حفل شهر رمضان لهذا العام بالاهتمام الكبير بموضوع الفقر في المملكة، حيث لأول مرة نتحدث عن وجود الفقر بين ظهرانينا بهذه الصراحة والوضوح وبالذات عقب مبادرة ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز – حفظه الله – بزيارة بعض الأحياء المصنفة ضمن أحياء الفقر بالعاصمة الرياض، وإطلاقه الدعوة إلى وضع استراتيجية لمكافحة الفقر ببلادنا وإنشاء صندوق لأجل ذلك الغرض. الفقر قضية شائكة لا يمكن وصفها ومعرفة أسبابها ومعالجتها بمعزل عن الظروف المحيطة والمؤثرات الاجتماعية والتنموية والتربوية وغيرها، وعليه فإن محاولة حصار الفقر والتغلب عليه تقتضي خططاً طويلة المدى وأخرى قصيرة المدى وتتطلب تظافر الجهود على المستوى الوطني في عدة اتجاهات ومجالات.
أطرح اليوم بعض التساؤلات والملاحظات المتعلقة ببرنامج مكافحة الفقر على المدى القصير دون الخوض في البرامج الوقائية لمكافحة الفقر التي يجب أن تبنى على خطط وطنية شاملة طويلة المدى، مع ضرورة أن تحمل الجهود قصيرة المدى الوضوح والصدق والشفافية بشكل يجعلها مدخلاً مناسباً للتحول من جعل برنامج مكافحة الفقر برنامج طوارئ انفعالي إلى برنامج استراتيجي تنموي دائم.
حين نتحدث عن استراتيجية لمعالجة أوضاع الفقراء فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو السؤال عن مفهوم الفقر، كيف نطلق على شخص ما أو أسرة ما بأنهم فقراء؟ هل يعتمد ذلك على المسكن؟ هل يعتمد على الوظيفة؟ هل يعتمد على الدخل المادي لرب الأسرة؟ أم يعتمد على جميع هذه العوامل؟ للإجابة على هذه الأسئلة يقترح القائمون على وضع الاستراتيجية اجراء مسح ميداني شامل لتحديد مستويات الفقر ومناطق تواجده ومسبباته وغير ذلك من العوامل، وهذا أمر منطقي من الناحية النظرية ولكنه من الناحية العملية يعني تأخير تقديم المساعدات المفترضة للفقراء المفترضين حتى الانتهاء من عملية المسح تلك، وهي عملية قد تمتد لأشهر وربما أعوام، لتتم بالشكل الدقيق، عطفاً على الإمكانات العلمية والفنية المتوفرة لدى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية..
البديل المؤقت أو السريع لذلك يتمثل في تكليف فريق بحث علمي بتولي استخراج البيانات المتعلقة بموضوع الفقر من بيانات الضمان الاجتماعي والجمعيات الخيرية والأبحاث الاجتماعية المتوفرة سواء في المملكة أو غيرها، وليتم اقتراح فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز أشهر معدودة لإنجاز المهمة. ويمكن اعتبار نتائج ما يتوصل إليه الفريق تعريفات مؤقتة يتم العمل بها ريثما يتم الانتهاء من بحث اجتماعي وطني شامل لدراسة الفقر. بمعنى آخر نحن بحاجة إلى استغلال الزخم الحاصل في موضوع معالجة الفقر والبدء بأسرع ما يمكن في وضع خطوات عملية وتقديم مساعدات عينية وليس نظرية حتى لا يفقد الفقير ثقته في حديثنا عن معالجة الفقر ويفقد المتبرع حماسه في دعم مشاريع دعم الفقراء.
لم تنشر بعد تفاصيل عمل صندوق مكافحة الفقر وآلياته ولكن من خلال التبرعات والمبادرات والتصريحات التي تمت، بدا واضحاً بأن وجود المسكن سيحتل أولوية مطلقة في معالجة الفقر. نحن لا ننكر أهمية المسكن بالنسبة للأسرة الفقيرة ولكن نذكر بأن الفقراء بحاجة الى أكثر من مسكن، فالقادر منهم على العمل بحاجة الى عمل مناسب يسد احتياجاته وأسرته والمريض منهم بحاجة إلى علاج مناسب له وأفراد أسرته والطالب منهم بحاجة إلى من يهيئ له مواصلة الدراسة والتدريب لحياة أفضل… الخ. من هنا تمنيت أن أرى مبادرات تتجاوز مجرد بناء المسكن أو تقديم المال لبناء المسكن، مبادرات من أصحاب الأعمال لتوظيف المؤهل من ذوي الدخل المحدود (الفقراء)، مبادرات من القطاع الصحي الخاص بعلاج الحالات المحتاجة، مبادرات من معاهد التدريب والمدارس الخاصة بتبني تعليم وتدريب ذوي الاحتياج مجاناً، مبادرات من قبل المكاتب الهندسية بتصميم والإشراف على بناء مساكن للفقراء بشكل مجاني أو مقابل أتعاب رمزية… بل إنني كنت أتمنى أن أرى أو أسمع عن مبادرات من أصحاب المهن الأفراد في الإسهام في علاج حالة الفقر، كأن أرى الطبيب يتبرع بساعات من عيادته شهرياً لعلاج الحالات المحتاجة مجاناً، وأرى المهندس يشرف على مشاريع الفقراء مجاناً أو بمقابل رمزي، وأرى التاجر صاحب المتجر يوجد تسهيلات معينة لأصحاب الاحتياج… كنت أتمنى أن أسمع وأرى مبادرات كهذه حتى ولو كان في حدود رمزية وجزئية لأن العبرة ستكون بمجموع ورمزية المبادرات وتكاملها وليس بحجمها منفردة.
