لقاء صحي يستحق القراءة

الكتابة في الشأن الصحي أصبحت أراها كمن يريد قيادة الطائرة في جو غائم دون أن تتوفر لديه بوصلة أو جهاز قياس الضغط الجوي… لقد حاولت الطيران في نقد النظام الصحي، ولكنني اكتشفت أنني أصرخ في البرية.. فقر في المعلومات.. بدائية في التنظيم.. مزاجية لدى القيادات الصحية.. والنقد لا فائدة منه حين يأتي من طرف واحد دون تفاعل وحوار من الآخرين..

رغم هذا التشاؤم، شدني مؤخراً ضوء خافت، لا نعلم إن كان سيضيء كل سمائنا أم أنه سيبقى خافتاً محصوراً في دائرته الصغيرة.. لا نعلم إن كان ضوءا أصيلا سينير دروب الآخرين ام أنه مخادع سيذهب حالما يرحل أو يلتفت حامله.. لا نعلم إن كان ضوءا حقيقيا أم هو مجرد وميض/ كلام ليس واقعا حقيقيا.

أكتب اليوم مرة أخرى عن القطاع الصحي، كتفاعل مع لقاء شيق أجراه زميلنا المبدع عبدالوهاب الفايز مع معالي المدير التنفيذي للشؤون الصحية بالحرس الوطني، الدكتور فهد العبدالجبار.. معاليه في غنى عن محاباتنا له، ولكن آراءه يفترض أن يكون لها قيمتها في عالم الإدارة الصحية المحلية، كونها تمثل شهادة خير تنقل وابدع في عدة مواقع إدارية قيادية في أكثر من قطاع صحي.

يقول الدكتور العبدالجبار عن القطاع الصحي السعودي “ان ما يلفت الانتباه بشكل بارز هو التفاوت الكبير بين مستويات الخدمة المقدمة… والتساؤل هو: هل هذا التفاوت نتيجة لضعف الامكانات أم أن هناك أسباباً أخرى تتعلق بالعملية الإدارية وتتعلق بوضوح رؤية بالنسبة للمسؤولين في القطاع الصحي وما إلى ذلك؟ في ظني أنه بالنظر إلى المبالغ الكلية التي تصرف على القطاعات الصحية المختلفة سواء إذا أخذناها بشكلها الفردي أو أخذناها بكليتها أعتقد أن ما ينفق على القطاع الصحي بالمملكة العربية السعودية كاف من الناحية الرقمية على الأقل، لكن هناك أسباب أخرى أدت إلى هذا التفاوت الكبير في مستوى الخدمات الصحية في المملكة، أيضاً ربما أنه نتيجة لعدم وضوح الرؤية من الأساس وعدم وجود تخطيط صحيح لعملية توزيع المراكز الصحية سواء في مستواه الأول أو الثاني أو الثالث، لأن هذا التوزيع في الغالب غير عادل ولا يأخذ في الاعتبار الكثافة السكانية ولا الخطة الشاملة للمملكة العربية السعودية في المجال الصحي.. وأعتقد أن القضية ليست قضية تمويل… وذلك في رأيي بسبب غياب الاستراتيجية الواضحة عن ماذا نريد في الجانب الصحي للمواطن”.. انتهى.

هنا يلخص الدكتور فهد لب القضية الصحية في غياب الاستراتيجية الصحية، ويعزو غيابها إلى الفعل الإداري القيادي وليس المالي.. هذا القول يؤكد ما كررناه مراراً بشكل مباشر أو غير مباشر بأن لدينا خللا في قيادة القطاع الصحي بالمملكة، أدى إلى عدم وضوح الرؤية الاستراتيجية المستقبلية للنظام والخدمات الصحية.. لا ننفي أهمية توفير مزيد من الموارد اللازمة للقطاع الصحي، ولكن الوضع يتطلب أكثر من مجرد توفير مزيد من المبالغ.

عن الخدمات الصحية يقول الدكتور فهد “عندما نأخذها ككتاب احصائي صادر من جهة ما ونرى الأرقام نجدها مرضية، إنما حينما نتحدث عن النوعية وتنامي عدم ثقة المواطن فيما يقدم له من خدمات صحية، هنا في الحقيقة جانب مؤسف، لأننا إذا لم نقدم لهذا المواطن الخدمة الجيدة فإنه سيفقد الثقة، وهذا الآن فيه إهدار مالي.. وهناك حلول مثل توحيد (الرقم الطبي) في كل المؤسسات الصحية”.

