الدراسات العليا المحلية والحاجة إلى التطوير

بدأتُ الأسبوع الماضي بتمهيد عن الدراسات العليا المحلية، ومن ثم عرضت للشكوى العامة التي يبثها بعض طلاب الدراسات العليا وبالمثل الشكوى التي يبثها اعضاء هيئة التدريس المعنيين بالإشراف على برامج الدراسات العليا، وخلصت إلى القول بحاجتنا إلى مراجعة أهداف فلسفة برامج الدراسات العليا، وأقصد بالمراجعة ليس فقط تلك التي يبنى عليها الموافقة على افتتاح برامج جديدة فقط، بل المراجعة الدورية التقييمية الدائمة.

عندما نشير إلى أهداف الدراسات العليا، فذلك يأتي كملاحظة بأن غالبية برامج الدراسات العليا وبالذات الماجستير بالجامعات السعودية تأخذ النمط التقليدي الذي يعتقد بأن الماجستير ما هي إلى مقدمة إلى الدكتوراه والعمل الأكاديمي بعد ذلك، بل العمل البحثي تحديداً، وهذه فلسفة لا تتفق مع الواقع ولا تتفق تحديداً مع رغبات وأهداف الملتحقين والمستفيدين من برامج الدراسات العليا بشكل عام، أو لنقل هي لا تمثل سوى جزء يسير من تلك الرغبات والأهداف، فلو سألنا المهندس أو الإداري أو المعلم لماذا يرغب في الالتحاق ببرنامج الدراسات العليا في أية جامعة محلية؟ فإن الاجابة الرئيسية هي للحصول على موقع أعلى وظيفياً وللحصول على قدر أكبر من المعرفة والمهارة في مجال متخصص وبشكل أقل التحول إلى البحث العلمي كمهنة دائمة.. وبالتالي فإن السؤال الذي يجب أن يسأله برنامج الدراسات العليا هو هل يحقق البرنامج هذا الهدف أو الأهداف التي ينشدها الغالبية من الالتحاق ببرامج الدراسات العليا؟ بمعنى آخر هل يدرك البرنامج أو الجامعة ما هي المهارات والمعارف التي ينشدها الملتحق ببرنامج الدراسات العليا وفي ذهنه العودة إلى ممارسة مهنته الأساسية؟

بحديثي مع بعض المنتمين إلى برامج الدراسات العليا المحلية وبعض أعضاء هيئة التدريس أشك في وضوح تلك الأهداف لدى المعنيين بالدراسات العليا من منظمين ومشرفين، فالتخصص الأكاديمي البحثي جعل أهداف الدراسات العليا تضيق وتختزل في برامج كثير من جامعاتنا لتكون مجرد إجراء بحث كيفما اتفق، يقضي فيه الطالب سنة أو سنتين، دون تفاعل كاف ودون أن يؤدي ذلك إلى الاسهام الفعال في تكوين شخصية مهنية أو بحثية لطالب الدراسات العليا وذلك لغياب برامج بناء مهارات الاتصال والإدارة والتفكير النقدي البحثي وضعف تعليم وسائل البحث والكتابة والتقصي والتدريس والتقديم المختلفة. ولرسم استراتيجية واضحة لبرامج الدراسات العليا بجامعاتنا المحلية أطرح الملاحظات التالية في شكل نقاط مختصرة:

