التعليم العالي: تطوير الكليات إلى جامعات

في المقالات السابقة لهذا المقال كتبت عن تحديات التعليم العالي، وكيف تم التعامل مع تلك التحديات من قبل الجهات المعنية، ثم طرحت تصورا لما يجب أن تكون عليه ادارة الجامعة ومهام وزارة التعليم العالي التي يجب أن تتفرغ لها، ولكي تكتمل الصورة يبقى السؤال قائما حول الكليات ذات المستوى الجامعي التابعة للقطاعات المختلفة كوزارة المعارف بشقيها البنين والبنات ووزارة الصحة والمؤسسة العامة للتعليم الفني. التطرق الى الكليات غير التابعة للجامعات يستهدف اولاً: البحث عن تطويرها اكاديميا، وثانياً: تطويرها اداريا، وثالثا: تطوير قدراتها كمياً.

هناك عدة آراء حول وضع تلك الكليات، فهناك من يطالب بتحويلها الى جامعات مستقلة او تابعة لنفس القطاع الذي تتبع حاليا، كالمطالبة بتحويل كليات البنات الى جامعة للبنات وكليات المعلمين الى جامعة للتربية والتعليم، وكليات وزارة الصحة الى جامعة للتخصصات الصحية المساعدة وكليات التقنية الى جامعة للتقنية، وهناك من يطالب بضم تلك الكليات الى التعليم العالي لتبقى ككليات مستقلة أو تابعة للجامعات القائمة وهناك من لا زال يجادل بأن الأفضلية في بقائها على ما هي عليه من ناحية المرجعية الإدارية. وجهة نظري حيال ذلك لا تعارض جميع وجهات النظر تلك ولكن تضعها في قالب مختلف يهدف الى تطوير ليس فقط تلك الكليات بل والجامعات كذلك، ولكن قبل عرض وجهة النظر أو النموذج الذي اقترحه حيال تلك الكليات يفترض إيضا عدم قناعتي ببعض التوجهات المذكورة أعلاه.

عند القول بتحويل كليات البنات التابعة لوزارة المعارف، على سبيل المثال، إلى جامعة للبنات، فذلك يعني عدم التفكير في النموذج أو الأداء الاداري الذي ستكون عليه مثل تلك الجامعة، وسواء أبقيت تلك الجامعة تحت مظلة وزارة المعارف او اصبحت مرجعيتها وزارة التعليم العالي، فإنها ستفتقد الوحدة المكانية وستكون إدارتها مكلفة في ظل وجود كلياتها في جميع المناطق، فكيف نتصور وجود جامعة او مؤسسة اكاديمية مركزها في الرياض وفروعها في جميع مناطق المملكة؟ إضافة الى الصعوبة الإدارية والاقتصادية التي قد تواجهها مثل تلك الجامعة المقترحة، فإن هناك ضررا أكاديميا كذلك، بجعل جميع كليات التربية للبنات أو المعلمات تابعة لجهة واحدة مركزية، حيث ستظهر البيروقراطية السلبية بحكم صعوبة إدارة جميع الفروع بكفاءة عالية، وسيغيب التنوع والتمايز والتنافس بين الجهات التي توفر التعليم العالي للبنات، من المعروف اداريا ان غياب التمايز والتنافس يسهم في قتل الإبداع، فهل نحن نسعى الى تطوير الأداء الأكاديمي أم مجرد التباهي بوجود جامعة للبنات؟

ضم كليات قطاعات المعارف والصحة والتعليم الفني إلى وزارة التعليم العالي وبقاؤها كليات منفردة لن يكون حلاً مثالياً هو الآخر من الناحية الإدارية، فوزارة التعليم العالي وحسب النموذج الذي اقترحناه في مقال سابق، لا يفترض ان تكون جهة تنفيذية تتدخل في إدارة الكليات والجامعات، ومن الصعوبة تكوين كادر إداري وأكاديمي ومساند لكل كلية بشكل مستقل، ففي ذلك هدر اقتصادي ومتاعب إدارية جمة، وحتى ضم تلك الكليات إلى الجامعات القائمة غير مقبول، فعلى سبيل المثال كيف تضم كليات جديدة إلى جامعة الملك سعود وهي التي تحوي أكثر من خمس عشرة كلية وينتمي لها حوالي ستين ألف طالب وطالبة؟ نحن نبحث عن مساعدة الجامعات لتطوير قدراتها لا إضعافها وزيادة أعبائها بإضافة كليات جديدة إليها، تدخلها في دوامات إدارية وتنظيمية هي في غنى عنها، نحن نريد زيادة استيعاب الجامعات وكذلك زيادة استيعاب الكليات المختلفة التي لا تتبعها إدارياً، وضم الكليات المتناثرة إلى الجامعات القائمة قد لا يحقق ذلك الهدف بشكل كاف…

