مركز القياس الشامل التعليمي: متى يرى النور؟

الحديث عن التعليم ذو شجون، حيث العملية التعليمية تعتمد على عدة عناصر يفترض تكاملها للحصول على النتائج المطلوبة، مثل المدرسة والمدرس والمنهج والمجتمع وغير ذلك، والتطرق للنتائج المرجوة من التعليم يعني وجود هدف أو جملة أهداف يهدف التعليم إلى تحقيقها. في أية عملية تجارية أو إدارية أو تعليمية هناك مستفيد أو مستهلك نهائي نسعى الى تقديم الخدمة المتميزة له، وفي التعليم الاساسي، المستفيد النهائي والرئيسي هو الطالب في تطوير التعليم، الذي رغم أهميته فإنه لم يحظ بالاهتمام الكافي مقارنة ببقية العناصر التعليمية.

في هذا المقال أطرح رأياً، ليس بالجديد، بأن تطوير المعلم يجب ان يخضع لعملية تقويمية تستند في اساسها على تحقق الأهداف النهائية من عمل ذلك المعلم، فلا قيمة لتقدير ممتاز يحصل عليه المعلم من قبل موجه المنطقة التعليمية، إذا كان مستوى طلابه متواضعا وإذا لم يستطع تحقيق الأهداف المطلوب تحقيقها من تدريسه للمرحلة الدراسية التي يتولاها، وفي نفس الوقت لا قيمة للتقديرات الشكلية طالما هي لن تؤثر على ترقيات وعلاوات ومكافآت. نحن نثق في المعلم والموجه ومدير المدرسة، ولكن الواقع يتطلب ان نتجاوز مجرد حسن النية إلى وضع معايير واضحة يسير عليها الجميع، يجب ان نحرث بذرة تنافس شريف بين المدارس والمعلمين، لنحصل على الأفضل، يجب أن يشعر المعلم بأن تفانيه وحرصه وتميزه سيعامل بتقدير كاف ويتخلى عن الاعتقاد بأنه لا قيمة لأي جهد إضافي يقوم به.

قياس التميز الذي أبحث عنه والذي يجب ان يتمتع به المعلم سواء نتيجة لما يقدمه له من برامج تطوير أو نتيجة لاستعداده ومثابرته الشخصية، يختلف عن قياس برنامج التدريب من حضور والتزام وغيره ويختلف عن طرق القياس الإدارية التقليدية المتمثلة في الحضور والانصراف وحسن المظهر وجودة ما يكتب في دفتر التحضير، فالمهمة الرئيسية للمعلم هي ايصال المعلومة وتطوير السلوك للطالب حسب مرحلته ومنهجه الدراسي، وبالتالي فإن افضل وسيلة لقياس مستوى المعلم هي قياس أثره الذي يتركه في العملية التعليمية والتربوية، أي بالتأكيد من تحقيق الهدف النهائي من وجوده كمعلم، وليس بقياس أداء المعلم وفق معايير منفصلة عن الهدف النهائي من وجوده؟.

الطريقة الرئيسية لقياس أداء المعلم هنا تكمن في قياس أداء الطالب، فإن نجح الطالب في تحقيق أهداف التعليم فذاك يعني نجاح المعلم في قدرته على إيصال وتحقيق تلك الأهداف، وان اخفق فذاك دليل على اخفاق المعلم، ولو بشكل نسبي، ولكن كيف نقيس أداء الطلاب، بشكل عادل وموضوعي ومحايد؟ الاختبارات المعتادة لا تفي بإعطاء صورة حقيقية عن مستوى الطالب، وبالتالي عن مستوى معلمه، لأنها من وضع المعلم ولأنه تدخل بها اعتبارات ظرفية لا تعكس مستوى الطالب الحقيقي، ومن هنا فإن الطريقة المتبعة في العديد من الدول المتقدمة تتمثل في الاختبارات القياسية أو المعيارية التي تجرى على مستوى الدول أو الولايات أو المدن التعليمية، وتمتاز تلك الاختبارات بأنها لا تدخل ضمن عملية نجاح أو رسوب الطالب في المرحلة الدراسية، بل وفي بعض الأحيان لا يعرف الطالب فيها باسمه وإنما كرمز، لأنها وان كانت تقيم مستوى الطالب مقارنة بأقرانه في مختلف المدارس إلا انها تهدف إلى تقييم المستوى على مستوى الدولة، تقييم الأداء بالمنطقة التعليمية، المدرسية، المعلم، وتتحول إلى مؤشرات احصائية يستفاد منها في عملية التطوير والتخطيط، ولأنها كذلك فليس بالضرورة أن تقدم آخر اسبوع من العام الدراسي، وليس بالضرورة ان تصحح خلال اسبوع، وليس بالضرورة ان ينتظر الأب نتيجة ابنه بفارغ الصبر. لأنها تتم عبر إدارات أو مراكز شبه متفرغة لها من ناحية التطوير والتصحيح والرصد البياني الاحصائي لكافة مؤشراتها… الخ.

