوية، إلا أنها لم تقدم لها تعليماً جامعياً حسب المتعارف عليه، ويؤخذ عليها ادعاء الجامعات بأنها دبلومات مؤهلة لسوق العمل بينما المعروف عن تخصصات وكفاءات أعضاء هيئة التدريس بالجامعات بأنها أكاديمية نظرية، وليست مهنية تتوافق مع متطلبات سوق العمل في المهن الحرفية أو المهنية.. زيادة استيعاب الجامعات دون زيادة موازية في الموارد والميزانيات والإمكانات أضرّت وتيضر بالعملية الأكاديمية في جانبها النوعي، وإيجاد ما يعرف ببرامج الدبلوم أساء لدور الجامعة الأكاديمي حيث تدني المخرجات يعني تحول المؤسسة الأكاديمية إلى مجرد مؤسسة تدريبية حرفية. إذا كانت الجامعة تدرّس برامج الدبلوم تلك بكفاءة واقتدار فهذا يعني توفر القدرات لديها ونسأل لماذا لم يستفد من تلك القدرات في زيادة المقاعد الجامعية، أما إذا كانت تقدمها بشكل متدن نوعياً، فهذا يعني اعتراف الجامعة بخفض أو انخفاض معاييرها الأكاديمية النوعية..

ثالثاً: عبر التنازل عن مبدأ قديم يرفض التعليم العالي التجاري، والسماح بقيام ما تعرف بالكليات والجامعات الأهلية، وقد أصرت وزارة التعليم العالي لسنوات طويلة بعدم السماح بقيام التعليم الجامعي الخاص، وحينما تمت الموافقة قبل سنوات على قيام التعليم الأهلي كان يشترط أن يتم عبر مؤسسات غير ربحية، ولكنه تم السماح في الآونة الأخيرة بالتعليم الجامعي الخاص، وحتى الآن لم يقدم هذا النوع من التعليم ما يتوازى مع الدعاية والتبشير به بأنه سيكون المنقذ لأزمات التعليم العالي، من الناحيتين الكمية والنوعية.. سننتظر المستقبل ليحكم على جدوى هذا التوجه في التعليم العالي، والحذر أو السؤال سيكون دائماً عن نوعية الضوابط التنظيمية والإشرافية وجديتها التي ستقدم أو تقدم في هذا الشأن..

رابعاً: التوجه نحو ما يعرف بالتعليم عن بعد أو الانتساب وكذا الاعتراف ببرنامج الجامعة المفتوحة، وبالمناسبة كيف اعتُرف ببرنامج الجامعة العربية المفتوحة قبل أن يبدأ بينما لم يعترف ببرامج مماثلة تقدمها جامعات عالمية منذ عشرات السنين؟ الإشكالية في التعليم الإلكتروني أو الانتساب أو التعليم عن بعد، كذلك الذي ستقدمه الجامعة المفتوحة، هي في كونه ليس جذاباً وهناك تشكيك في جودة مخرجاته، بل أشك في نجاحه بشكل فعال في مجتمعنا، وتحديداً بالنسبة للشباب حديثي التخرج من المرحلة الثانوية، لأن من أبسط متطلبات هذا النوع من التعليم هو الجدية والرغبة الذاتية وبكل أسف هذه المواصفات قد توجد لدى الموظف الذي تجاوز مرحلة المراهقة ولديه حماس ودافع داخلي للتزود بالعلم والثقافة، أو وظيفي بمواصلة تعليمه، ولكنها قليلاً ما تتوفر للطالب السعودي حديث التخرج من المرحلة الثانوية الذي لما يخرج بعد من مرحلة المراهقة، ليس ذلك فقط بل ان هذا النوع سيكون موجهاً للطلاب الأضعف دراسياً ممن لم تقبلهم الجامعات بحكم ذاك الضعف، فكيف سينجح الطالب الأضعف في الاعتماد على نفسه في الدراسة عن طريق الانتساب أو المراسلة؟! حتى على فرضية احتمالية النجاح هنا فهي ستكون في أحسن الأحوال في علوم نظرية كالعلوم الإنسانية والتي لم يعد هناك حاجة إلى مزيد من التوسع فيها.