أولاً: أتمنى أن تتم دراسة فلسفة الدراسات العليا لدينا، وبالذات في جانب احتياجاتنا الوطنية والمتطلبات المستقبلية التي تراعي التطورات العلمية والتقنية التي يفترض أن تكون الدراسات العليا أحد الجسور لنقلها وتوطينها إلى وطننا، وحينما أشير إلى الاحتياجات فلست أعني الأعداد وإنما النوعية. يبدو لي أننا نحاول تقليد برامج أجنبية تقليدية ونتعامل مع الدراسات العليا وفق منظور أكاديمي بحت في بعض الحالات، بينما احتياجنا الوطني التوظيفي والاجتماعي والإداري يتطلب التطوير المهني، ذلك التطوير الذي يستوجب التركيز على ايجاد برامج دراسات عليا وبالذات الماجستير أو الدبلومات، مهنية وليست مجرد بحثية سطحية تهدف لنقل الطالب إلى مرحلة الدكتوراه، والمقصود بالمهنية تلك التي تسعى إلى تطوير بعض المهارات القيادية المهنية، حيث غالبية الملتحقين بالدراسات العليا ينشدون التطوير المهني لمراكز إدارية أو عملية قيادية أو متقدمة في منظمة تخصصاتهم، فمدرس الأحياء لن يفيده برنامج الماجستير الذي يقدم له فقط مزيداً من- أو يعيد عليه- معلومات في تخصص الأحياء ويفرض عليه بحثاً معملياً في مجال الأحياء، وإنما سيفيده لو تلقى برنامجاً يسهم في تطور مهاراته القيادية التربوية التعليمية وبالتالي بحثاً ذا علاقة برغباته وتوجهاته المستقبلية، والمهندس لن يفيده برنامج ماجستير يقدم له مزيداً من نظريات الهندسة وإنما سيفيده تلقي مهارات جديدة في إدارة المشاريع وتقييمها ونقدها بنظرة الخبير المتمكن من أدوات بحثه وتقييمه، والقاضي بحاجة إلى مهارات اتصال واستنباط للأحكام أكثر من حاجته إلى تحقيق مخطوطات قديمة في قاعة المحكمة بعد عودته بدرجة عليا… أي أن طلاب الدراسات العليا ليس بالضرورة سيتوجهون إلى مواصلة دراساتهم العليا وتسلم مناصب أكاديمية بحثية ونظرية، كما تفترض جامعاتنا… ليس ذلك فقط بل إن هناك حاجة لتطوير برامج غير تقليدية يشترك أو يتداخل في تقديمها أكثر من قسم، كأن يوجد برنامج المعلومات الصحية كبرنامج مشترك بين الحاسب الآلي وصحة المجتمع، وبرنامج الميكانيكا الحيوية كبرنامج مشترك بين أقسام التربية الرياضية والهندسية الميكانيكية والعلاج الطبيعي، وبرنامج القانون كبرنامج مخصص لخريجي الكليات الشرعية، وغير ذلك من الأمثلة في مجال تداخل ودمج التخصصات.. واستحداث تخصصات جديدة في مجال الدراسات العليا ليست بالضرورة امتداداً تقليدياً لتخصصات البكالوريوس، حيث ان هذا التداخل والتعاون والتمازج بين التخصصات المختلفة أصبح هو رائد التطورات المهنية والبحثية الحديثة، فعلى سبيل المثال يعتبر تداخل ودمج التخصصات العامل الرئيسي لنجاح الأبحاث الحديثة في مجال التقنية الحيوية وثورة المعلومات وغيرها، فلم يكن بامكان علماء البيولوجيا أو الكيمياء أو الأطباء- كل منفرد بذاته- اكتشاف ما يعرف بثورة الجينات لولا إسهام وتداخل تخصصات المعلوماتية والحاسب الآلي مع التخصصات الصحية والبيولوجية.. حينما نفهم الفلسفة والهدف من برامج الدراسات العليا، وفق المتطلبات والأهداف المهنية البحثية والأكاديمية على المستوى المحلي والعالمي يصبح لزاماً علينا تطوير موادنا الدراسية والبحثية وطرق تقديمها وتقييمها لتناسب تلك الأهداف بعيداً عن ضيق الأفق وحصر اهتماماتنا في برامج تقليدية لم تعد تقدم أكثر من شهادات ورقية لا قيمة لها في سوق المعرفة والمهنة والبحث العلمي..