إذاً ما هو النموذج الأفضل لتطوير تلك الكليات وكذلك لإزالة الأعباء التي تسببها نحو القطاعات التي تتبعها؟

الحل الذي أراه الأمثل، وسبق أن طرحته بالقول بأنه يوجد لدينا أكثر من ثماني جامعات(1)، هو إيجاد جامعات جديدة تكون نواتها فروع الجامعات القائمة حالياً والكليات التي حولها وتتبع القطاعات المختلفة، فعلى سبيل المثال يمكن تحويل فرع جامعة الملك فيصل بالدمام ومعه كليات البنات والبنين بالدمام وما جوارها، الى جامعة مستقلة، وفي مقابل ذلك يمكن ضم فرع جامعة الإمام محمد بن سعود وكليات المعلمين والمعلمات بالاحساء الى جامعة الملك فيصل بالأحساء.. في المدينة المنورة يمكن تحويل فرع جامعة الملك عبدالعزيز مع كليات البنين والبنات بالمدينة المنورة وما جاورها الى جامعة مستقلة.. وفي القصيم يمكن أن توجد جامعة مستقلة تضم فروع جامعتي الإمام محمد بن سعود والملك سعود وكذلك كليات البنين والبنات المحيطة بهما.. وفي الرياض يمكن أن تقوم جامعة ثالثة تضم الكليات التابعة للتعليم الفني والمعارف والصحة، أو يمكن ضم تلك الكليات الى جامعتي الملك سعود والإمام محمد بن سعود، كبديل لتحويل فروعهما إلى جامعات مستقلة.. الخ.

مثل هذا المقترح سيطور جامعات جديدة اكثر تنظيماً وقدرة على تطوير ذاتها كمياً ونوعياً، سيوحد الجهود المزدوجة والمتشابهة بين الكليات القائمة وفروع الجامعات بوضعها في بوتقة إدارية واحدة، سيقلل الأعباء المالية والإدارية عن القطاعات الخدماتية، سيساعد الجامعات للتوسع والتركيز على تطوير مقراتها الأصلية.. بل انه سيحقق رغبات اجتماعية نلحظها في ضغط المناطق المختلفة، بالرغبة في وجود جامعات مستقلة بها.. الخ، الكلفة الاقتصادية، وهي التي تؤجل بعض قراراتنا الإدارية، لمثل هذا التوجه لن تكون عالية بعد أن تنتهي عمليات الدمج والهيكلة الإدارية، لأن هناك جهودا ومقرات ومصاريف مكررة حالياً سيستفاد منها بعد عمليات الدمج والتوحيد المقترحة أعلاه، وفي حال توجه الجامعات الجديدة نحو تطوير مواردها الذاتية فيمكن لها أن تستفيد مما توفره مناطقها المختلفة من إمكانات، ونعتقد بأن رجال الأعمال والمسؤولين الإداريين للمناطق المختلفة سيمدون يد العون للجامعات الجديدة القائمة بمناطقهم، فجامعة الملك فهد للبترول والمعادن توفر أكثر من مائة مليون ريال سنويا نظير ما تقدمه من ابحاث وخدمات، وجامعة الملك سعود مواردها الذاتية عبر مشاريع استثمارية وعبر معاهد البحوث وما تقدمه من خدمات توفر ما لا يقل عن ذلك المبلغ كمورد ذاتي يضاف الى ميزانيتها السنوية في دعم أنشطتها البحثية والتعليمية المختلفة، بينما يغيب الاستثمار الذاتي في الكليات التابعة للقطاعات المختلفة ويغيب حتى في بعض فروع الجامعات المشار إليها لعدم حماس الجامعات الأم لتلك الفروع في تطويرها والتقليل من شأنها كقناعة يحملها كثير من إداريي الجامعات المشار اليها لعدم حماس الجامعات الأم لتلك الفروع في تطويرها والتقليل من شأنها كقناعة يحملها كثير من إداريي الجامعات بأن تلك الفروع ما هي الا فروع مرتبطة بها بشكل مؤقت وستفصل في النهاية، وهي قناعة تجعل التعجيل بفصل تلك الفروع وما يحيط بها الى جامعات مستقلة مطلبا ملحا، حتى لا تزداد الفجوة بين الفروع والمقرات الرئيسية وبين كليات الجامعات وكليات القطاعات المختلفة(2).