من يلحظ اهتمامنا الحالي بموضوع الفقر ربما يعتقد بأننا لم نلتفت إليه مسبقاً وبأنه لا يوجد لدينا نظام تكافل اجتماعي قبل اليوم، والحقيقة غير ذلك. فنحن لدينا إضافة إلى الجمعيات الخيرية نظام رسمي يعرف بالضمان الاجتماعي، فلماذا لم يقدم الضمان الاجتماعي المأمول منه في معالجة الفقر؟ ألم يوضع لمساعدة المحتاجين؟ أليس الفقراء هم المحتاجون؟
أعتقد أن أحد الأسباب الرئيسية في تحجم فعالية الضمان الاجتماعي في القضاء على ظاهرة الفقر المدقع لدى بعض الفئات يعود الى آليات عمل الضمان الاجتماعي، فبكل أسف يبنى الضمان الاجتماعي على معايير تتعلق في الغالب بالوظيفة والسن وليس الاحتياج المادي للفرد والأسرة، فقد يحصل إنسان على راتب الضمان الاجتماعي لمجرد أنه لا يملك وظيفة وتجاوز سن معينة من العمر بينما تحرم أرملة فقيرة جداً من راتب الضمان الاجتماعي لمجرد أن رب الأسرة في سن يسمح له بالعمل أو أنه سبق له العمل، فعلى سبيل المثال هناك فئة من المتقاعدين ذوي رواتب متدنية جداً ويعيلون أُسراً متعددة الأفراد، ورغم ذلك فإن نظام الضمان الاجتماعي لا يشملهم حيث نظام الضمان يبنى على الوضع الوظيفي أكثر منه الاحتياج الفعلي… إضافة إلى ذلك بقيت طريقة الضمان الاجتماعي تعتمد على رواتب ومعونات متواضعة لا تتوافق مع مستوى الاحتياج للفقراء منهم، وهذا ما جعلنا نكتشف بعد كل هذه السنين بأن الضمان الاجتماعي لدينا لا يملك حتى بيانات موثقة حول الفقر ومستوياته وانتشاره ببلادنا.
ترى هل من الأجدر إيجاد صناديق جديدة لمعالجة الفقر أم معالجة وضع نظام الضمان الاجتماعي ودعمه ليكون أكثر شمولية في معالجة قضايا الفقر المختلفة بناء على معايير موضوعية في مجال تحديد الفقر ومستوياته؟ إن صندوق الضمان الاجتماعي يسهم في تقديم مساعدات لأصحاب الظروف الصعبة كأصحاب الإعاقات ومن حدثت لهم كوارث طبيعية ولكن لنعترف بأنها مساعدات متواضعة ولنعترف بأن هناك فئة محتاجة دون أن يحدث لها كوارث طبيعية ودون أن تكون مصابة بظروف صحية محددة ودون أن تنطبق عليها شروط الضمان الاجتماعي الحالية ودون أن تتقدم بطلب المساعدة، والمطلوب هو توسيع قاعدة صندوق ومجالات الضمان الاجتماعي بدلاً من التوسع في إنشاء وتهيئة صناديق جديدة مؤقتة، بما يحمله ذلك من تكاليف إدارية كان يمكن أن تستغل لمساعدة المحتاجين عبر الصندوق الموجود، صندوق الضمان الاجتماعي. المطلوب هو إيجاد مزيد من المرونة والدينماكية في عمل صندوق الضمان الاجتماعي التابع لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية واخراجه من قوالبه الجامدة التي حصر فيها ولم تتغير منذ عشرات السنين، فالظروف المعيشية والاجتماعية تتغير ولابد أن تتغير معايير الحاجة وطرق معالجتها عطفاً على ذلك.
أخيراً لابد من كلمة إشادة بكل من بادر وأعلن مساهمته في تظاهرة العمل الخيري ضد الفقر حتى وإن كان الواجب حتم ذلك، لأن هناك من أغمض عينيه ولم يبادر من ذاته للإسهام في هذا الموضوع، ولا يستوي من تفضل وبادر بمن توارى وبخل عن القيام بواجبه، الذي يحتمه عليه انتماؤه الإنساني والوطني… ولا أنسى التأكيد لأخواننا أصحاب الاحتياج (الفقراء) بأننا نهدف إلى مساعدتهم لا إلى جرح مشاعرهم والمتاجرة بقضيتهم والمزايدة عليها فكثير منهم ليس له خيار فيما هو فيه وليس له ذنب يستحق لأجله التشهير به والمزايدة على قضيته في هذه الحياة المتمثلة في التغلب على الفقر والعيش وفق حياة كريمة مثله مثل غيره من أبناء الوطن.