ثانياً: الدراسات العليا إضافة علمية مهنية هامة ولكنها ليست ضرورة يجب أن تتاح للجميع، وبالتالي فإنه من الأولى تقنينها لتكن وفق رسوم دراسية تدفعها الجهات المبتعثة أو يدفعها الشخص، أو الجهات البحثية المانحة، فطالب الدراسات العليا أقدر على دفع رسوم من طالب الدبلوم خريج المرحلة الثانوية، وبالذات حينما تأتي تلك الرسوم عن طريق جهة العمل وعن طريق الجهات المانحة بحثياً وعلمياً، بما في ذلك المنح التي يفترض أن تقدمها الجامعات للمتميزين في هذا الشأن، ودون أن يخسر الطالب امتيازاته الوظيفية.. اقتراح الرسوم الدراسية هنا، ليس للتضييق على طلاب الدراسات العليا أو لأن تلك الرسوم ستشكل دخلاً حيوياً للجامعة، حيث نسبة طلاب الدراسات العليا إلى بقية الطلاب بالجامعة تعتبر قليلة جداً لا يعول عليها في توفير موارد كبيرة، ولكن لأن مثل تلك الرسوم تساهم في تطوير البرامج وتهيئة البنية التحتية المناسبة للبحث العلمي بصفة عامة كأن توفر مكافآت لطلاب الدراسات العليا نظير مشاركتهم في التدريس بالجامعة، وتوفر مزيداً من المصادر والمراجع البحثية التي تحتاجها أقسام الدراسات العليا، وتسهم في عقد ندوات وورش عمل تثري الأقسام العلمية في مجال الدراسات العليا، وتسهم في تشجيع طلاب الدراسات العليا على النشر العلمي والمشاركة في المؤتمرات والندوات.. والأهم من ذلك تسهم في اضفاء الجدية والانضباط في برامج الدراسات العليا من قبل الطالب والمشرف الدراسي والجامعة وجهة الابتعاث أو الجهة المانحة… تلك الرسوم المالية يمكن أن يحصر استغلالها لصالح برامج الدراسات العليا واحتياجاتها التي سنقترح بعضها أدناه.

ثالثاً: طالب الدراسات العليا يجب أن تتجاوز مهامه حضور محاضرة أو محاضرتين اسبوعياً، أو بحثاً يجريه بالريموت كنترول .. إلى المشاركة في التدريس، البحث، اللقاءات العلمية الدورية بالقسم.. الخ وهذا لن يتأتى سوى بتطوير تلك المفاهيم ضمن أنظمة ومتطلبات الأقسام والكليات المختلفة، فلا يمكن أن نخرج قيادياً ونحن لا نشركه في التدريس ولا نطلب منه التدرب على تقديم محاضرات متخصصة وعامة ولا نطلب منه العمل ضمن فريق عمل بحثي أو تدريسي ولا نطلب منه تعلم نشر أبحاثه ولا نطلب منه تعلم كيفية الحصول على منحه بحثية، وغير ذلك من المهارات الأساسية المطلوبة لتطوير شخصية طالب الدراسات العليا القيادية والفكرية والابداعية في مجال تخصصه. ولعل الرسوم الدراسية المقترحة أعلاه، وبوضعها تحت تصرف كليات الدراسات العليا تسهم في هذه الجوانب سواء في تقديم مكافآت لطلاب الدراسات العليا نظير مشاركاتهم التدريسية والبحثية أو توفير بعض الأساسيات التي تحتاجها الأقسام في هذا المجال، بما في ذلك تدعيم المصادر العلمية الحديثة وعقد اللقاءات الدورية العلمية بالأقسام..