مثل هذا التطوير الذي نطالب به في مجال هيكلة واعادة تنظيم التعليم العالي، يستوجب الحديث عن تلك البرامج التي تقدم ما فوق المرحلة الثانوية ولكنها دون المرحلة الجامعية (البكالوريوس) مثل برامج الدبلومات التي تقدمها الجامعات ومثل كليات المجتمع والكليات المتوسطة التي يفترض ان تكون مهنية أو فنية أو تدريبية، وكذلك المعاهد العلمية..

تحديداً ارى ضرورة تخلي الجامعات عن كل ما هو دون المرحلة الجامعية من برامج وضم تلك البرامج الى قطاعات التعليم الاخرى وتحديداً الى مؤسسة التعليم الفني بالنسبة لبرامج الدبلومات والكليات المتوسطة وإلى وزارة المعارف بالنسبة للمعاهد العلمية.

قضية تنظيم وهيكلة التعليم العالي بالشكل الذي تطرقنا له يجب أن لا يؤخذ بأنه إخلال بأية ثوابت أو مبادئ رئيسية في التعليم لدينا، وانما هي محاولة لاعادة رسم الخارطة التعليمية بما يحقق لها التطور والنمو نوعياً وكمياً، و حين نطلب ضم مدرسة الى وزارة المعارف فيجب أن ندرك بأن وزارة المعارف قطاع معني بالتعليم ويسير وفق مبادئ وثوابت يحرص عليها بشكل لا يقل عن حرص جامعة تعلي تلك المبادئ، وحين نطالب بإشراف مؤسسة التعليم الفني على جميع برامج الدبلوم فلا يعني ذلك المطالبة بتقليص نسب القبول بها، بل نتوقع ان يؤدي التنظيم المقترح بافتتاح جامعات جديدة والالتزام بالاختصاص في تقديم كل نوع أو مستوى من أنواع التعليم الى زيادة اعداد المقبولين وإلى الالتفات بشكل جدي الى النوعية والكفاءة التي تنبع من التخصص ومن تركيز الجهود في مجال محدد وواضح لكل قطاع..

أعلم بأن موضوع التعليم العالي شدني وأخشى ان اصل مرحلة (الإسهال) الكتابي فيه، لذا أراه من الضرورة كبح جماح الناقد والكاتب داخلي وترك المجال مفتوحاً للآخرين للتطوير وبعث الحياة في ما طرحته من آراء في سلسلة المقالات هذه وغيرها من المقالات..!

هناك جهات تعليمية عديدة يعنيها الموضوع، البعض يدرك فحوى هذه الأفكار وأفضل منها، لكن التسلسل الإداري وعلاقة تلك الجهات/ الوزارات مع بعضها البعض يشير إلى ان الموضوع هذا سيبقى راكداً ولن يحركه سوى تبنيه من قبل المجالس العليا وتحديداً المجلس الأعلى للتعليم العالي، المجلس الأعلى الاقتصادي، مجلس القوى العاملة، أو اللجان العليا كلجنة الإصلاح الإداري، كل في مجال اختصاصه وما له علاقة بالموضوع بمناقشة القضية التنظيمية للتعليم العالي..!

**

شكر

شكراً لمن أثنى أو علق على هذه المقالات المتعلقة بالتعليم العالي، وتحديداً للزملاء والقراء: د. عثمان الحربي، م. محمد القحطاني، د. طالب العبدالمحسن، د. محمد خليفة.. شكراً للجميع.

**

(1) انظر مقال “لدينا أكثر من ثماني جامعات” نشر بتاريخ

2000/1/27.(2) في حديث شخصي مع أحد وكلاء الجامعات (وكيل سابق) أشار بشكل واضح بأن فرع الجامعة يجب أن لا يحتل الأولوية، لأنه كما قال سيتم فصله إن عاجلاً أم آجلاً وسينسى الآخرون مجهوداتنا نحو تطويره، مثل هذا التوجه هو ما يعتبره البعض تفسيراً لتوجه إحدى الجامعات السعودية إلى ايقاف أو تجميد مشاريع إنشاء كليات تم إقرارها من قبل المقام السامي قبل عدة سنوات بفرعها/ شطرها الوحيد والتوجه نحو افتتاح كليات جديدة بالمقر الرئيسي، رغم أن تلك الكليات التي تم إيقاف تنفيذها لازالت بلادنا بحاجة إلى آلاف من خريجيها، ورغم توفر مبررات ومقومات نجاح تلك الكليات التي تم تجميد أو عدم استكمال إنشائها..!

أضف تعليق