يقام لقاء تحت عنوان ماذا يريد المجتمع من التربويين وماذا يريد التربويون من المجتمع؟
وكما يتضح من العنوان يهدف المؤتمر بشكل مختصر إلى إقامة علاقة حوار بين التربويين من جهة والمجتمع من جهة أخرى.. لست أتحدث باسم المجتمع ولست تربوياً بالمصطلح العلمي المتعارف عليه، ولكنني أخاطب التربويين كفرد من أفراد المجتمع، وقبل ذلك كأب لأطفال يحلم بمستقبل مشرق وزاهر لهم ولجميع قرنائهم أبناء وبنات بلدي، وأتجنب في هذا الخطاب أية مصطلحات وأرقام متخصصة تأخذه خارج نطاق المفهوم الأبوي العفوي من ولي أمر إلى القائمين على تعليم أبنائه البنين والبنات على حد سواء.
بدايةً أعلم أيها التربويون بأن لديكم أهدافاً عظيمة من التعليم فأنتم تبحثون تخريج الطالب المواطن الصالح المنتج… الخ من الأهداف العظيمة ولكن اسمحوا لي بأن تلك الأهداف العظيمة التي تطردبني حين أقرأها غدت تقلقني حينما أصبحت أباً أو ولي أمر حسب مصطلحات التعليم والتربية، حيث أدركت بأنها كلمات نظرية، ولن أقول جوفاء، كلمات جميلة ولكنها غير ملموسة بالنسبة لولي أمر الطالبة لما تزل في مراحلها الدراسية الأولى، وهذا يقودني إلى مطالبتكم برسم أهداف واضحة يمكنني أن ألمسها كولي أمر.
تحديداً أريد منكم التواضع والتوضيح على وجه الدقة ما هي الأهداف المفترض أن يحققها ابني أو ابنتي نهاية كل عام دراسي، أو نهاية كل مرحلة دراسية، فأنا لا أعلم إن كانت معلمة ومدرسة ابنتي يحققون ماهو مطلوب منهم تجاهها أم أنهم مجرد مؤدين لمنهج دراسي كتب، تحولت أهدافهم من أهداف تربوية تعليمية لكل مرحلة دراسية إلى هدف أوحد ألا وهو إنهاء الدروس التي حواها ذلك المنهج الدراسي.. يدعوني إلى هذا الطلب ملاحظتي حرص المعلمين/ المعلمات على اتمام المنهج وحرصهم على الاختبار المعتمد على الحفظ في النهاية، حتى إنهم يبذلون قصارى جهودهم في تحفيظ ابنتي بعض الأسئلة التي تساعدها على اجتياز الاختبار النهائي.. أريد من التربويين الاجابة عن السؤال أو الأسئلة: ما هي الأهداف أو التوقعات التفصيلية المفترض تحقيقها بنهاية كل صف دراسي أو كل مرحلة دراسية؟ في أية مرحلة يفترض أن تتقن ابنتي القراءة والكتابة؟ في أية مرحلة يفترض أن تتقن ابنتي الاملاء؟ في أي صف دراسي يفترض أن تتقن ابنتي مبادئ الطرح والجمع؟
لا أخفيكم أنا أسأل لأنني أقارن مستوى ابنتي بغيرها من البنات فأجد البعض ينهي المرحلة المتوسطة وهي لا تجيد كتابة قطعة املاء مكونة من نصف صفحة، وأخرى تجيد الكتابة وهي لما تزل في الصف الرابع، ولو توفرت لدي أهداف واضحة لمخرجات كل صف دراسي لعرفت أين تقف ابنتي في تقدمها الدراسي بعيداً عن الدرجات والاختبارات التي لم أعد أثق فيها كثيراً.. لو عرفت تلك الأهداف لما أرهقت ابنتي بما هو فوق طاقتها ومستواها، أو لبذلت الجهد في تطوير مستواها إن كان دون المستوى.. لو عرفت تلك الأهداف فإنه سيتسنى لي معرفة جودة المدرسة التي تدرس فيها ابنتي والمدرسة.. لو عرفت الأهداف والتوقعات المفصلة التي يمكنني وابنتي وأسرتي ادراكها مع بداية أو نهاية كل عام دراسي، لربما استطعت تبني مفهوم الشراكة التي تدعونني إليها بوعي وثقة أكبر.