رابعاً: أساتذة الدراسات العليا بحاجة أيضاً إلى تطوير مفاهيمهم وخبراتهم وتجاربهم الإشرافية والتدريبية في الدراسات العليا، وهذا ما يجب أن يكون ضمن مهام عمادات الكليات والبحث العلمي والدراسات العليا والأقسام.. فالتجربة لا زالت متواضعة ولابد من صقلها وتطويرها عبر تطوير البيئة البحثية والتدريسية بكل قسم عبر اللقاءات والندوات والدورات، والنظم وغيرها، فمن غير المقبول أن نعهد إلى عضو هيئة تدريس الاشراف على طلاب الدراسات العليا وهو لا يفرق بين تدريس مادة لطلاب الدراسات العليا ولطلاب الجامعة ولا يفهم الفرق بين بحث الدكتوراه وبحث الماجستير، ولا يمكن مطالبة الطالب بالعمل الجماعي في البحث العلمي وأساتذة القسم يعملون بشكل فردي ولا يمثلون له قدوة عملية في هذا الشأن..

خامساً: هناك معايير تقييمية يجب أن تخضع لها برامج الدراسات العليا وتسهم في تطويرها عمادات الدراسات العليا والبحث العلمي، فعلى سبيل المثال يجب تقييم جودة برنامج الدراسات العليا بكل قسم وتخصص بناء على جودته المتمثلة في مؤهلات وإنتاجية أعضاء هيئة التدريس البحثية والتدريسية وعلى امكانات القسم وغيرها من معايير الجودة الأكاديمية، وبناء على قيمة برنامج الدراسات العليا للمستفيد منه طالب الدراسات العليا وقطاع التوظيف والمجتمع، وبناء على قيمة البرنامج أو إسهامه في النمو العام للجامعة في جوانبه البحثية والتدريسية والتدريبية وعدم تعارضه مع رسالتها وأهدافها، وبناء على المصادر المتوفرة للبرنامج من مكتبات ومصادر علمية وأماكن تدريب على مستوى الجامعة والمجتمع. يجب أن توضع معايير واضحة لقياس معايير الأداء والنمو والتطور لبرامج الدراسات العليا تتجاوز مجرد معايير الكم في أعداد الطلاب..

سادساً: لوائح الدراسات العليا ولوائح أعضاء هيئة التدريس ليست نصوصاً غير قابلة للتغيير ومن المؤسف بأن عمادات الدراسات العليا والبحث العلمي وأعضاء هيئة التدريس بالجامعات لم تقدم دراسات أو ملاحظات ايجابية ملحوظة لتطويرها طيلة السنين الماضية، وأراه ضرورة مراجعة لوائح الدراسات العليا، موضوع مقالنا هذا، لتحقق متطلبات أعضاء هيئة التدريس ولتحقق المرونة اللازمة للتطوير المنشود ببرامج الدراسات العليا بجامعاتنا السعودية.

سابعاً: أتمنى أن تكون ضمن مهام كليات الدراسات العليا توثيق صعوبات ومخرجات الدراسات العليا بشكل أكثر دقة وتفصيلاً ليتسنى لنا التخطيط المستقبلي العلمي في هذا المجال، فعلى سبيل المثال نريد معرفة الدارسين على حسابهم والمبتعثين ومعرفة معدلات الانتهاء من برامج الدراسات العليا لكل فئة وتخصص، ومعدلات الانسحاب ومسبباتها، وأماكن عمل وتوجه خريجي الدراسات العليا بالجامعات، وإسهامات طلاب الدراسات العليا في البحث والتدريس وخدمة المجتمع بالجامعة.. وغير ذلك من البيانات التي يفترض أن يخصص لها قاعدة بيانات بكل جامعة وكل كلية وكل قسم. نريد بيانات علمية عملية تتجاوز مجرد عدد الطلبة وعدد الخريجين التي نحصيها ليس للدراسة وإنما للتفاخر بها في تقاريرنا السنوية..

أخيراً أختم بأن ملاحظاتي حول الدراسات العليا المحلية تعني أهميتها والدعوة إلى ضرورة تطويرها كجزء هام ومكمل لتطوير المنظومة العملية التعليمية والبحثية والتنموية. مع أمنياتي لجامعاتنا بالتوفيق.

أضف تعليق