جامعة الدمام

    زف سمو ولي العهد البشرى بتحويل فروع جامعات الملك سعود، الملك عبدالعزيز، أم القرى بكل من القصيم والمدينة المنورة والطائف إلى جامعات جديدة، وأصدر تعليماته – حفظه الله – بدراسة خطوات التحويل تلك من قبل مجلس التعليم العالي والجهات المعنية، جاء ذلك خلال تدشين بعض مشاريع جامعة الملك سعود. أسعدتنا تلك التوجيهات وحيث ان الخطوات النهائية لإقرار تلك التوجيهات في طور الدراسات التي وجه سموه بإجرائها في هذا الشأن، ومن منطق اهتمامي بالتعليم العالي الذي استحوذ موضوعه على عشرات المقالات التي طرحتها في هذا المكان، فإنني أستأذن المعنيين بتوجيهات سمو ولي العهد – حفظه الله – وعلى رأسهم معالي وزير التعليم العالي بإبداء وجهة نظر أتمنى أن تأخذ نصيبها من الدراسة والعناية.

يبدو التوجه لتحويل الفروع التي تحتوي عدداً من الكليات أمراً ليس بالمستغرب، كما أن اختيار فروع الجامعات القائمة بالطائف والمدينة والقصيم، وليس الفروع الأصغر التي تحتوي كلية أو كليتين فقط كفروع الجامعات بحائل والجوف وجازان وغيرها هو الأمر المنطقي من الناحية الإدارية والأكاديمية، ولكن المستغرب هنا كان في استثناء فرع أو شطر (لا يهم المسمى هنا)جامعة الملك فيصل بالدمام من هذا التوجه، واستخدم مصطلح استثناء لأنني لم أجد معيارا إداريا أو أكاديميا يتوفر لدى الفروع التي صدر الأمر بتحويلها إلى جامعات تفوق أو تختلف عن ما هو متوفر لفرع جامعة الملك فيصل بالدمام، بل إن فرع الدمام أكثر تأهيلاً من الناحية الأكاديمية، الإنشائية ليصبح جامعة مستقلة مقارنة بفروع الجامعات بالقصيم والمدينة والطائف، فالفروع التي صدر الأمر بتحويلها إلى جامعات لا تزيد عدد كليات كل منها عن أربع كليات بينما فرع جامعة الملك فيصل يحوي خمس كليات وفرع كلية وجميعها كليات علمية لازال الطلب على مخرجاتها عالياً ولن تحتاج إعادة تأهيل أكاديمي مقارنة بالكليات النظرية التي هي بحاجة إلى إعادة تأهيل أكاديمي بما في ذلك تقليصها أو إلغاء بعض من أقسامها.. غالبية الفروع التي صدر الأمر بتحويلها إلى جامعات ليس لديها بنية مساندة كإسكان الطلاب وأعضاء هيئة تدريس والملاعب وغيرها، بينما جامعة الملك فيصل بالدمام لديها إسكان طلاب وأعضاء هيئة تدريس وملاعب رياضية وغيرها من الخدمات المساندة.. بعض الفروع التي صدر الأمر بتحويلها إلى جامعات ليس لديها مستشفيات جامعية، بينما فرع جامعة الملك فيصل بالدمام لديه مستشفى جامعي عام ملحق به سكنه الخاص به ومركز رعاية أولية.. بعض فروع الجامعات التي صدر الأمر بتحويلها إلى جامعات ليس لديها الأراضي الكافية بينما فرع جامعة الملك فيصل بالدمام لديها أراض تكفي لإقامة أكثر من جامعة واحدة.. غالبية الفروع التي ستتحول إلى جامعات لازالت مقراتها متواضعة مقارنة بفرع جامعة الملك فيصل بالدمام الذي يحوي مقرات مكتملة أو في طور الإنشاء تفوق ما هو موجود لدى أي فرع من الفروع التي ستحول إلى جامعة.. المسافة بين جامعة أم القرى وفرعها بالطائف لا يختلف كثيراً إن لم يكن اقل عن المسافة بين مقر جامعة الملك فيصل وفرعها بالدمام.. منطقة مكة المكرمة سيصبح بها ثلاث جامعات ولا يمنع أن يوجد بالمنطقة الشرقية، وهي أكبر مناطق المملكة مساحة ثلاث جامعات.. إذا كان الأمر كذلك فما هو يا ترى السر الذي في استثناء الفرع الأكثر تأهيلاً من بين فروع الجامعات السعودية، فرع جامعة الملك فيصل بالدمام وعدم تحويله إلى جامعة أسوة بفروع الجامعات بالقصيم والمدينة والطائف؟

هذا السؤال لا يعترض على ما صدر من قرارات أو ينتقص من الفروع التي صدر الأمر الكريم بتحويلها إلى جامعات، وإنما أسوقه كمحاولة للفهم والمناشدة لمعالي وزير التعليم العالي الدكتور خالد العنقري نائب رئيس المجلس الأعلى للتعليم العالي، وهو المسؤول التنفيذي الأول في مجال التعليم العالي بأن يتوج مجهوداته التي نقدرها في هذا الشأن، بتبني قيام جامعة الدمام أسوة بالجامعات الجديدة الأخرى، نناشد معاليه بأن يسعى نيابة عن مجتمع التعليم العالي، والمجتمع بصفة عامة، لدى قادة بلدنا الكرام بإقرار تحويل فرع جامعة الملك فيصل بالدمام إلى جامعة مستقلة أسوة بما سيحدث لفروع الجامعات الأخرى بالقصيم والمدينة والطائف.