التحدي الثاني: الذي تعاملت معه وزارة التعليم العالي والجامعات، تمثل في نقص الموارد المالية، ولتطويق هذا التحدي أو تقليل آثاره، تم تقديم برامج الدبلوم المشار إليها أعلاه مقابل رسوم مادية، وتم حث الجامعات على الاستثمار الذاتي وبالذات في مجال البحث العلمي، عبر الكراسي العلمية أو عبر المعاهد البحثية، وعبرتسهيل مهمة احتفاظ الجامعة بمواردها الذاتية بدلاً من إحالتها إلى بيت المال العام كما كان يحدث في السابق، إضافة إلى ايجاد ما يعرف بصندوق التعليم العالي، الهادف إلى زيادة موارد الجامعات في تطوير مشاريعها. حصول الجامعة على رسوم دراسية من قبل طلاب برامج الدبلومات أو ما أسمته بعض الجامعات التعليم الموازي، ألغى المعايير الاجتماعية في مدى استحقاق الطالب للمساعدة المالية فأصبح المقياس هنا يتمثل في نسبة الثانوية العامة فقط، وفي ذلك إجحاف لمستحقي المكافأة من ذوي النسب المتدنية في المرحلة الثانوية.. بالنسبة للموارد الأخرى فغالبية الجامعات خبرتها محدودة في هذا المجال، بحكم اتكائها طيلة السنوات الماضية على المورد الحكومي وعدم تنمية قدراتها في هذا الشأن، ونتوقع أن تتطور التجربة في هذا الشأن خلال السنوات القادمة، وبالذات في حالة إعطاء مزيد من الصلاحية والمرونة لإدارات الجامعات للتطوير في هذا الشأن، صندوق التعليم العالي، وقد كتبت عنه سابقاً، نلحظ أن موارده تكاد أن تكون محصورة في إعادة تدوير بعض مكافآت الطلاب الذين حرموا من تلك المكافآت لسبب ما أو لآخر، وأيضاً تشير إلى أن التجربة قصيرة يصعب الحكم عليها بشكل كاف، وإن كنت لا أوافق على اقتطاع أي من موارد الجامعات واعادة تدويرها عبر الصندوق بما في ذلك مكافآت الطلاب، فيجب أن يكون لكل جامعة الحق في الاحتفاظ بمواردها وعدم دفع الجامعات على الاتكال على الصندوق بدلاً من تطوير قدراتها الذاتية، نتمنى أن يعلن الصندوق إن كان استطاع استقطاب اية موارد مالية اضافية من جهات أخرى غير الجامعات وحجم تلك الموارد، ليقنعنا بأنه وسيلة تسويقية مناسبة للجامعات ووسيلة فعالة لاستقطاب مزيد من الموارد للجامعات، وليس مجرد وسيلة أخرى تشجع إدارات الجامعات على التقاعس في تنمية مواردها الخاصة بها..

التحدي الثالث: المتمثل في التطوير الإداري، تم تطوير ما يعرف باللوائح الإدارية الموحدة، وفيها رؤى تطوير النظم الإدارية للتعليم العالي عبر توحيدها وتوفير اللوائح المحددة لعمل الجامعات، والتحكم في عملها عن طريق المركز الأم، وزارة التعليم العالي أومجلس التعليم العالي، تلك اللوائح وكما سنوضح بشكل أكثر تعمقاً في المقالات القادمة ربما سهلت بعض الإجراءات الإدارية، ولكن نتاجها النهائي تمثل في قتل الإبداع والطموح الإداري لدى إدارات الجامعات والكليات والأقسام، وأسهم في قتل فرص التنافس والتمايز بين الجامعات المختلفة..

التحدي الرابع: المتمثل في التحديات الاجتماعية، سمح لأعضاء هيئة التدريس بالعمل خارج الجامعة بغرض زيادة مواردهم وتوسيع خبراتهم، على اعتبار ذلك إسهاماً في زيادة الدخل المالي لعضو هيئة التدريس وكذا لخدمة المجتمع حسب مبررات ذلك السماح. فكرة إفادة المجتمع من خبرات عضو هيئة التدريس وكذا استفادة عضو هيئة التدريس من الخبرات الميدانية واستفادته في تطوير دخله، لا اعتراض عليها بل هي مطلوبة، ولكن ضعف الضوابط وضعف تطبيق النظم المنظمة لذلك انعكس سلباً على التجربة وربما أساء إليها وإلى عضو هيئة التدريس كثيراً، حيث أدى إلى تجاوزات وفوضى في تعامل عضو هيئة التدريس مع القطاعات الأخرى وفي التزامه بواجباته الأكاديمية والبحثية والمهنية داخل الجامعة.. الخ.

تلك كانت أبرز الخطوات/ القنوات التي سارت عليها وزارة التعليم والجامعات في سبيل مجابهة التحديات القائمة، وكما اتضح من التعليق عليها، وما سيأتي من تعليق قادم عليها، بأن لدينا تحفظات بعضها جذرية على بعض تلك الخطوات والبعض الآخر على وسيلة وآليات التنفيذ التي صاحبت تلك الآليات المختلفة، وسنرى بنهاية سلسلة المقالات هذه بأن غالبية تلك الخطوات لم تقدم استراتيجية تطويرية مستقبلية واضحة للتعليم العالي، بقدر ماهي خطوات عاجلة/ تكتيكية في التعامل مع قضايا التعليم العالي..

لحديث التعليم العالي بقية.

أضف تعليق