عندما أحث على إيجاد اختبارات نوعية أو معيارية أو شاملة، بشكل مبسط يهدف إلى قياس تحقق أهداف تعليم كل مرحلة دراسية، فإنني أشير إلى احدى المهام التي يفترض أن يقوم بأدائها مركز أو إدارة أو هيئة مستقلة ومحايدة، واطالب باستقلالها لتتمكن من اعطائنا الحقائق ولتوضح لنا الفروقات بين المناطق وتخبرنا بالمدارس المتميزة فعلا وليس دعاية، وتخبرنا عن المدرس المتميز حقاً وليس وفق أهواء الإشراف التعليمي، وتخبرنا عن مؤشرات النمو والتطور التعليمي بصفة عامة، وبالتالي تدفعنا إلى تطوير اساليبنا في التفكير والتقييم والمتابعة لتتحول من مواقع الانطباعات الشخصية إلى الحقائق والأرقام المبينة وفق أسس علمية واضحة. مسؤولو التعليم الاساسي وكذا أعضاء مجلس الشورى يكررون ويناقشون قضية تقييم المدرسة والتقييم الشامل للتعليم وضمن المقترحات الواردة إنشاء مركز تقويم وقياس شامل للتعليم الاساسي، أو ما يرادفه من المسميات الإدارية، ونحن هنا نؤكد على ضرورة ذلك ونقدم هذا الموضوع كمثال لإحدى المهام الرئيسية التي نطالب ذلك المركز بالقيام بها، فهل نسارع بخطوة عملية بإنشاء المركز أو الإدارة أو الهيئة المعنية بالتقويم، أم نواصل التكرار والتنظير والجدل والتردد الذي امتد لسنوات عديدة دون خطوات عملية ميدانية واضحة في هذا الشأن؟.

بالتأكيد هناك خطوات إدارية وعلمية يجب القيام بها لتصبح تلك الاختبارات ذات جدوى، مثل تحديد جملة الأهداف المتوخاة من كل مرحلة دراسية أو كل مستوى دراسي، حتى يتسنى وضع الاختبارات التقييمية تلك من قبل لجان أو جهات محايدة بناء على وضوح تلك الأهداف، ومثل محاولة إيجاد معيار تقييم يكون اساسه أو ضمن معاييره تلك الاختبارات للمعلم والمدرسة والمنطقة، وغيرها من الخطوات.

من الأمثلة على تلك الاختبارات الشاملة ما يطبق في الولايات المتحدة وكندا وربما بعض الدول الأوروبية، ففي دالاس على سبيل المثال يتم ربط علاوة المعلم بمدى تحصيل الطلاب في الاختبارات التي تجرى على مستوى الولاية كل عام، بل ان المدرسة المتفوقة مقارنة بالمدارس الأخرى في نتائج طلابها تحصل على مكافأة مقابل ذلك التفوق، ويحصل مدرسوها على عائد من جراء تفوق مدرستهم مما يجعل الجميع يحرص ويتكاتف على العمل الجماعي للارتقاء بالمدرسة من خلال الارتقاء بقدرات طلابها. ليس ذلك فقط، بل ان بعض المناطق كسانت لويس بالولايات المتحدة أيضا، تضيف على ذلك بأن تأخذ في الاعتبار مدى تقدم الطالب في نتائجه مقارنة بالعام السابق، أي يؤخذ في الحسبان ما أحدثه المعلم من تغيير في مستوى الطالب لذلك العام، حتى لا يظلم المدرس في المراحل المتقدمة بسبب تدني مستوى الطالب في المستويات الأدنى. اما في أونتاريو بكندا فيتم اجراء الاختبار بالنسبة للصفوف الدنيا من الثالث إلى السادس وبعد ان يتم الانتهاء من تصحيح الإجابات، ويأخذ ذلك عدة أشهر، يحصل الطالب على نسخة من تقرير نتائجه لاطلاع ولي الأمر وليس لتحديد النجاح والرسوب، وفيه يعرف ولي الأمر مستوى ابنه مقارنة بأقرانه في الولاية فوق المعدل، المعدل، تحت المعدل ويجد فيه من الشرح للمستويات وكيفية التقييم وحتى ان كان الطالب المعني احتاج مساعدة ما أو وقتا إضافيا لاتمام الاختبار، وتقرير آخر يذهب للمدرس حول مستويات طلابه كمجموع وتقرير مشابه للمدرسة وللمنطقة التعليمية.. وهكذا يتم تحفيز وتشجيع ومتابعة، وأحيانا العقاب إن احتاج الأمر، جميع المدارس والمعلمين والمناطق التعليمية لتكون في مستوى المعدل الوطني المتوقع، وفي حالة عدم تحقيق المعدل المتوقع تتم مناقشة الأسباب ومعالجتها..

نحن بحاجة إلى وضع أهداف محددة لكل مرحلة تعليمية ومن ثم وضع معايير تقيس مدى تحقق تلك الأهداف، وبالتأكيد لدى الأساتذة المتخصصين الكثير من الخبرات والأفكار والاطلاع في هذا الشأن، وبالتالي فلا أطالب بفرض نموذج محدد وانما اناشد المعنيين بأن نبدأ خطوة في هذا المجال حتى تكتمل خطوات التطوير التي نبحث القيام بها، بما في ذلك خطوات التقويم الشامل للتعليم والتي آمل أن يكون من ضمنها إقرار قيام مركز قياسات التعليم، أو تفعيل القائم إن وجد، واعطاؤه هيئة معنوية مستقلة تسمح له بإجراء برامج التقويم الشامل، ومعرفة مسارات التقدم لدى الطالب، المدرس، الإدارة، المدرسة، والمنطقة التعليمية. مثل هذا التقويم المستمر سيغني عن عشرات الموجهين المفتشين الذين لا هم لهم سوى التأكد من وجود دفتر التحضير

ومن حسن هندام المعلم، ونسوا بأن الأهم هو تحقيق الهدف النهائي الذي ينشده المستهلك الطالب والمجتمع،

وسنتعرّف من خلال مثل هذه البرامج التقييمية على نواحي الضعف والقصور لدى معلمينا ومدارسنا وبالتالي نعرف مدى نجاحنا في معالجة نواحي القصور من خلال قياسات علمية محددة، بل وسنعرف ونرصد مدى تطورنا التعليمي بصفة عامة، بما في ذلك جدوى أهدافنا التعليمية وقدرتنا على تحقيقها بكفاءة من عام لآخر.

أضف تعليق