قد لا أبالغ إن أشرت إلى أنني سمعت كلاماً مماثلاً لذلك من أكثر من مسؤول من قطاعات صحية مختلفة، بما في ذلك الدعوة لتوحيد الرقم أو الملف الطبي للمريض وأشير إلى أن هناك أنظمة وضعت قبل سنوات عديدة ربما تزيد عن العشر توضح نظام التحويل من المراكز الأولية إلى المستشفيات ذات المستوى الثاني، ولكن لم تتفق القطاعات الصحية على التنفيذ رغم اتفاق قادتها على ايجابية فكرة توحيد الملف الطبي، ولم تطبق نظم الرعاية الأولية بجدية تامة، فلماذا أصبح كلامنا أكثر من فعلنا؟

هناك سببان رئيسيان في عدم تحقيق ذلك: الأول ضعف الثقة والتعاون فيما بين القطاعات الصحية الحكومية، حتى أن معالي مدير الشؤون الصحية بالحرس الوطني وربما مثله مسؤولي القطاعات الصحية الأخرى يتباهون بعلاقاتهم وتعاونهم مع وزارة المالية، كما ورد في اللقاء، ولكنهم يخجلون أو يتجاهلون الحديث بشكل صريح عن تعاونهم وعلاقتهم مع القطاعات الصحية الأخرى، وتحديداً وزارة الصحة التي أصبحت تلك القطاعات تتعامل معها بشكل بروتوكولي فقط في حفلات الافتتاح وأمام الإعلام، بدلاً من التعامل معها كقائدة للمنظومة الصحية.. نلوم الجميع على ذلك ولكن الوزر الأول يأتي على كاهل الجهة القيادية، وزارة الصحة التي لم تتمكن من فتح آفاق الحوار والتعاون مع الآخرين رغم ما تتمتع به من سلطة معنوية وأدبية ونظامية وسياسية في هذا الشأن..

السبب الثاني في غياب الرؤية المنهجية التي تحدث عنها الدكتور فهد تتمثل في نوعية الفكر الإداري الصحي القيادي الذي لا يزال يفكر لدينا وفق نموذج الستينات من الناحية الإدارية الصحية، وهو نموذج لا يرى سوى الطبيب المعالج ولا يرى سوى العلاج ويجهل كثيراً من أبجديات وضرورات تكامل الخدمات الصحية بفروعها الوقائية/ الأولية والعلاجية والتأهيلية، وإن لم يجهلها نظرياً فهو يعجز عن فهم آليات تحويلها إلى برنامج عمل ناجح، لأنه يتعامل مع المريض كآلة حينما تعطل نستدعي الميكانيكي/ الطبيب لإصلاحها، إصلاح يعتمد على تقنيات وآليات مكلفة جداً، بينما كان بالامكان استكشاف العطل أو احتمالية العطل قبل أن تخرب الآلة/ الإنسان وبالتالي تقديم علاجات واحترازات مؤقتة تغني عن العمليات الباهظة الثمن..

ربما لا يحبذ الدكتور فهد أن أدخله موضع خلاف مع قادة القطاعات الصحية الأخرى وبالذات وزارة الصحة، ولا يحبذ أن أضع ما لم يقله على لسانه، هذا شيء مفهوم من الناحية الإدارية والدبلوماسية ولكنه هو ومثله قادة الخدمات الصحية والتعليمية والعسكرية الصحية الأخرى وغيرها من القطاعات الصحية يبقون موضع اتهام بالتقصير ولا يعفيهم نجاح مؤسساتهم التي يديرونها، لأن نجاحهم لا يكتمل دون نجاح الخدمات الصحية في كافة أرجاء الوطن، فإذا كانت بعض الحلول بسيطة كما يرى الدكتور فهد، فلم لم يتم تنفيذها عبر السنوات الطويلة؟ لِمَ لم يبدأ القطاع الصحي بالحرس الوطني استخدام رقم البطاقة الشخصية كرقم لملف المريض؟ هل فعلاً يوجد لدى الحرس الوطني نظام رعاية أولية متقدم يصلح نموذجاً؟ أتحدث عن النظام وآلياته ومدى تطبيقه وليس التجهيزات المادية للعيادات الأولية؟