أيها التربويون اسمحوا لي أن أبثكم ملاحظة أخرى تقلقني، وتتمثل في أنني ألحظ بأن لدينا فئتين من العاملين في قطاع التعليم الأساسي، فئة المنظرين القياديين الذين يطربوننا كل يوم بجميل الكلام، الذي لا أشك بمصداقيته النظرية وكونه يأتي معتمداً على مرجعية علمية غالبة نعتقد بقوته علمياً ونعتقد بأنه أتى عن طريق الدراسة والمقارنة بما هو موجود لدى الآخرين، وفئة أو فريق العاملين في الميدان الذين أراهم غير قادرين على استيعاب ذلك التنظير الجميل، ليرفق الخطابي والإعلامي منه، بل كذلك حتى المكتوب على شكل توجيهات ونظم يتم تعميمها كل يوم.. كأب أتحاور مع معلم ابني أو معلمة ابنتي بشكل دائم يحز في نفسي أن أجد ذلك المعلم منزعجاً من كثرة التعليمات التي تأتيه من القيادات التربوية والإدارية بالوزارة والإدارة التعليمية، بل ولا يتردد في اعتبار ذلك مجرد كلام نظري لا يمكن تطبيقه في الواقع.. هنا يبدو لي وجود فجوة بين القيادات الإدارية التربوية وبين المعلمين والمعلمات والإداريين في المدارس، وبالتالي أناشدكم أيها التربويون بأن تردموا الفجوة التي لديكم بين قمة الهرم المتمثل في منظري الوزارة، وبين العاملين في الميدان التربوي من مديري مدارس وموجهين ومدرسين ومشرفين.. الخ، فردم الفجوة تلك سيساعدني على فهم أكبر لمستوى تعليمنا وأين سيأخذنا الطريق، وسيسهل مهمتي بالتحاور معكم وفهم ما تسعون إليه من تطوير، فأنا لا أخفيكم بأنني ومن خلال تصنيفي للعاملين في القطاع التربوي لدينا إلى منظرين/ قادة ومعلمين في الميدان احترت لمن أوجه خطابي في هذا المقال، وتساءلت هل مؤتمركم هذا يمثل طرفية المجتمع من جهة والمعلم من جهة أخرى، أم المجتمع من جهة والمسؤولون في قطاع التربية من جهة أخرى..؟
لأجل ذلك لن أطالب معالي الوزير ووكلاءه الكرام بعقد مؤتمر مع المعلمين، ولن أطالبهم بمزيد من التوجيه ومزيد من التعاميم فمثل ذلك أخشى أنه سيزيد الفجوة وسيثبت التهمة بوجود تلك الفجوة، ولن أطالبهم بالاطلاع على مزيد من التجارب العالمية فمعلوماتي أنهم جابوا أصقاع الأرض للاطلاع على التجارب العالمية من اليابان إلى الولايات المتحدة ولخصوا لنا كثيراً من تلك التجارب، ولكنني أناشدهم بأن يتنازلوا قليلاً ويبحثوا الوسيلة التي تهدم الفجوة بين النظري والميداني.. ربما لو قضوا أياماً في مدارس أبنائنا في المدن والقرى والهجر، كمعلمين ومديرين وليس كمسؤولين تفرش لهم الأرض وتهيل لهم دلال القهوة، لأدركوا بعض الواقع إن لم يكونوا مدركيه.. نحن نريد من مسؤولي التعليم أن يترجلوا عن مكاتبهم الوثيرة ليدركوا واقع التعليم ومعاناة معلم اليوم على الطبيعة وفي الميدان وليقربوا المسافات ويردموا الفجوات بينهم وبين المعلمين، فاللقاء الحميم بين المسؤول ومعلم مدرسة في قرية نائية سيغني عن عشرات الصفحات تكتب وتلقى في الندوات ويسهل تنفيذ كثير من التعاميم والتعليمات التي يوجهها عبر التسلسل الإداري.. أعلم بأن وقت مسؤولي التعليم الكرام مليء بالمشاغل ولكنني كأب أعتقد بأن ردم الفجوة بين مسؤولي الوزارة ومنظريها وبين معلم ومعلمة ابنتي يأتي ضمن مطالبي من قادة العمل التعليمي ببلادنا، لأنه في النهاية سيعني بعض الرضا والفهم لمعلم ومعلمة أبنائي وسيساعدني على التحاور مع معلم ومعلمة غير محبطين ومدركين للأهداف العظمى من التعليم والتربية ببلادنا.