بالطبع لست أوجه التساؤل والمطالبة هنا من منطلق عاطفي أو تحيزي لمنطقتي، كما فعل البعض، وإلا كنت طالبت بجامعة لمنطقتي الغالية، الباحة، وإنما من مبدأ المتابعة والرصد لمسيرة التعليم العالي ورؤيتي الإدارية والأكاديمية بأن فرع جامعة الملك فيصل بالدمام شب وأصبح يافعاً مشتد العود ليقف مستقلاً بذاته كجامعة مستقلة، مثله مثل بقية الفروع التي ستحول إلى جامعات ولما في ذلك من مصلحة ومنطقية تطور التعليم العالي ببلادنا الغالية، حيث كل جامعة جديدة تعني مزيدا من التقدم لبلادنا، ولعلني أضيف إلى مبررات المطالبة بتحويل فرع جامعة الملك فيصل بالدمام إلى جامعة مستقلة الاعتقاد بأن سمو أمير المنطقة الشرقية الأمير محمد بن فهد وسمو نائبه الأمير سعود بن نايف وأعضاء مجلس المنطقة ورجال الأعمال والشركات بالمنطقة الشرقية سيدعمون ويسهمون في قيام الجامعة الجديدة ونجاحها مالياً وإدارياً ومعنوياً، مثل ما عودونا دائماً في دعم القطاعات التعليمية بالمنطقة الشرقية، بل لثقتي بأن إقامة جامعة مستقلة بالدمام سيعني ضمناً دعم جامعة الملك فيصل بالأحساء، وتطويرها وتنميتها بشكل يليق بحاضرة الأحساء، بدلاً من تشتيت جهودها فيما بين شطرين يقعان في مدينتين مختلفتين.

في ظل الحديث عن إعادة هيكلة التعليم العالي إدارياً، هناك حديث يتكرر عن توجهات بضم كليات المعلمين إلى وزارة التعليم العالي، وهنا أجدها فرصة جيدة لأن يشمل إنشاء الجامعات الجديدة ضم كليات المعلمين والمعلمات والكليات الصحية بالمناطق المعنية إلى الجامعات الجديدة، فعلى سبيل المثال يمكن ضم كليتي المعلمين والمعلمات والكلية الصحية بالدمام إلى جامعة الدمام المقترحة، سواء بقيت في مقراتها الحالية أم انتقلت إلى مقر الجامعة وتمت الاستفادة من مقراتها استثمارياً لصالح بناء مقرات جديدة لها.. ومثل ذلك في القصيم والمدينة والطائف لتكون تلك الكليات نواة لكليات تربية أو علوم أو علوم طبية تطبيقية، فتحويل الفروع إلى جامعات يتطلب هيكلة إدارية جديدة لها وبالتالي فإن ضم كليات المعارف والصحة يمكن أن يكون جزءاً من تلك الهيكلة وجعلها هيكلة شاملة لمرة واحدة، بدلاً من إحداث إرباك إداري آخر بعد عدة سنوات.. نفس الوضع ينطبق على الجامعات الرئيسية فجامعة الملك فيصل بالأحساء يجب أن يضم إليها فرع جامعة الإمام محمد بن سعود بالأحساء، والذي لا أرى مبرراً لوجوده في ظل وجود جامعة بالمنطقة، وكذلك يمكن ضم كليات الصحة والمعارف بالأحساء إلى جامعة الملك فيصل، بعد استقلالية فرع الدمام إلى جامعة مستقلة.