هناك من يتهم الخدمات الصحية بالحرس الصحي بتعاليها على وزارة الصحة وعدم تعاونها معها في تنفيذ استراتيجية صحية موحدة، ونحن نتمنى أن تتم المكاشفة في هذا الشأن ليس بالضرورة أمام و سائل الإعلام ولكن عبر القنوات الإدارية المناسبة، فيما بين جميع القطاعات الصحية المختلفة… يجب أن نكون أكثر جرأة وصراحة ونعلن عن المتسبب الرئيسي في عدم تنفيذ الأفكار البناءة والتي يكاد يتفق عليها الجميع؟!

تحدث الدكتور فهد عن عمل الاستشاريين السعوديين خارج أوقات الدوام الرسمي بمستشفياتهم وعياداتهم الحكومية، ومع تقديري لدفاعه عن الفكرة تلك ومنطقيتها من الناحية النظرية، وكونها تطبق في بعض البلدان، فإنني لازلت متحفظاً عليها ليس من ناحية المبدأ ولكن من ناحية آليات التطبيق.. وموازنتها بين مختلف العناصر الاجتماعية والتنظيمية والاقتصادية، وأرى أن النظام الصادر في ذلك لم يقدم سوى شماعة فضفاضة للفوضى الحاصلة في هذا المجال، ولم تنفذ محتويات النظام وأشك في تنفيذها من قبل كافة القطاعات الصحية.. ربما يتمكن الحرس الوطني من تطبيق الفكرة بشكل ما على منسوبيه من الأطباء ولكن إذا لم تطبق نفس الأنظمة على منسوبي المستشفيات الأخرى بما في ذلك التعليمية، فإن الفوضى ستستمر وربما نجد في النهاية بأن الأطباء الرابحين هم منسوبو الجهات التي لا تطبق النظام.. كما يحدث الآن مع الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، التي لم تتمكن من فرض نظمها على الجميع.

أعلم بأن هناك دافعين رئيسيين لتبني فكرة عمل الأطباء خارج أوقات الدوام الرسمي، من قبل الطبيب والإداري،أولهما: ارضاء شبع الأطباء ورغبتهم في زيادة مداخيلهم المالية، وبالذات في ظل عدم تطور الكادر الصحي الوظيفي وشموله كافة القطاعات الصحية، والثاني: زيادة موارد المستشفيات الحكومية، وبشكل أقل بهدف خدمة عدد أكبر من المرضى، ولكن دائماً هناك سؤال يقلقني هل الطبيب الذي يقبض بدل تفرغ ويفترض أن يساهم في العملية التدريبية والبحثية اضافة إلى مهامه السريرية ومتطلباته الاجتماعية بقادر على العمل أكثر من عشر ساعات في اليوم؟ لماذا الطبيب فقط يستطيع العمل بشكل متواصل هكذا وليس المعلم وليس عضو هيئة التدريس بالجامعة وليس المهندس.. هل سيتطور مستوى الطبيب المهني عبر هذا النظام، وهل التطوير فقط عبر عمله مثل الماكينة ليل نهار..؟ أنا لست طبيباً ولكن أتساءل عن ذلك فإذا كان الهدف خدمة عدد أكبر من المرضى في ظل قدرة الأطباء على ذلك فليمدد دوام الأطباء ومقابل ذلك يتم زيادة الرواتب.. أما إذا كان الهدف الرئيسي زيادة الموارد فهنا نطالب بأن لا يكون ذلك مقابل تشويه عمل الطبيب السعودي ودفعه للانزلاق في محاذير أخلاقية مهنية اجتماعية إنسانية تتعلق بعمله وازدواجية حماسه وهمته ما بين خدمة صحية مجانية وأخرى مقابل رسوم مادية، في ظل بيئة مهنية محلية لا زالت تتشكل.. ونسأل ماذا عن البنية التحتية للأجهزة والمختبرات والانشاءات الموجودة بالمستشفيات الحكومية، ألا يخشى من استهلاكها بشكل سريع وفق آلية تشغيلها بشكل متواصل هكذا؟ أخيراً كيف يرى معالي الدكتور امكانية التوفيق بين تحقيق نظام الرعاية الأولية وتصنيف المستويات الصحية إلى فئات وبين نظام عمل الأطباء خارج أوقات الدوام بمؤسساتهم الصحية؟ الحصول على الخدمة الصحية وفق تسلسل المستويات أ، ب، ج التي طالب بتنظيمها معاليه، هل سيطبق في العيادات المسائية التي تعقد خارج الدوام بالمستشفيات الحكومية؟