أما معلمة ابنتي ومعلم ابني فإنني أتوجه إليهم كفرد من أفراد المجتمع بالقول بأن بعض الإحباط الذي تمرون به على المستوى الإداري والاجتماعي لا يعفيكم المسؤولية في بذل أفضل الجهود في مجال عملكم، وأفضل الجهود ليست باعطاء الدرجات لأبنائي وليست بتحفيظهم أكبر قدر ممكن من المعلومات وليست باحالتهم إلى آلات استقبال تنصت وتسمع وتحفظ كل ما تقولونه، وإنما بغرس قواعد التعلم والتربية الأساسية.. لست أنشد أن يصبح ابني عالم فلك أو عالم شريعة في صفوفه الدراسية الأساسية ولكن أتوقع منكم بذر البذرة الأساسية التي قد تجعل منه يوماً عالماً أو مهنياً أو مبدعاً متمكناً في مجاله.. لست أنشد منكم أن تحفظوا ابني معلومات كثيرة عن وطنه ولكن أنشدكم زرع محبة وطنه داخله، لست أنشدأن يحفظ ابني معلقات العرب حو فضائل الأخلاق وإنما التحلي بالحد المقبول من الأخلاق.. ابني أمانة في أعناقكم فهو يقضي نصف وقته وهو غير نائم أو أكثر معكم فكيف تعدونه للمستقبل؟ تريدون أن نكون معكم شركاء في تربية وتعليم أبنائنا ولكنكم لا تشرحون كيف تتم الشراكة بشكل مثالي وكل ما أسمعه منكم توجيهات ونصائح عامة بمتابعة الأبناء ومساعدتهم في حل الواجبات.. هل الشراكة في نظركم هي مجرد اجبار الابن على اكمال الواجب وتقديم المساعدة للمدرسة في بعض الاحتياجات؟ لقد وضح في خطابي أعلاه بأنني مع المعلم وأسعى لنقل همومه ولكن ذلك لا يعني أنني راض تمام الرضى عنك أيها المعلم/ المعلمة، وعدم رضاي اختصره بأنني ألحظك تتعامل مع التعليم كوظيفة ثقيلة تذهب إليها بخطى مثقلة تفر بنهاية الحصة السابعة حين ترتاح من الوقوف أمام طلابك، أكثر مما تفرح بإنجاز التعليمي التربوي المهني، وأخشى أنك تسيء للعملية التعليمية والتربوية بهذا الحد المادي الذي يدمر أبعاد الرسالة التي تحملها.. فهلا ارتقيت ايها المعلم وايتها المعلمة بحسك واخلاصك للعمل الذي تقوم به؟
لا يجب علي أن أحدد ما يفترض أن يعمله المعلم أو لا يعمله ولا يفترض أن أتدخل في تفاصيل العملية التربوية التعليمية، ولكنني أفضفض كأب يحرص على مستقبل أبنائه ويستجيب لدعوة الحوار التي نتمنى أن تكون دعوة ايجابية تؤدي إلى تطوير وتغيير يتجاوز مجرد الاجتماع وتسويد الصفحات بالخطب والكلمات الرنانة.. واسأل هل العلاقة بين المجتمع والتربويين يكفيه لقاء أم أنه يفترض أن توضع له استراتيجية اجتماعية اعلامية تدريبية تنظيمية تكفل له الاستمرار والتطور؟
أخيراً لا يحق لي أن أشكركم على إتاحة الفرصة لمخاطبتكم، فهذا واجب يفترض أن يتداول كل حين بين ولي الأمر/ المواطن وبينكم أيها التربويون ولكن أشكر لكم إن اخذتم خطابي هذا على محمل الجد وقبلتموه كخطاب أب لا يهدف إلى استعراض معلوماته التربوية والتعليمية وإنما بث بعض همومه تجاه مستقبل ابنائه وبناته بل ابناء وبنات هذا الوطن الغالي بصفة عامة.. والله أدعو أن يوفقكم لما فيه خير وصلاح بلادنا حماها الله من كل شر..