ايجاد جامعات جديدة أجده أيضاً يصلح كفرصة ذهبية لتطبيق بعض الأساليب الإدارية الجديدة على تلك الجامعات، من مبدأ تنويع الأساليب الإدارية ومن مبدأ التجريب لتلك الأساليب وإمكانية تطبيقها مستقبلاً على جامعات أخرى، ومن ضمن ذلك ما طالبت به في السابق بإعطاء الجامعات استقلالية إدارية وتوظيفية ومالية لا تخضع لنظم وزارة الخدمة المدنية أو إدارة وزارة التعليم العالي المباشرة، وإنما تعامل كمؤسسات مستقلة أسوة ببعض مؤسسات الدولة المستقلة، كمؤسسة التحلية العامة، مستشفى الملك فيصل التخصصي وغيرها، مع الاحتفاظ بإشراف التعليم العالي العام على تلك الجامعات أو المؤسسات المستقلة إدارياً.. أيضاً من ضمن ملاحظاتي السابقة حول ميزانيات الجامعات حيث لا تعتمد على معايير أكاديمية واضحة تضمن عدالتها فيما بين الجامعات ورؤيتي بضرورة وضع آلية موضوعية عادلة في هذا الشأن، وبالتالي اقترح أن يتم تطبيق نظام الميزانية الصفرية على الجامعات الجديدة أو بعضها، أو أن يتم وضع معادلة تأخذ في الاعتبار المخرجات وعلى ضوئها تقرر ميزانيات الجامعات مستقبلا.. وغير ذلك من الأفكار الإدارية التي أرى الفرصة مناسبة لتجربتها وتطبيقها، فنحن نتحدث عن التعليم العالي ويفترض أن يكون الوعاء المناسب لتبني أفكارا مالية وإدارية متطورة، بل يفترض أن يكون المكان الأنسب للتجريب والمغامرة والدراسة، إذا افترضنا المبادرة مغامرة من وجهة النظر الإدارية التقليدية.

أبارك للمناطق التي تم إقرار جامعات جديدة فيها وأتمنى أن نرى اليوم الذي تعم فيه الجامعات بقية مناطق المملكة، وأكرر أمنيتي في الوقت الراهن بأن تضاف جامعة الدمام إلى الجامعات الجديدة المقترحة، كما أتمنى بأن يكون ايجاد جامعات جديدة ليس مجرد إضافة كمية وإنما نقلة تحول نوعية وجذرية في مجال إدارة وتطوير التعليم العالي بالمملكة، بل والتطور الإداري بصفة عامة بالمملكة، نقلة تتصف بالمبادرة حتى في مجال تطبيق أساليب إدارية جديدة عليها وقيادتنا نحو المستقبل وليس مجرد خطة إدارية تهدف إلى السيطرة على الثغرات والمطالب العاطفية للناس.

سلوكيات الإدارة

هنا سؤال أتى من أحد القراء حول سلوكيات بعض القادة الإداريين في التعامل مع ما يُطرح من آراء ممتازة كما يرى ورغبته في أن أتولى الكتابة في تلك السلوكيات؟

دون تفاصيل مملة ألخص بعض مظاهر السلوك الإداري لدى بعض المديرين والمسؤولين لدينا بالآتي:

هناك إداري لا يحبذ مشاركة الآخرين في أفضل أفكاره وبالتالي تجده لا يصرح بأفضل ما لديه في اللجان والاجتماعات وأمام المسؤولين الأعلى وإنما يحتفظ بتلك الآراء للمجالس الخاصة أو للمستقبل كما يرى، وهذا النوع أعرفه كثيراً لأنني حينما أطرح موضوعا يهرع ويشيد بالرأي ويعتبر أنه كان ضمن أفكاره وربما رؤيته للتطوير ولكنه كان ينتظر الوقت المناسب للتطبيق.

هناك إداري أو قيادي لا يحب استخدام أفكار الآخرين وتلك النوعية ترى أن مجرد منحه أو تأييده لرأي آخر يعني الانتقاص منه. هؤلاء للأسف نجدهم بكثرة ليس معنا ككُتَّاب رأي فقط بل حتى مع العاملين والمبدعين تحت إشرافهم، حتى أن بعضهم قد يغير خططه لمجرد أن لا يُقال عنه بأنه استمع إلى رأي فلان أو علان.

أخيراً هناك نوع من القادة الإداريين الذين يعتقدون بأنهم أصحاب الخبرة والمعرفة بخلفيات الأمور وبواطنها وبالتالي لا تعنيهم آراء الآخرين وحتى اجتماعاتهم ولجانهم تُصب في الغالب لتبرير آرائهم وتسويقها إدارياً وليس لاكتساب آراء وخبرات جديدة. هؤلاء حين تحادثهم حول موضوع ما لا تخلو ردودهم من أن الموضوع أكبر من كذا وهناك خلفيات لا تعرفها وهناك عوائق وهناك خصوصيات، إلخ من التبريرات التي لا تعني أكثر من اعتقادهم بأنهم فقط أصحاب الخبرة في الخلفيات والخصوصيات والعلاقات الاجتماعية والسياسية.. إلخ.

بكل أسف هذه السلوكيات تقود إلى انغلاق الفكر الإداري وحصر اتخاذ القرار في فئات محدودة وهو ما يجعلنا نفاجأ بظهور قرارات وخطوات إدارية غير ناضجة وغير مكتملة الدراسة والتكوين.

لا يمكن ايراد جميع ما طرحته عن التعليم العالي وله علاقة بمقال اليوم في الهامش، ولكن يسرني تزويد من يرغب بعناوين تلك المقالات وتواريخ نشرها عبر مراسلتي على البريد الإلكتروني أدناه.

malkhazim@hotmail.com

أضف تعليق