أعلم بأن بعض الدول المتقدمة تطبق أنظمة شبيهة ولكن ذلك يأتي ضمن منظومة صحية تأمينية رقابية تنظيمية متكاملة وليس بشكل مبتور كما نحاول أن نفعل.. لقد صدر النظام والحماس له كبير من قبل المعنيين بالشأن الصحي، بما فيهم معالي الدكتور فهد، ولكن أسجل تحفظي هنا من مبدأ الحرص على أخلاقيات الطب وإنسانية الطبيب والعناية بموضوع العدالة الاجتماعية في توفير الخدمات الصحية للجميع.. ولن يضيرني لو خابت رؤيتي هذه بوجود نظم وآليات أكثر صرامة ووضوحاً في هذا الشأن.

أشار الدكتور فهد إلى اللجنة الصحية، التي شكلت قبل عدة سنوات وبأنها أصدرت توصياتها التي رفعت للجهات العليا.. تلك اللجنة شكلت قبل سنوات، فهل أخذ بتوصياتها في إعداد النظام الصحي الصادر حديثاً؟ أم سيعاد صيغة النظام ولما يمض عليه سوى أشهر منذ الصدور؟ بالمناسبة هل النظام الصحي الصادر بشكل نظام شامل لجميع المستويات والقطاعات والخدمات والمهن الصحية أم هو نظام خاص بوزارة الصحة فقط؟ متى سنرى الأثر الميداني لذلك النظام؟ كنت أود لو سأل زميلنا عبدالوهاب الفايز معالي الدكتور العبدالجبار عن رؤيتهم للنظام الصحي الجديد، وكيف سيتم التعامل معه من قبل القطاع الصحي بالحرس الوطني؟

عن توصيات تلك اللجنة سُئل الدكتور العبدالجبار إن كان مجلس الخدمات الصحية سيكون من ضمن الآليات لتحقيق توصياتها، فكانت إجابته واضحة “لا أعتقد”.. أتفق معه بأن مجلس الخدمات الصحية بشكله المقترح لا يأمل منه الكثير، ولا أراه أكثر من اضافة بيروقراطية للعمل الإداري، ومبرراتي في ذلك هي أن المجلس سيكون برئاسة وزارة الصحة، وهنا الاشكالية: فوزارة الصحة يفترض اشرافها على القطاع الصحي بكامله حتى قبل إنشاء المجلس، ولكن ضعفها القيادي في التواصل والتعاون مع القطاعات الصحية الأخرى، أدى إلى غياب دورها القيادي المفترض، فهل المجلس المقترح للخدمات الصحية يأتي لتجاوز ذلك وإعطاء وزارة الصحة مبررات قانونية أكبر في فرض رؤيتها على القطاعات الصحية الأخرى، أم أنه محاولة منها لقطع الطريق على تشكيل مجلس أكثر استقلالية أو حتى مجلس أعلى على غرار مجالس الاقتصاد والبترول والإعلام العليا، كما سبق وأن اقترح عدد من المهتمين بالشأن الصحي؟

تحية لمعالي الدكتور فهد العبدالجبار فقد أبرز لنا بعض ملامح النجاح الإداري الصحي وأبرز لنا ضمناً وصراحة بعض نواحي القصور الإداري في قطاعنا الصحي، وأتحفنا كذلك ببعض الرؤى التي تستحق التمعن فيها من قبل المهتمين والمعنيين.. نتمنى أن يستمر الدكتور فهد العبدالجبار وأمثاله من أصحاب الريادة الإدارية الصحية في طرح رؤاهم وتجاربهم الواسعة في هذا المجال وخلق وإثراء أي حوار يساهم في دعم المسيرة الصحية ببلادنا حفظها الله من كل مكروه..

مع تمنياتنا بالصحة والسعادة للجميع..

أضف تعليق